ما هي نظرية التطور لدارون ؟ح2

ما هي نظرية التطور لدارون ؟ح2 (*) د. رضا العطار

عندما اعلن العالم الأنكليزي شارلس دارون نظريته حول تطور الأحياء واصل الانسان عام 1859 ، حدثت ردود فعل عنيفة لدى بعض العلماء وبالخاصة عند رجال الدين في العالم. وحينما اصدر الكاتب العربي سلامه موسى كتابه ( نظرية التطور واصل الأنسان )، في الربع الأول من القرن العشرين، حدثت في العالم العربي والاسلامي ردود فعل اعنف، بين المؤمنين الذين اعتبروا النظرية كفرا والحادا. وانها تتنافى والثوابت القرآنية.

ولهذا السبب احتاج بيع الكتاب ( الطبعة الأولى ) في الأسواق العربية الى اكثر من 25 سنة، بسبب التحريم و الأحجام و التخوف من اقتناءه. لكن المؤلف استبشر خيرا عندما رأى ان اعداد ( الطبعة الثانية ) نفذت في اقل من خمسة سنوات. كان ذلك دليلا قاطعا على تنامي الذهن العربي، بفضل نشر الثقافة العامة بأشواط متسارعة. مما ساعد على انتشار صدى نظرية التطور، بعد ان اخذ النظر الغيبي الخرافي عند العربي يتراجع، ليحل محله النظر العلمي العقلي.

ان نظرية التطور من النظريات الكبرى التي تسيطر على الثقافة الأوربية في الوقت الحاضر، تصوغ عقلية المفكرين في جميع انحاء العالم. وهي قائمة في الاصل على درس التاريخ الطبيعي للأنسان والحيوان والنبات.؟ وهذا الدرس يندر وجوده في اللغة العربية. ولذلك بقيت نظرية التطور غير معروفة رغم مرور اكثر من 150 سنة على صدورها.

فلو كانت لغتنا العربية تساير اللغات المتمدنة، لكانت كتب داروين في متناول القراء العرب. وكنا نعيش بفضل اللغات العصرية عيشة الترف والبذخ بالعلوم والفلسفات الجريئة، ولذلك نجد انه في هذا الوقت الذي يؤلف فيه الأوربيون الكتب، يرسمون فيها خارطة المستقبل، ويتسلطون فيها على المقدرات، يعمد كتابنا العرب الى التأليف عن الماضي، ويحاولون ان يبعثوا الحياة في قبور الاموات، ليحيوا تراثهم المتخلف — والمتأمل لهذه الارض، يجد أمما ناهضة كسبت الرفاه لنفسها بفضل التقدم، واخرى راكدة، ملتزمة بتقاليدها القديمة البالية التي تعيق تقدمها.

اهم عنصر ساعد الانسان في تطوره دون سائر الحواس، هو حاسة البصر المتمثلة في العينين الكائنتين في اعلى الوجه، فإن التطور العقلي الذي نمتاز به انما هو عقل العين التي جعلتنا نرى الاشياء برؤية كليدسكوبية متجسمة وليس رؤية فتوغرافية مرسومة. وذلك لان نافذتنا الى الدنيا هي العين التي تجعل تفكيرنا الى حد بعيد موضوعيا مستقلا عن تأثير عواطفنا.

فلو كانت نافذتنا الى الدنيا هي الانف او الاذن او اللسان لقصر ادراكنا قصورا فظيعا ولأصبح تفكيرنا ذاتيا لا ينقل صورة الدنيا على حقيقتها الى عقولنا بل يحرك عواطفنا فقط، ذلك لأن عقل العين هو عقل منطقي موضوعي، في حين ان العقل الانفي او الاذني هو عقل ذاتي عاطفي. وهذا امتياز عظيم لنا على سائر الكائنات.

والنقطة الثانية هي ضرورة التأكيد على قيمة اللغة في سيادة الانسان على الطبيعة وسائر المخلوقات التي تزاحمه قبل اختراع اللغة، ذلك ان الكلمات هي ادوات التفكير التي حُرم منها الحيوان. ونحن نجمع هذه الأدوات منذ اكثر من مائة الف سنة. فلم نسمّي الاشياء بأسمائها فقط انما اخترعنا لها علاقات التي ما كان يمكن للأنسان فهمها لولا الكلمات. فكلمات الصدق والحب والتأخي والفهم والسخاء والمجد والشرف والظلم والعدل ونحوها انما هي كلمات تدل على علاقات بشرية بين شخص وآخر. وبأختراعها اصبح المجتمع البشري كيانا مستطاعا.

ليست نظرية التطور تكسبنا معرفة فحسب، بل نكسبنا مزاجا ومذهبا حيويا تجعلنا ننظر الى الارتقاء البشري كضرورة اجتماعية. وجوهر قيمته العالية يكمن في انها تناقض الركود بل ترقى الى التغيير نحو الاحسن، ومصارعة الظلم الاجتماعي الذي هو مخالفة خطيرة وتحطيم مدمر لوجود الانسان، ومن هنا يتضح سبب محاربة الانظمة الاستبدادية لنظرية التطور.

عندما يشعر احدنا انه مرتبط بصلة مع الاحياء، حينذاك يحترم الحياة، لأن كل حي قريب للأخر بقرابة، اذا لم تكن رحمية فهي تطورية. وبهذا الوجدان نكون اكثر انسانية، فلا نستهتر بالمخلوقات ولا نبيدها كما يفعل المتوحشون في افريقيا، فقد اوشكوا ان يبيدوا الأسد والفيل والزرافة وحتى الطيور الجميلة، كالطاووس، لأن نزق النساء كان يحملهن على التزين بريشها الزاهي.

لم يكن داروين لحدود المعارف التي كان يعرفها، يستطيع بلوغ الآفاق التي بلغناها نحن في ايامنا هذه بعد ان عرفنا الذرة. ولذلك كانت نظرية التطور تنطبق عنده على الأحياء فقط. اما الان فأننا نعرف انها تنطبق على الكون كله. وهذا التصور الجديد للأنسان هو تحرير جديد للعقل البشري عن اوهام المستقبل على هذه الارض.

وقد مضى الزمن الذي كانت هذه النظرية تستخدم من قبل الحشاشين في نوادرهم ونكاتهم، لأننا قد اصبحنا نحس احتراما بل ابتهالا عندما ينبسط لنا موكب الاحياء منذ الف مليون سنة الى الان بما فيه من الناهض المتقدم الى الساقط الفاشل. ومن خلال هذا الكوكب نتبين فضائل الحياة ونستكشف اسرار البقاء.

ويختم المؤلف قوله : من سعادة حياتي اني الًفت هذا الكتاب منذ اكثر من ثلاثين سنة، واحتاجت الطبعة الاولى الى نحو 25 سنة حتى نفذت. اما الطبعة الثانية فقد نفذت في اقل من خمس سنوات وفي هذا برهان على انتصار النور على الظلام، وعلى ان النظر العقلي العلمي المادي يأخذ عند جمهورنا مكان النظر الغيبي الاسطوري الخرافي.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان لسلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close