الشرعية القانونية

الشرعية القانونية
د. ماجد احمد الزاملي
تعددت النظريات والاسس التي ساقها المفكرون الليبراليون، في تبرير وتفسير، وجوب خضوع الدولة للقانون، وان القواعد القانونية وخطابها تشمل السلطة ومؤسساتها، بهدف الوصول الى نوع من تقييد نشاط الدولة وعدم السماح لها بالتدخل في مجالات النشاط الاقتصادي، ولتبقى تلك المجالات حكرا للنشاط الفردي. ولا يمكن ان لا يستند الحاكم او السلطه على اي من الشرعيه او المشروعيه او كلاهما معا الا اذا كانت سلطات احتلال او الانقلابات العسكريه فهي لاتستند الي اساس قانوني لتكتسب صفة الشرعيه او الى رضا غالبية الجماهير لتكتسب صفة المشروعيه ويطلق عليها في هذه الحاله الحكم الفعلي او الواقعي. ان القانون هو الذي يسود السلطة العامة، فمنه تستمد وجودها وسيادتها، فهي تحكم باسمه وعليها ان تلتزم حدوده فيما تتخذه من قرارات او اجراءات، او فيما تصدره من اوامر. ولقد سجل دستور 1791 الفرنسي الثوري هذا النظام، إذ نص، على انه ليس ثمة سلطة في فرنسا، أسمى من سلطان القانون، إن الملك لايحكم الا بمقتضاه وبأسمه. ان كل تصرف في نطاق العلاقات الاجتماعية، يتطلب نوعا من القيود، او بالاحرى القواعد، التي تقتضي، ليكون ذلك التصرف صحيحا، وان يتم بالاستناد الى تلك القواعد، وقد لاتكون تلك القواعد قانونية، بل قد تكون اخلاقية او اجتماعية، متعددة الطابع والطبيعة، وبالتالي يدور التساؤل حول علاقة هذه المطابقة التي تجري مع المبادئ الاجتماعية المتعددة بتلك التي تقع مع القواعد القانونية السائدة. والنظام الذي يكتسب المشروعيه يمكنه ان يشرع القوانين والقرارات المناسبه ولكن لاتكفيه هذه المشروعيه اذ انه لابد ان يستمد سلطته من قانون او دستور ولذلك توضع الدساتير لتضفي الشرعيه على من يستند اليها في الحكم. والحاكم الذي يستند في سلطته الي القانون والدستور فهو ولا ريب حاكم شرعي حتى وان لم ترضا عنه الجماهير ففي هذه الحاله يفقد المشروعيه ولكنه يبقى شرعيا . والسلطه الشرعيه لا يمكن انتزاعها الا بالطريق الشرعي او بالمشروعيه الجماهيريه وهي الثوره الشعبيه. ومن الجلي ان الدستور عبارة عن تجسيم للفكرة القانونية السائدة، والتي هي اساس شرعية كل تصرف في هذا المجتمع السياسي. فالدولة عند وضعها القوانين، إنما تتبع قواعد معينة بالدستور، تحدد اختصاصها، وتبين ميادين نشاطها. فهي اذن مقيدة، بحدود مرسومة لها، لايجوز لها ان تتعداها، وهذا هو فيصل التفرقة بين الدولة الخاضعة للقانون، وبين انواع اخرى، من الدول التي لاتتقيد بحكم القانون.ولما كانت العملية التشريعية تتم في صورة المجالس او البرلمانات، او ماشابه ذلك، فان اي تدخل من قبل الدولة في اي مجال، يمكن ردعه مقدما عن طريق عدم الموافقة عليه، بالصورة القانونية عبر التشريع من منطلق هيمنة الطبقة الحاكمة على تلك الاجهزة التشريعية ووفقا للمبادئ والافكار السائدة ووفقا لمصالحها.بات من المسلمات الان، ان لايكفي لحماية حقوق الافراد وحرياتهم العامة، ان تتأكد سيادة القانون في شأن علاقتهم بعضهم مع البعض الاخر، بل اصبح يلزم لتوكيد هذه الحماية ان يسود القانون علاقتهم مع الدولة، وما يتفرع عنها من هيئات عامة. و مثال التفرقة بين الحكومة أو السلطة التي تأتي عقب ثورة شعبية فهي تكون حكومة شرعية و تتصف بالمشروعية لأن عملها يتقبله الشعب . لذلك نقول يُقصد بالشرعية السلطة أو الحكومة التي تستند في وجودها إلى القواعد المحددة في الدستور أو في النظام القانوني، فإذا وجدت سلطة أو حكومة دون أن تعتمد على السند الدستوري أو القانوني فهي لا تتمتع بصفة الشرعية. و نشير إلى أنه ليس هناك ترابط بين صفة الشرعية والواقعية أو الفعلية للحكومة و بين مضمون نشاطها وأهدافها التي تسعى إلى تحقيقها و إنما العبرة من إستنادها في وجودها إلى سند قانوني لممارسة السلطة فإذا وجد هذا السند القانوني كانت حكومة أو سلطة شرعية أو قانونية.
ولابد للدولة الخاضعة للقانون بين التقيد في الحدود الواردة في دستورها، طالما ان الدستور ممثل للفكرة القانونية السائدة، او بعبارة اخرى ــ لابد ان تخضع السلطات جميعا ــ رئيس الجمهورية ــ رئيس الوزراء والوزراء والبرلمان لمبدأ شرعية تصرفاتهم. ويترتب على ذلك ضرورة الرقابة على تصرفات تلك السلطات ومنها السلطة التشريعية عند ممارسة نشاطها في تشريع القوانين. حيث عليها ان تحترم الحدود والقيود الواردة في سلطاتها وان تلتزم بها. والقضاء العادي او المتخصص هو المطبق لتلك القوانين. ويكون حارسا لهذا الاحترام وضامنا لهذا الالتزام، ويكون ذلك عن طريق تقرير حقه في مراقبة دستورية القوانين استنادا الى مبدأ شرعية تصرفات المسؤولين (الحكام) في الدولة التي تخضع للقانون. فهناك في الدولة التي تخضع للقانون، قواعد قانونية مختلفة الدرجة من حيث الالزم، يخضع بعضها لبعض. ويترتب على هذا التدرج، ان القواعد التنظيمية يجب ان تعمل في الحدود التي ترسمها القواعد التي تسمو عليها. فالمرسوم يخضع للقانون والاخير يخضع للحدود الواردة في الدستور. ويتضح من ذلك، ان الدولة لايمكن ان تكون شرعية الا اذا كانت تصرفاتها في حدود القانون. اما اذا كانت السلطات تستطيع التصرف خارج حدود القانون، فعندها لايمكن ان تتصف الا بالاستبداد، حتى وان اختار النظام السياسي، شكل نظام ديمقراطي ويلبسه لباسا مقبولا الى حد ما بينما يطبق من حيث الواقع نظاما استبداديا تعسفيا استند فيه على الطائفية والعنصرية وسياسة الحزب الواحد، وبعيدا عن حرية الرأي، وسياسة الرأي والرأي الاخر، ولم يتقيد بكل قيد قانوني يفرضه الدستور الواجب احترامه من قبل الجميع. “ان خاصية التعميم في القاعدة القانونية ليست معناها تعميم سريان القاعدة القانونية، ففي ظل النظم الحديثة لاتدع ايا كان، في داخل نطاق الجامعة السياسية ــ الدولة ــ يفلت من الامتثال لها، او يتمكن من الاخلال بها، وذلك دون تمييز بين حاكم او محكوم، او بين هيئة خاصة او عامة. وبعبارة اخرى، ان التعميم في القاعدة القانونية من شأنه إخضاع المحكومين والهيئة الحاكمة على السواء، للقاعدة. فليس للاخيرة ان تسمح لنفسها بالخروج على احكام القاعدة القانونية، بحجة انها موجهة الى المحكومين فحسب. ان السيادة في النظم الحديثة ــ للقانون ــ تتسلط على كل تصرف او اجراء يصدر عن اية سلطة داخل الدولة، مهما علا شأنها. ان السلطات العامة، تخضع في كل مايبدر منها من نشاط وما تتخذه من اجراء، للقواعد القانونية القائمة، فلا يفلت اي اجراء يصدر عنها من سريان القواعد القانونية التي تقدمته ــ انه نظام ــ المشروعية. ومن البديهي ان القواعد القانونية تفقد قيمتها، إن هي فقدت سيادتها. فالقواعد القانونية وجدت لتحكم علاقات اجتماعية بهدف توجيهها وجهة تحقق الغرض الذي وجدت من اجله. فان اختلف الاتجاه الذي تسكله العلاقات الاجتماعية عن الاصول المفروضة في القواعد القانونية، دون ان يمكن تقويمها, فقدت هذه القواعد مبرر وجودها، وبالتالي تقوضت سيادتها. فحين تتغاير الاتجاهات المتكونة في القواعد القانونية مع خطوط سير المصالح الاجتماعية التي تحوز الحماية القانونية , تلتصق صفة المشروعية بالسلطة التي تتفق تصرفاتها و نشاطاتها مع مقتضيات تحقيق العدالة، و تارة أخرى يقصد بها السلطة التي تستند إلى رضى الشعب، و من ثم يمكن القول أن سلطة الحاكم المطلق أو المستبد غير مشروعة و إن أستندت إلى نص الدستور القائم أي حتى و لو كانت سلطة قانونية، و على العكس تكون سلطة الحكومة الثورية مشروعة و لو قامت على أنقاض حكومة قانونية كانت تستند إلى أحكام الدستور. إن الشرعية والمشروعية يدخلان في علم السياسة والقانون الدستوري بقدر ما يتعلق الأمر بتعين السلطة التشريعية.الفقيه” اندريه هوريو” الفرنسي ـ يقول إن المفهوم السياسي للشرعية هو إن تستمد السلطة وجودها من رضاء المحكومين. الشرعية الدستورية تعني أن يكون الدستور القانون الاسمي في بلد من البلاد هو المرجع لتحديد مؤسسات الدولة واختصاصات هذه المؤسسات والقائمين بتمثيلها المعبرين عن إرادتها . والدستور إذ يحدد سلطات الدولة ومؤسساتها يقتضي أن تكون تلك السلطات والمؤسسات خاضعة للدستور عاملة في إطاره لا تعدوه ولا تخرج عليه . ومن هنا قيل أن الدستور تضعه ” السلطة المؤسسة ” في الدولة وان هذه السلطات والمؤسسات داخل الدولة إنما هي سلطات مؤسسة والدولة نفسها في ظل الشرعية الدستورية تعتبر مؤسسة المؤسسات . ومن المنطقي أن السلطة المؤسسة وما تضعه من دستور تأتى في وضع اعلي واسمي من السلطات المؤسسة وما يصدر عنها من قوانين أو قرارات أو حتى أحكام قضائية. إن شرعية الدستور تعني قبوله من قِبل المجموعة، وبموجب معايير وقِيم تستمد جذورها من الحالة التأسيسية للعلاقات الاجتماعية ذاتها، والشرعية هي قيمة سياسية ، لأنها يحيل إلى إحساس المواطنين وقناعاتهم بأن الدستور هو الراعي والضمانة لخدمة المصلحة العامة. إنها قدرة هذه الوثيقة بما تتضمنه من ضمانات قادرة على تكريس القناعة لدى غالبية الشعب بأن المؤسسات السياسية القائمة هي الأكثر ملائمة للمجتمع، وأفضل من أية مؤسسات أخرى يمكن إقامتها، مما يمنحها، من حيث النتيجة، الحق في طلب التعامل معها والإيمان بمقدراتها، والدستور يكون شرعيا عند الحد الذي يشعر مواطنوه أنه صالح وفي توافق تام مع القِيم والمصالح الأساسية للمجتمع ويستحق التأييد والتطبيق، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال أن يستطيع المواطن أن يلمس ويعيش تغييرا على مستوى تفعيل الخطوات والقرارات التي تجعل من القانون ومن الدستور أسمى من كل الخروقات والضرب على أيدي المفسدين . ومن الصعب أن يثق أي مواطن بسيط في أي انتخابات غير شرعية ، وهنا يفقد الدستور كل شرعيته وكل دعائم النهضة التي علقها عليه الشعب. إن فصول الدستور أكيد ستظل جامدة تحتاج إلى من يفعل بنودها ويجتهد من داخلها حتى تعيش بيولوجيا، وحتى يتضح لنا فيما بعد أن ما كان جيدا ضمنها قد يصبح هو الأخر متجاوز ومحتاج إلى التعديل أو حتى إلى التغيير، فالقانون دائما هو نتاج للتحولات والمتطلبات المجتمعية، وإذا كان قد اكتسب الدستور مشروعيته من الاجراءات التنظيمية والقانونية المتبعة في اعتماده. كذلك السلطة القضائية مع الاختلاف بين طبيعتها وطبيعة السلطتين التشريعية والتنفيذية فهي سلطة غير منشئة فهي لا تشرع القوانين ولا تصدر قرارات وأنها هي تفصل في منازعات تثور بين الناس مع بعضهم أو بين الناس وأجهزة الدولة أو حتى بين أجهزة الدولة نفسها . السلطة القضائية سلطة غير منشئة بهذا المعني وإنما هي سلطة فصل في المنازعات وهي تفصل في هذه المنازعات علي ضوء أحكام القانون . النظام الديمقراطي قد يحتاج إلى إدخال فعل الشرعنة في قراراته وتدبيره لشؤون المجتمع بما أنه لا ينجح إلى حد ما في التأليف بين الشرعية والمشروعية عن طريق فسح المجال أمام الإرادة العامة لتشريع القوانين ويعمل على احترامها نصا وممارسة وروحا، أما الحكم الاستبدادي فهو نظام مشروع عندما يحكم بالقانون ولكنه فاقد للشرعية بحكم أن الأقلية هي التي وضعته لحمايتها من الأغلبية ولا تتوانى في التعدي عليه وتوظيفه لحسابها الخاص، أما سلطة الطغيان فهي أشد أشكال الحكم تعسفا وذلك لتحركها وفق نموذج حق الأقوى وتغييبها سلطة القانون وسيادة الشعب ولهذا تكون فاقدة للشرعية والمشروعية معا. ومن خلال ذلك، اي من خلال اخضاع الدولة للقانون. تحت شعار (مبدأ سيادة القانون) تكون النشاطات الاقتصادية وغيرها بمنأى عن اي تدخل محتمل من قبل الدولة حسب الفكر الليبرالي السائد في اوروبا الغربية مثلاً.
ولو أخذنا العراق كمثال فقد ساهم الاحتلال الأمريكي في تغيير موازين القيادة داخل العراق بعد سقوط النظام، حيث أدى إلى بروز تيار الإسلام السياسي كقوة فاعلة في العراق، تزامناً مع فشل المشروع القومي ، وتَعثّر اليسار العراقي والعربي بشكل عام. فأصبح العراق تحت قيادة أحزاب إسلامية انعكس ذلك سلباً على الداخل السياسي العراقي، من حيث تعامل الحركات السياسية الطائفية مع بعضها بعضاً دون الاعتماد على النهج الديمقراطي في تَسيير عجلة العملية السياسية. دور العراق في المشروع الأمريكي فيما بعد الانسحاب حددته الأطراف الرئيسية في العملية السياسية ، ويتحدد ذلك من خلال المفاوضات بين الجانبين على أسس وطنية تسهم في تصحيح مسار العملية السياسية، وذلك بإلغاء المحاصصة الطائفية في تشكيل الحكومة الوطنية، وتفعيل دور المصالحة الوطنية، واستيعاب كافة الأطراف في بناء مركز الدولة، بالإضافة إلى عقد المؤتمرات الوطنية الفعالة مع الفصائل المعارضة والتي لم تتلطخ اياديهم بالدم العراقي ، ومحاولة دمجها في التشكيل الحكومي. كل ذلك من شأنه أن يدفع باتجاه بناء عراق قوي يستعيد مركزه وقوته الداخلية والإقليمية، وإفشال مؤامرات المشروع الأمريكي التي تسعى إلى إعادة المشروع من الخارج للتأثير فى الداخل العراقي، بعد استغلال الضعف الداخلي. تكمن ازمة الدولة في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص انها كانت نتيجة طبيعية للإستعمار الكولنيالي، فهي لم تكن نتاجا طبيعيا للبيئة المحلية ولا تعبيرا عن رغبات الجماعات السكانية المتنوعة او تمثيلاً طبقياً للمجتمع، بل انها كانت نتاجاً فوقياً. لقد أدركت النخب العراقية الحاكمة إنَّ برنامج الإصلاح المطلوب يعني إلغاء وجودها نفسه لصالح صعود نخبة جديدة، وبالتالي أنها عملية انتحار ووقفت بجميع الوسائل ضد برنامج الإصلاح الذي يشكل برنامج انقلاب على النظم المركزية واستبدالها بنظم تعددية.وبالتالي من المستحيل تجاوز المحاصصة الطائفية في الدولة ما دامت موجودة في الاحزاب نفسها. إذا كانت الاحزاب الاسلامية غير قادرة على تجاوز طائفيتها والتحول الى أحزاب اسلامية جامعة لكل الطوائف، فكيف يمكنها أن تجعل الدولة تتجاوز الطائفية, ومن أهم مهمات المثقفين العراقيين العمل على نشر الفكر الوطني الذي يدعو الى جعل الوطن ووحدته فوق كل إعتبار . فهذه الثقافة الوطنية وحدها القادرة على تحويل الاحزاب الطائفية الى أحزاب وطنية. وبالتالي إلغاء الطائفية من الدولة والمجتمع والثقافة. لو أخذنا كمثال، حالة عنفية معروفة، هي الحرب العالمية الثانية أواسط القرن الماضي، لوجدنا إن هذه الحرب اندلعت كتعبير عملي عن ثقافة العنف التي كانت سائدة حينذاك، من الحقد والعداء للآخر التي تراكمت في نفوس الاوربيين، خلال سنوات طويلة من المظالم الوطنية والطبقية. والذي يراجع النتاجات الثقافية السائدة في أوربا قبل اندلاع الحرب، يلاحظ بكل وضوح طغيان النصوص والخطابات التي تدعوا الى العنف وتبرر التضحية بالذات وقتل الآخر. أية حرب، دولية كانت أم حزبية أم طائفية، تقوم بتأثير مجموعة من القادة والمحاربين والمتطرفين. بل هي تقوم أولاً، وتتغذى وتبرر ديمومتها، بواسطة شبكة واسعة ومعقدة من القناعات والمواقف الثقافية والنفسية التي تمنح للمحاربين زخماً للتضحية بالنفس وللحقد على الخصوم وتبرير قتلهم. وهذه الشبكة الثقافية الواسعة، لا يمكن أبداً لحزب أو منظمة أو جهاز، وحده أن يصنعها، وفي فترة زمنية قصيرة، بل تشترك في صنع هذه القناعات والمواقف جهات ثقافية وسياسية ودينية متعددة ومختلفة وليس بينها أي تنسيق بل ربما هي مختلفة ومتصارعة، لكنها خلال فترة طويلة اشتركت من دون قصد وبأشكال مختلفة ببث وتبرير هذه القناعات والمواقف التي تُشجع الحقد على الآخر وتبرر مفهوم التضحية بالنفس بأسم الاستشهاد، والانتقام من الآخر وقتله بأعتباره عدواً.
الازمة الامنية، التي تَوَلَّدت من الازمة السياسية، ووقوف النخب السياسية وراء طوائفهم ,واستفحال هذه الازمة بسبب انشغال السياسيين بمشاكلهم، والعمل على تصفية الحسابات فيما بينهم، ما جعل الباب مفتوحاً أمام الجماعات المسلحة، المدعومة من دول عربية واقليمية ، لتثبيت موطأ قدم لها في العراق، والعمل بفعالية كبيرة، جعلت من العراق مرتكزاً للارهاب العالمي الذي مَهَّدَ للحرب الطائفية من عام 2006 إلى عام 2018. ونتجت عن ذلك تدخلات من دول أُخرى خلقت اوضاعاً سياسية جديدة ترتبط بشكل أوبآخر بها وتتوافق معها في رسم سياستها العامة، خصوصاً في القضايا الدولية، وهذه الدول هي التي أَدامت الصراع من خلال الدعم المالي واللوجستي لبعض الاطراف السياسية العراقية، ودفعت بالوضع الى حالة عدم الاستقرار السياسي الدائم، وبات البلد مرتكزا لتصفية الحسابات بين هذه الدولة وتلك، ما أجاز بالضرورة محاولة كل هذه الدول الى التدخل حتى في موضوع المصالحة الوطنية، بل محاولة إدارتها بنفسها، وفرض شروطاً معينة من اجل تمرير بعض النقاط التي تخدم مصالحها ووجودها في المنطقة.
أن هناك تصورا لدى الشعب مشوهاً لمفهوم الديمقراطية والحرية والمساواة وما تعني المواطنة ومن هو الآخر وما هي الهويات الفرعية وكيف يمكن الحفاظ عليها، إذ نجد أن هناك خلطا بين الدين والسياسة ولاتوجد حدود فاصلة بينهما ليعرف المتدين والسياسي حدودهما فيتحركان ضمن الأطر المرسومة في الدستور. ونتيجة لذلك أتجهت تلك التيارات الإسلامية للمشاريع الطائفية لتحشيد القاعدة الجماهيرية لها. إن تجربة السنوات ما بعد سقوط الديكتاتورية أثبتت فشل نظام المحاصصة الطائفية والقومية في قيادة الدولة العراقية، لأنه مخالف للديمقراطية ولا يعترف بقيمة المواطن ومؤهلاته،بل يهتم بانتمائه الطائفي والجهوي. لقد أدت المحاصصة إلى شلل البرلمان وضعف الدولة وانتشار الفساد والمحسوبية، لأن المسؤول لا يشعر بالانتماء للدولة وللشعب بل للطائفة والقومية والحزب. إن قيام بعض الأحزاب والجماعات والقيادات بالدعوة إلى مشروع وطني لا يكفي أبداً، ما لم يقترن بالإعلان رسمياً عن تغييرات في النظم الداخلية لهذه الأحزاب وتغييرأنظمتها الداخلية وبرامجها ومعتقداتها الطائفية والقومية العنصرية المغلقة. العراق يعتبر من أكثر البلدان التي تتمتع بانسجام قومي وثقافي وديني,مشكلة العراق الحقيقية ليست بتنوعه القومي أو الديني لان هذا التنوع يعتبر قوة للدولة كما هو الحال بالنسبة لامريكا نفسها ، بل أن ضعفه يكمن في الانقسام الطائفي. لهذا فأن إلغاء هذا الانقسام الطائفي يعد المهمة الأولى والكبرى والأساسية من أجل بناء (هوية وطنية) ودولة مستقرة وطنية تاريخية، وثقافة وطنية عراقية، تعتبر الوطن هو الأساس وليس الطائفة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close