العالم والتعددية القطبية… و شبح الحرب الكونية

العالم والتعددية القطبية… و شبح الحرب الكونية
بقلم الدكتور نجم الدليمي
اولا:: لا يمكن ان يستقر العالم على قطبية واحدة في ظل المجتمع الطبقي ومهما بلغت قوة هذا القطب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والعسكرية والايديولوجية، فالمجتمع دائماً في تطور مستمر وهذا يتم بحكم قانون الصراع في المجتمع الطبقي داخل كل مجتمع طبقي وكذلك على الصعيد العالمي، وهذه هي الحتمية التاريخية لتطور المجتمع البشري.
ثانياً.:: قبل عام 1917،كان اسلوب الانتاج الراسمالي هو المهيمن، السائد اقتصاديا… على الصعيد العالمي اي هيمنة الراسمالية، القطب الراسمالي المهيمن عالمياً وبغض النظر عن مستوى تطور الراسمالية في المجالات المختلفة وهذه حقيقة موضوعية.
ثالثاً :: بعد ثورةاكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 وظهور اول دولة اشتراكية يقودها حزب شيوعي يسترشد بالنظرية الماركسية اللينينية، دولة من طراز جديد دولة العمال والفلاحين… واصبح لهذه الثورة الشعبية دوراً متميزاً في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية… على الصعيد العالمي بالرغم من افتعال الحروب ضدها بهدف اعاقة تطورها في كافة المجالات ومنها الحرب الأهلية 1918-1922، الحرب الوطنية العظمى والعادلة 1941-1945، وما يسمى بالحرب الباردة للمدة 1946 -1991 وخلال هذه الفترة ظهر المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي مع وجود المعسكر الامبريالي بقيادة الامبريالية الاميركية وحلفائها. للمدة 1946 -1991، ان العالم عاش وتطور في ظل الثنائية القطبية القطب الاشتراكي والقطب الراسمالي وكان القطب الاشتراكي عاملا رئيسياً ً لكبح وهيمنة القطب الراسمالي و دوره في نهب ثروات الشعوب وكان القطب الاشتراكي عامل استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي وعسكري لصالح الشعوب التواقة للسلام والتعايش السلمي….. ولكن قوي الثالوث العالمي لن تقبل بتحديد وتحجيم نفوذها على الصعيد العالمي وأدركت ان وجود الاتحاد السوفيتي وحلفائه يشكل عاملاً عائقا لطموح هذه القوى المعادية للشعوب وكما ادركت الحقيقة الموضوعية وهي لا تستطيع ان تحسم المعركة مع الاتحاد السوفيتي وحلفائه لا عبر القوة العسكرية ولا عبر الحصار الاقتصادي…. وبالتالي فكرت باسلوب قذر الا وهو اختراق الحزب الشيوعي السوفيتي ووجدوا ضالتهم في الخائن والعميل الامبريالي غورباتشوف وياكوفلييف وشيفيرنادزة ويلسين وكرافجوك وارباتوف ووووو، وبهذا الخصوص اشار الان دالاس رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية خطة تفكيك الاتحاد ووضع لها سقف زمني بحدود 50 سنة اي للمدة 1946 -1996 اذ قال (( سنسخر كل طاقاتنا من مال وذهب من اجل ان نزرع في الاتحاد السوفيتي الفوضى وعدم الاستقرار، ومن دون ان يشعر احداً بها، سوف نستبدل قيمهم الحميدة والانسانية بقيم مزيفة ونجبرهم على تبني هذه القيم والايمان بها،وكما سنجد لنا حلفاء وشركاء ( المقصود الطابور الخامس وعملاء النفوذ) في الراي ومساعدين لنا في روسيا….. ان الخيانة والتطاحن والعداوة والكراهية والضغينة وخاصة بالضد من الشعب الروسي، كل ذلك نحن سنزرعه ونرسخه وبشكل ذكي ومن دون ان يشعر احداً به)). ( المصدر، د.نجم الدليمي دور قوي الثالوث العالمي في تفكيك الاتحاد السوفيتي، وثائق… ادلة وبراهين، الاردن، عمان، دار امجد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، السنة 2017، ص27-28). ومما يؤسف له نجحوا في مخططهم الاسود عبر الخيانة العظمى في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي.
رابعاً :: خلال المدة 1991- 2007، اي بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي واختفاء الجزء الهام من المعسكر الاشتراكي….،عملياً عاشت شعوب العلم للفترة المذكورة، عالم احادي القطب وكما اطلق الليبراليون والاصلاحيون….. انه القرن الامريكي مستندين على فكرة وهمية وهي نهاية التاريخ اي انتصار الليبرالية المتوحشة وغيرها من الخزعبلات الاخرى،ولم يستمر طويلاً القرن الاميركي سوى 26 عاما فقط.
خامساً :: بعد عام 2008 ولغاية اليوم نلاحظ ان العالم قد تغير وبشكل واضح وملموس من خلال عودة روسيا الاتحادية بقوتها العسكرية وتنامي هذه القوة وبشكل سريع وملموس، وظهور جمهورية الصين الشعبية كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية وتنامي هذه القوة باستمرار في جميع المجالات. ومن خلال ذلك فان العالم اليوم يعيش نظام التعددية القطبية عملياً وهذه هي احدى سمات التطور الاقتصادي والاجتماعي والايدولوجي… للمجتمع البشري اليوم، فاليوم نلاحظ الاتي ::
## وجود القطب الشيوعي المتمثل بجمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي يستند في عمله ونشاطه في المجالات كافة على النظرية الماركسية اللينينية مطورا لها وفق واقع المجتمع الصيني وهذا العمل يعد تطوير للنظرية الماركسية اللينينية وتجربة بناء جديدة في الوضع الراهن.
**القطب الراسمالي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. ويلاحظ ان هذا القطب في تراجع مستمر في المجالات المختلفة داخليا وخارجياً بدليل تراجعت مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في الانتاج العالمي من 50 بالمئة في الخمسينيات من القرن الماضي الى 15 بالمئة الان، تفاقم واشتداد التنافس والصراع داخل المجتمع الاميركي والانتخابات الرئاسية الاخيرة خير دليل وبرهان على فشل الديمقراطية وحقوق الإنسان في اميركا، وكما فشلت اميركا بل هزمت اميركا في افغانستان والعراق وسوريا واليمن وكذلك فشلت في تقويض ، ايران وفنزويلا و بيلاروسيا وكوريا الشمالية…. حول تقويض الانظمة الوطنية والتقدمية واليسارية الرافضة للنهج الاميركي العدواني والمتوحش، وبدأت اميركا تفقد مصداقيتها….. على الصعيد العالمي….
## القطب الروسي، اي قطب روسيا الاتحادية والتي تشكل اليوم احد الاقطاب الرئيسية وخاصة في الميدان العسكري والسياسي. ان القطب الروسي، اي روسيا الاتحادية هي ذات توجه راسمالي وتسعى الى التنافس مع الدول الرأسمالية حول قسمة العمل الدولية ولكن قسمة العمل الدولية قد تمت بين الدول الرأسمالية لن تسمح لروسيا الاتحادية من فسح المجال لها دولياً وعلى مختلف الأصعدة. ( انظر مقالتنا بعنوان :: روسيا نظرة من الداخل: التحولات السياسية والاقتصادية – الاجتماعية للفترة 1985-1995، مجلة المستقبل العربي، العدد، الاول، السنة 1996 ص44-59). ان روسيا الاتحادية اليوم متقدمة من الناحية العسكرية على اميركا ما بين 10-15 سنة اي ان اميركا وحلفائها متخلفين عن روسيا الاتحادية عسكرياً، ومن الصعوبة اللحاق والتفوق العسكري على روسيا الاتحادية في وجود القيادة الروسية الحالية وليس من باب الصدفة انهم يتحدثون ما بعد عام2024 عام الانتخابات الرئاسية في روسيا الاتحادية نعتقد انها مراهنة خاسرة ولن تتكرر تجربة تفكيك الاتحاد السوفيتي على روسيا الاتحادية بنفس سيناريو تفكيك الاتحاد السوفيتي لان الشعب السوفيتي – الروسي قد ادرك بتجربتة الحية والملموسة ان جميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمالية والامنية والعسكرية والتجارية..التي حدثت لهم وتحدث اليوم … مصدرها اميركا. ان روسيا الاتحادية وقيادتها الحالية تعمل وبشكل وثيق في تعزيز التعاون وفي كافة المجالات مع جمهورية الصين الشعبية وخاصة في المجال الاقتصادي والعسكري.. بالرغم من الاختلاف بين البلدين من الناحية الايديولوجية والاقتصادية، روسيا الاتحادية دولة رأسمالية وباقتصاد ضعيف بالمقارنة مع الدول المتطورة اقتصادياً ولم يكن لها دوراً كبيراً من الناحية الاقتصادية على الصعيد العالمي، انها بلد غني في موارده المادية ( نفط، غاز….) فهنا تكمن بعض الإشكاليات من الناحية الاقتصادية بالدرجة الأولى ناهيك من الغرب الامبريالي بزعامة الامبريالية الاميركية يشنون حرباً علنية ذات طابعاً سياسيا واقتصادياً، فالحرب الاقتصادية ولغة الحصار الاقتصادي وفرض العقوبات الاقتصادية اللاشرعية واللاقانونية ضد روسيا الاتحادية والحرب الدبلوماسية ضد روسيا الاتحادية بشكل عام وضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على انه (( دكتاتور)). ان هذا النهج من قبل اميركا سيدفع روسيا الاتحادية اكثر للتعاون والتنسيق مع جمهورية الصين الشعبية وفي كافة المجالات.
سادساً :: لقد حددت اميركا وحلفائها بان روسيا الاتحادية هي العدو رقم واحد لهم من الناحية العسكرية وتشكل خطراً جدياً على امن الغرب الامبريالي بزعامة الامبريالية الاميركية وكما حددت اميركا بان جمهورية الصين الشعبية تشكل العدو رقم واحد لها وحلفائها من الناحية الاقتصادية بالدرجة الأولى ناهيك عن تنامي قوتها العسكرية والاقتصادية باستمرار. وفشلت اميركا في ابعاد، اضعاف، التعاون بين روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية وان قيادة البلدين يدركون الخطر الداهم على شعوبهم ومصدره الغرب الامبريالي وأميركا بالدرجة الأولى.
سابعاً :: ان توتر العلاقات بين اميركا وحلفائها من دول الاتحاد الأوروبي من جهة وبين روسيا الاتحادية من جهة اخرى حول مبررات واهية سياسية واقتصادية من خلال تصدير الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي واعتبار روسيا الاتحادية تستخدم الغاز المصدر لدول الاتحاد الأوروبي كوسيلة ضغط على دول الاتحاد الأوروبي، ان هذه التهم الباطلة وان الراسمالية تؤمن بسوق المنافسة الحرة؟فلماذا يتم ذلك ضد روسيا الاتحادية؟!.ان الادارة الامريكية تعتبر روسيا تشكل خطراً عسكرياً على امنها الوطني وتتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدعم النظام الشرعي والوطني في بيلاروسيا والبلدين لديهم اتحاد بين الدولتين، وكذلك حول ضم القرم ومشكلة جنوب شرق اوكرانيا، ويتم استخدام النظام الفاشي الاوكرايني كأداة ضغط ضد روسيا الاتحادية عبر تقديم الدعم المادي والعسكري لهذا النظام اللاشرعي في كييف وبشروط استغلالية وعبودية وتم اغراق هذا البلد بالقروض الخارجي والتي تجاوزات ال100 مليار دولار، ناهيك عن علاقة روسيا الاتحادية مع سوريا وايران وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا الاشتراكية وغيرها من البلدان الاخرى.
ثامناً :: نعتقد، ان شبح خطر الحرب الكونية قائم اليوم وهو غير مستحيل والسبب يعود بالدرجة الأولى الى ان النظام الامبريالي العالمي بزعامة الامبريالية الاميركية عاش ولا يزال يعيش ازمة عامة وشاملة شملت جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية…… وحتى الاخلاقية وفشل النظام الامبريالي العالمي في ايجاد حلول جذرية لمشكلاته المختلفة، فهو يعيش اليوم ازمة 1929-1933 وكما يعيش الان ازمة 2007-2008 ولم يخرج من هذه الازمة بل تتعمق هذه الازمة في الاقتصاد والمجتمع البرجوازي، المجتمع الطبقي، وبعض قادة(( ومنظري)) هذا النظام الطفيلي يعتقدون ان المخرج الوحيد والجذري لانهاء ومعالجة ازمة نظامهم المازوم بنيويا يتم عبر شن الحروب الغير عادلة بهدف تصريف جزء من ازمة نظامهم ولتكن حروب اقليمية اوغيرها. والبعض يلوح باستخدام السلاح النووي المحدود ضد روسيا الاتحادية اوغيرها من الدول الاخرى ومنها كوريا الشمالية، ايران….. ولكن ان حدث ذلك على سبيل المثال هذا يعني ان قادة الغرب يقدمون على الانتحار الطوعي لهم ولشعوبهم لان اذا ما حدث ذلك فان روسيا الاتحادية ستستخدم سلاحها النووي مباشرة ضد من يبدأ بالحرب النووية، فلن تبقى لا اميركا ولا دول الاتحاد الأوروبي ولا اليابان…… اي نهايه حقيقة للعالم وهذه الحقيقة يدركها جميع قادة الدول التي تمتلك السلاح النووي، وفي حالة اندلاع هذه الحرب الجنونية لا يستبعد من ان يتم التعاون والتنسيق بين روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية حول ذلك.
** نعتقد، ان التلويح بالحرب النووية من قبل بعض قادة الدول الراسمالية ما هو الا اسلوب ضغط على روسيا الاتحادية وكذلك الصين، لان الجميع يدركون وبشكل جدي خطر هذه الحرب الجنونية فلا يوجد فيها طرف رابح، بل الجميع خاسر ، وبهذا الخصوص اشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حالة نشوب هذه الحرب سوف نستخدم ما لدينا من سلاح للدفاع عن انفسنا وبالتالي نحن نذهب للجنة وهم يذهبون للنار.ان اعلان الحرب النووية شيئ مستحيل ولكن قائم الان.
تاسعا :: ان عالمنا اليوم يعيش عملياً بنظام التعددية القطبية، القطبية الثلاثية، و قد انتهى نظام القطب الواحد، وان مستقبل البشرية جمعاء سيكون نحو بناء القطب الواحد قطب الشعوب المحبة للسلام والتعايش السلمي وهذا يتم بعد انتهاء النظام الراسمالي الطفيلي والمتوحش وهذه هي حتمية التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع البشري وبهذا الخصوص يشير البروفيسور المجري توماس سانتوس الى ان الراسمالية كانت نتيجة مرحلة هامة في العملية التاريخية الموضوعية، وان نشؤها مثل انحطاطها وسقوطها لن يكون مصادفة تاريخية بل ضرورة موضوعية مشتقة من الاتجاهات العامة للتطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع البشري.
تشرين الثاني \ 2021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close