شيء من سيرة حسوني الغريب

فرات المحسن 

لوح الرخام 

مرر كفه فوق وجهها الأملس ومسح عنها التراب العالق، فظهرت عروق الرخام البنية، مثل لوحة لشجرة تتدلى أغصانها نحو الأرض. دسها تحت ثوبه، وعاد بعجالة إلى البيت. قدر حجمها ثم وضعها تحت سريره. كانت قطعة رخام جذابة أغرته بجمالها فخبأها عن الأعين. حدث ذلك في ربيع عامه الرابع عشر. اليوم تذكرها، فجأة قفزت إلى ذهنه ومعها فكرة مثل ومضة برق. 

ذهب حيث خبأها وسحبها من تحت السرير، مسد وجهها، وأزال عنها بطرف ثوبه غبار السنتين الماضيتين. ابتسامة عريضة بغمازتين غائرتين ارتسمت فوق وجنتيه. يأخذها معه إلى ساحة التحرير، هكذا فكر، ولكنه في النهاية استغنى عن ذلك، فلا حاجة لمثل هذا في الوقت الراهن. 

في الخيمة التي اعتاد المرابطة داخلها وسط ساحة التحرير، وفي ذلك المساء المليء بالدخان الخانق، سأل عنه فأجابوه، أنه يسمى النقاش أو النحات. وبدوره كان قد عرفه بهذا الاسم. يسمونه النقاش، اكتفى في بادئ الأمر بهذا، مثلما سبقه الجميع بالإحجام عن الإلحاح في البحث عن معنى كلمة نقاش. 

 كان النقاش ضعيف البنية بلحية كثة،أغلب الأوقات يشاهد ساهيا يطالع الجدران وينفث دخان سيجارة، أبدا ما سقطت من فمه. لم يكن يغادر الطابق الثالث من المطعم التركي، الذي سمي بجبل التحرير أو أُحدْ، إلا نادرًا.   

تعرف حسوني عليه بواسطة إبراهيم أبن المعلم جودة الجواهري. حينها قدمه أليه مع سلام حار وتحايا متبادلة. سماه بالنقاش، مثلما يفعل الآخرون ، ربما اختفى أسمه أمام ذلك اللقب، وما عاد أحد يجهد لمعرفة اسمه الحقيقي، فهنا تختفي الكثير من الأسماء لتحل بدلها ألقاب أو صفات، بعضها يكون مضحكا والبعض الأخر مؤسيا. 

كان حسوني الغريب يظن أنه الحائر الوحيد أمام تسمية نقاش، فقد أدهشه الاسم حين سمعه للمرة الأولى، لم يجد من يفسر له هذا، ولم تسعفه ذاكرته حينها، ولا حتى شطارته في الحصول على المعنى الكامل لكلمة نقاش، فخزينه من المعرفة تفتح في السوق الشعبي لمدينة الحرية الثانية، برفقة عربة حمل صغيرة، يسحبها جسده الصغير بتثاقل، منذ الصباح الباكر، لحين الشعور بالإنهاك عند غروب الشمس. لم يرغب أن تكون هذه العربة عدته لزمن طويل، لذا جازف ليمتلك من خلال الاستلاف عربة التك تك التي أطلق عليها دون تردد ومنذ اللحظة الأولى، وحين أصبحت ملكا حلالا له،أسم رجاء. وضع القطعة الخشبية المربعة الصغيرة بلونها الأحمر القاني، وقرر أن يكون الاسم بصبغة الفسفور الأخضر المشع، وبيقين راسخ كانت قناعته بأن هذا اللون سيضيء في الظلمة عند عودته مساءً، فيشع أسم رجاء براقا، عندها يطالعها المارة فيشاطرونه فرحه. 

 وقتذاك علق القطعة الخشبية جوار مصباح العربة الأمامي، وراح  بموجة ضحك يضرب معها الأرض بقدميه، ويصرخ مطلقا بهجة، كانت تنفلت مثل ومض شعاع من بين جوانحه الطرية . شاركه رفاقه الصبية فرحه وصراخه، وراحوا يربتون على كتفه وظهره، ويقبلونه مباركين له الانتصار الباهر. كان أسم رجاء يعني له أول نشوة روح لصبي بلغ الحلم. فرجاء جارتهم الحلوة التي رحلت قبل عام مع أهلها نحو أقصى الجنوب، تركت في صدره لوعة حارقة، فطبع أسمها بين شغاف قلبه، ولن يفرط بذلك لحين الموت، كما عاهد نفسه وعاهدها في ذلك الليل البهيم الحزين حين أخبرته برحيلها.   

ما الذي تعنيه كلمة نقاش؟ سارع إبراهيم أبن المعلم جودة ألجواهري وهو من كان يجاوره في الخيمة عند الطرف القريب من نفق التحرير، بالإجابة على سؤاله .  

ــ النقاش أوالنحات يا صديقي يعني المَثّال الذي يصنع التماثيل ويشذب الحجر بأزميله الحديدي الحاد أو يحفر في الحجر. 

برزت أمامه كلمات غريبة كان يحتاج الكثير للتعرف عليها جيدا ، قبل أن تفلت من تلافيف دماغه، نقاش، نحات، مَثّال، يشذب ثم أزميل ، لقد ولجت خاطره مثل سمكات وضعت في حوض ماء، ما كان الحوض ليسعها جميعا،  لذا راحت تلوب دون مهرب. فرك فروة رأسه المشعثة ومال بجسده نحو إبراهيم وهمس. 

ــ تريد لي الجنون قبل موتي؟. 

 ثم طلب من إبراهيم الخروج من الخيمة والجلوس في عربة التك تك. 

كان الهواء ساكنا ثقيلا مضمخا بروائح عفنة لبقايا الغاز المسيل للدموع . بابتسامة عريضة وبصوت دافئ ودود شرح له إبراهيم باقتضاب وبكلمات بسيطة، معاني تلك الكلمات، فشعر بالراحة وانبسطت أساريره وبصوت خافت قال: 

ــ حبيبي برهوم، أود أخبارك بشيء، لا أريد أن يعرفه غيرنا. 

ــ قل، سر ؟ 

ــ كلا ليس سرًا وإنما شيء خاص بي . 

ــ تحدث عزيزي ربما أنفع في بعض الحالات. 

ــ في البيت عندي قطعة مرمر أود أن يخط النقاش عليها أسمي وأسم حبيبتي. 

ــ واو يا صاحبي لديك حب تخفيه عني. 

ــ كلا يا صديقي كان ذلك في زمن مضى، ولكنه بقى عالقا في القلب. 

ــ هل تركتك ؟ 

ــ شيء من هذا القبيل ، فقد رحلت مع أهلها قبل عام، ولم أعد أعرف عنها شيئا. 

ــ رحلت بعيدا ؟ 

ــ بعيدا جدا حيث الجنوب. 

ــ ولمَ تود وضع أسمها جوار أسمك ولأي غاية تفعل هذا؟ 

ــ ألم يتعلق قلبك بفتاة ؟ 

ــ نعم ومعها لحد الآن. 

ــ إنها معي في خاطري وفي قلبي، وأشعر أنها تحس بما أضمره لها في صدري. 

ــ حب جنوني . 

ــ سمه ما تشاء، ألم تسمع أغنية راغب علامة توأم روحي؟ 

ــ وماذا يقول راغب في هذا الشأن. 

ــ أجمل حاجة يروحي أنك توأم روحي وحبك أملي وروحي. 

ثم أطلق ضحكته الرنانة المتقطعة التي تشبه بتموجاتها صياح الديك الرومي. 

كان حسوني الغريب قد تعرف على إبراهيم في وقت حرج جدا،فهو من أسعفه بعربة التك تك، وحمله حيث العيادة الطبية، بعد أن جرح بطلق ناري أخترق ذراعه الأيسر، وبعد أن تعافى إبراهيم، عاد لمهنته كصائد لقنابل الغاز، إثرها باتا صديقين يتبادلان الأحاديث والنكات بجدية وأريحية، رغم أن إبراهيم يكبر حسوني الغريب بخمس سنين. 

*** 

كان حسوني الغريب قصيرا ضعيفا حنطي البشرة. لم يسبق له الجلوس أمام مرآة لتسرح له أمه شعره المقصب، حتى حين كان عليه الذهاب إلى المدرسة، التي عافها عند الصف الخامس ابتدائي، لم يفكر يوما بطبيعة شعره المميز، ولا حتى يعترض على من يعيبه عليه. ترك الدراسة بعد موت أبيه مباشرة. ذلك اليوم لم تدمع له عين، ولكنه عند الساعة الأولى حسم أمره مع المدرسة، بعد أن شعر بفطرة الصبي المنكوب، بأن ليس هناك معين بعد اليوم له ولأمه المريضة، لذا أتخذ القرار دون نقاش مع احد. بدورها لم تعترض الأم، وما كانت لعلتها تستطيع ذلك، وماتت في السنة التالية، بعد أن خذلها قلبها. بعد أيام قليلة من موتها، وجد نفسه يتأبط قطعتي ثياب، وهي كل ما كان يملك، ويدب مكسور الخاطر نحو بيت عمه البصير، تاركاً وراءه تلك الحجرة الصغيرة، بسقفها الصفيحي المدوي كالطبول حين المطر، والضاج أيام الريح العاتية. 

 ليس بالوقت الطويل حين وجد نفسه مثل دابة، يلف ويدور وسط سوق الخضار القريب ليقدم خدماته لمن يحتاجها، ذلك ما أراده العم فأطاع، وبفضل روحه الخدوم كسب مودة وعطف الناس. ثم حصل على عربة صغيرة بثلاث عجلات، راح معها يجوب السوق، رغم ثقلها على جسده الناحل. في قيظ بعض النهارات كان يجتزئ بعض وقت، ليلعب كرة القدم مع أقرانه، في الساحة المجاورة للسوق والملاصقة لمدرسة الحي. كان جل هؤلاء الصبية الذين يشاطرهم اللعب من الطلاب الذين يفضلون اللهو على الدروس الجافة المتعبة، فيهربون خلال الفسحات الدراسية ويتجمعون في الساحة المتربة.  

كان حلمه الوحيد والكبير قبل أن يتعرف على رجاء، أن يرى عربته الخشبية تتحول إلى سيارة حمل يجلب بها الخضار من مختلف المدن القريبة والبعيدة عن بغداد، وكان يرسم لذلك مشاريع كبيرة، بأحلام تتجاوز عمره الصغير، قص بعضًا منها لصديقه إبراهيم جودة الجواهري، الذي لم يبخل عليه بالتشجيع والحث على تطوير مهنته مستقبلا بعد نجاح الانتفاضة. 

ــ ومن أين لك قطعة الرخام هذه؟ 

ــ ذات يوم وجدتها مطروحة عند طرف السوق. 

ــ ربما كانت عائدة لأحدهم؟ 

ــ لم تكن لأحد، وكانت مهملة لأيام عديدة، وقد أعجبتني فأخذتها. 

هكذا قص حسوني الغريب حكايته مع قطعة الرخام، بعد أن جلبها وعرضها على صديقه إبراهيم، وطلب منه الذهاب حيث يجلس النقاش ليعرضها عليه، ويطلب منه النقش على وجهها بخط عريض وجميل (( حسوني الغريب ورجاء إلى الأبد )) طلب هذا دون أن تكون لديه أدنى فكرة عن كيفية عمل النقاش، وود لو جلس ليشاهد الأزميل وهو يحفر أحرف أسمه جوار أسم رجاء. 

تناول النقاش قطعة الرخام ووضعها خلف ظهره، ودون في دفتره الصغير وهو يبتسم، أسم حسوني الغريب وجواره أسم رجاء ثم إلى الأبد. 

ــ يومان يا صديقي . 

ــ أليس ذلك بوقت طويل. 

ــ حسنا أجعلها ثلاثة أيام . وأطلق ضحكة مكتومة وهو يتفحص وجه حسوني الغريب، الذي أدار وجهه المخذول نحو صاحبه إبراهيم، وبعيون قلقة مرتبكة وكأنه يحثه على التدخل وحسم الأمر.فأجابه إبراهيم  

ــ أوكي حسوني الحبيب يومين ليست بالكثير ونأتي لأخذها . 

 

*** 

أحتضن حسوني الغريب لوح الرخام وكأنه يخاف أن يفلت من بين يديه ويتهشم. كان يهبط السلم بحذر ويراقب أقدامه وهي تتلمس مكانها فوق درجات السلم الأسمنتي خوفا من زلل. تبادل الابتسامة مع صاحبه إبراهيم، ووضع لوح المرمر فوق مقعد عربة التك تك وراح يزيل بسرعة وفرح غامر الحبل الرابط للوح الخشبي. 

ــ برهوم حبيبي تعتقد الحبل هذا يكفي لحمل وتثبيت لوح المرمر . 

ــ تستطيع أن تجد حبلا آخر أكثر متانة من هذه الحبال.أدخل الخيمة، هناك مجموعة أسلاك يمكنك اخذ بعضٍ منها واستخدامها لحمل اللوح المرمري. 

ــ فكرة سليمة جدا. 

شد بقوة على رأسي السلك وسحبهما أليه ثم لفهما بقوة وربطهما بالحامل الحديدي لمقدمة عربة التك تك،وأبتعد ليتأمل وضع لوح المرمر. صفق بيديه فرحا وسحب صاحبه إبراهيم من ساعده، ووقفا أمام عربة التك تك يتمليان اللوح الرخامي المحفور فوق وجهه بلون فاحم بارز(( حسوني الغريب ورجاء إلى الأبد )). جلس حسوني القرفصاء وطلب من إبراهيم الجلوس جواره والنظر لهذا التغيير الجميل الذي أحدثه اللوح الرخامي، وكيف أصبح عليه منظر مقدمة العربة وهي تحمل هذا اللوح، وقد تشابكت فيه عروق الرخام البنية لتكون منظرا لشجرة متدلية بأغصانها تحتضن أسمه وأسم رجاء. 

ــ كم هي جميلة هذه اللوحة، أشعر أن رجاء تعرف ما فعلته ليكون أسمها جواري وإلى الأبد. 

ــ كل شيء جميل يا … 

لم يكمل إبراهيم جملته فقد شتت ذهنه صفير المقذوف وهو يخترق صفو المكان، وأحس به  يخطر مثل البرق ليحاذي رأسه . فجأة سمع صرخة ألم ندت عن حسوني. كانت قذيفة الدخان المسيل للدموع قد اخترقت رأسه من جانب الصدغ الأيسر وتوغلت بأكثر من النصف داخل رأسه الصغير. كان الدخان يفور خارجا من الرأس ليشكل كتلة ضباب غطت وجه حسوني الغريب ، مال جسده نحو الخلف وأخذ يتلوى مثل ذبيح . بضع ثوان وخمدت حركته.  

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close