العراق قبل الاسلام في القرآن الكريم (الحلقة السادسة)

العراق قبل الاسلام في القرآن الكريم (الحلقة السادسة)

الدكتور فاضل حسن شريف

بعد قدوم ابراهيم عليه السلام من اور جنوب العراق الى بابل وسط العراق سنرى ماذا حصل به؟ اوضح الشيخ جعفر السبحاني في كتابه سيد المرسلين: لقد حلَّ موسم العيد وخرج أهلُ بابل المغفّلين الجهلة إلى الصحراء للاستجمام ولقضاء فترة العيد وإجراء مراسيمه وقد أخلوا المدينة. ولقد كانت سوابق إبراهيم وتحامله على الأصنام واستهزاؤه بها قد أوجدت قلقاً وشكاً لدى أهل بابل ولهذا طلبوا منه وهم الذين يساورهم القلق من موقفه تجاه اصنامهم الخروج معهم إلى الصحراء والمشاركة في تلك المراسيم ولكن اقتراحهم هذا بل إصرارهم واجه رفض إبراهيم الّذي رد على طلبهم بحجة المرض إذ قال “إِنِّي سَقِيمٌ” (الصافات 89) وهكذا لم يشترك في عيدهم وخروجهم وبقي في المدينة. حقاً لقد كان ذلك اليوم يوم ابتهاج وفرح للموحد والمشرك وأمّا للمشركين فقد كان عيداً قديماً عريقاً يخرجون للاحتفال به واقامة مراسيمه وتجديد ما كان عليه الآباء والاسلاف إلى الصحراء حيث السفوح الخضراء والمراع الجميلة. وكان عيداً لإبراهيم بطل التوحيد كذلك عيداً لم يسبق له مثيل عيداً طال انتظارُه وافرح حضوره وحلوله فها هو إبراهيم يجد المدينة فارغة من الاغيار والفرصة مناسبة للانقضاض على مظاهر الشرك والوثنية وحدث هذا فعلا. فعندما خرج آخر فريق من اهل بابل من المدينة إغتنم إبراهيم تلك الفرصة ودخل وهو ممتلئ ايماناً ويقيناً باللّه في معبدهم حيث الأصنام والأوثان المنحوتة الخاوية وأمامها الأطعمةُ الكثيرة الّتي احضرها الوثنيون هناك بقصد التبرك بها وقد لفتت هذه الأطعمة نظر الخليل عليه‌ السلام فأخذ بيده منها كسرة خبز وقدمها مستهزئ إلى تلك الاصنام قائلا : لماذا لا تأكلون من هذه الاطعمة؟ قد حطم الخليل عليه‌ السلام جميع الاصنام وتركها ركاماً من الاعواد المهشمة والمعدن المتحطم وإذا بتلك الاصنام المنصوبة في اطراف ذلك الهيكل قد تحولت إلى تلة في وسط المعبد. غير ان ابراهيم ترك الصنم الأكبر من دون ان يمسه بسوء ووضع المعول على عاتقه وهو يريد بذلك ان يظهر للقوم بأن محطِمَ تلك الأَصنام هو ذلك الصنمُ الكبير إلاّ أن هدفه الحقيقي من وراء ذلك كان امراً آخراً. فمنذ أن اخذت الشمس تدنو إلى المغيب ويقتربُ موعد غروبها وتتقلص اشعتها وتنكمش من الرَّوابي والسهول أخذَ الناسُ يؤوبون إلى المدينة أفواجاً افواجاً. وعند ما آن موعد العبادة وتوجّهوا إلى حيث اصنامهم واجهوا منظراً فضيعاً وامراً عجيباً لم يكونوا ليتوقّعونه. وقال احدهم: من الّذي ارتكب هذه الجريمة ومن فعل هذا بالهتنا؟ ولقد كانت آراء إبراهيم ومواقفه السلبية السابقة ضد الاصنام وتحامله الصريح عليها تبعثهم على اليقين بأن إبراهيم وليس سواه هو الّذي صنع ما صنع بآلهتم واصنامهم. ولأجل ذلك تشكلت فوراً محكمة يرأسها نمرود نفسه وأخذوا يحاكمون ابراهيم واُمه ولم يكن لاُمه من ذنب إلا أنها أخفت ابنها ولم تُعلِم السلطات بوجوده ليقضوا عليه شأنه شأن غيره من المواليد الذين قضت تلك السلطة الظالمة عليهم حفاظاً على نفسها وكيانها. ولقد أجابت اُم إبراهيم على هذا السؤال بقولها : أيها الملك فعلت هذا نظراً مني لرعيّتك فقد رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت : إن كان هذا الّذي يطلبه دفعتُه إليه ليقتله ويكف عن قتل أولاد الناس وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا. ثم جاء دور مساءلة إبراهيم عليه‌ السلام فسأله قائلا “مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يا إبْراهيْم” (الأنبياء 59) فقال إبراهيم “فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ” (الأنبياء 63).

و نفس الرواية روتها بسنت الشرقاوي في موقع الشروق: لما أنكر النبي إبراهيم على قومه عبادة الأوثان واحتقرها، ما كانت حجتهم إلا أنها صنيع آبائهم وأجدادهم، فلما خرجوا إلى عيدهم فرحين، ذهب رسول الله إلى الآلهة وحطمها وعلق الفأس في عنق كبير الآلهة؛ إشارة منه بأنه فاعل ذلك، وأخبر قومه بأن كبير الآلهة فعل ذلك لغيرته من أن تعبد معه الآلهة الصغيرة وعندما سألوه من فعل ذلك، رد عليهم بأن يسألوا كبيرهم، وهنا تحققت أكبر مقاصد الخليل باجتماع أكبر عدد من الملأ ليشهدوا الحديث والبينة ويسمعوا كلام الله. يقول الله في القرآن الكريم في آيات سورة الأنبياء: “قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون، ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ماهؤلاء ينطقون، قال افتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم” (الانبياء 62-66).

اوضح الكاتب حيدر الجد في مجلة ينابيع عن اثار محافظة بابل ومنها مقام إبراهيم عليه السلام: ان اسماء القرى والمدن برس، وبورسبا، وكوثى، وكوثاريا، وكوثى ربى كلها تدل على هذه البقعة والظاهر أن بورسبا الاسم الأقدم للمنطقة ثم أصبح برس. وبرس عبارة عن قرية تقع بالقرب من قرى كوثى وقنطانا وقد ذهبت المسميات اليوم فلم يبق سوى اسم برس يطلق عموماً على منطقة مقام إبراهيم عليه السلام والصرح الموجود اليوم. برس وهي بضم الباء الموحدة، وسكون الراء، والسين المهملة ناحية بأرض بابل وقال الشيخ علي النمازي: برس كقُفُل ومنهم من قال: هي بضم أوله وإسكان الثانية وبالسين المهملة، موضع بأرض بابل به آثار بخت نصر وهو تل مفرط بالعلو يسمى صرح برس وهي قرية معروفة بالعراق بين الكوفة والحلة، وماء برس هو ماء الفرات لأن قرية برس واقعة على شفيره. وقال ابن الاثير: برس أجمة معروفة بالعراق وهي الآن قرية، وقد ألزم الإمام علي عليه السلام أهل أجمة برس أربعة آلاف درهم وكتب لهم بذلك كتاباً في قطعة آدم، وأهل برس ممن عرفوا بالولاء لآل البيت عليهم السلام. ورأي اخر ان كلمة برس مُحرّفة عن كلمة بورسبا وتعني باللغة السومرية قرن البحر لوقوعها على حافة الغدران.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close