أسئلة في الهوية الشيعية

أسئلة في الهوية الشيعية
د. علي المؤمن
قبل البدء بتدوين هذه الدراسة، طرحتُ ثماني مجموعات من الأسئلة على عدد كبير من النخب الشيعية، المتدينة وغير المتدينة، من أكثر من عشرين بلداً، أغلبيتهم من العراقيين واللبنانيين والإيرانيين والخليجيين. وسبب هذا التخصيص هو حجم المعضلة التي يعاني منها الشيعة جراء عدم حل الإشكاليات المتراكمة التي تتسبب فيها أزمة الهوية، والتعاطي معها بردود الأفعال والضغوطات العاطفية والتسييس، فضلاً عن محاولات استثمار الآخرين لها إيديولوجيّاً، عبر الخطاب العنصري أو الطائفي أو المصلحي. وبالتالي، فإنّ هذه الأسئلة لصيقة بالواقع ومشاكله الأساسية، وکانت علی النحو التالي:
1ـ ماذا يعني أن يكون الإنسان مسلماً شيعياً؟ هل يعني أنّه ينتمي عقدياً وفقهياً إلى مذهب أهل البيت (التشيع)، أو أنّه مجرد انتماء اجتماعي إلى جماعة بشرية (الشيعة)؟ أو أنّه كلا الانتماءين؟ وما هو جوهر الهوية الذي سينتج عن كل نوع من أنواع الانتماء هذا؟
2ـ هل هناك تفكيك ديني وواقعي بين الهوية المذهبية للشيعي وهويته القومية وهويته الوطنية؟ أم أنّها باتت هوية مندمجة واحدة لدى المكونات الشيعية في البلدان التي يعيشون فيها حالة المواطنة القانونية والسياسية؟
وفي حال لم تكن مندمجة؛ فهل يعني هذا أنّ الشيعي يعاني من ازدواجية مركبة في الهوية، بالنظر لتعددية الانتماءات؟
3ـ كيف يمكن الجمع والموازنة بين الانتماء لمذهب آل البيت عقدياً وفقهياً (الانتماء للتشيع) واجتماعياً (الانتماء للشيعة) من جهة، والانتماء للقومية كحقيقة جينالوجية وأنثروبولوجية، والانتماء للوطن سياسياً وقانونياً من جهة أُخرى؟ وهل الأولوية الإيديولوجية والواقعية تكون للانتماء للتشيع أو الانتماء للقومية أو الانتماء للوطن؟ وفي حال حدوث تعارض بين الانتماء للتشيع والانتماء للقومية والانتماء للوطن، فأيها يتقدم؟
4ـ هل الانتماء للتشيع يمثل الجانب الديني الأُخروي، والانتماء للقومية وللوطن يمثل الجانب السياسي الدنيوي؟
في جانب التقليد والتولي الديني، كيف يمكن التوفيق بين تقليد أو اتّباع مرجع ديني ينتمي إلى وطن آخر، وبين الاندكاك بالقضايا القومية والوطنية ومصالحها؟
5ـ ما هو حجم المساحة التي تجمع الشيعي مع الشيعي من قومية واحدة ووطن آخر، ومثاله: ما يجمع الشيعي العراقي العربي بالشيعي اللبناني العربي، أو الشيعي مع الشيعي من قومية أُخرى ووطن واحد، ومثاله: ما يجمع الشيعي العراقي العربي بالشيعي العراقي الكردي، أو الشيعي مع الشيعي من قومية أُخرى ووطن آخر، ومثاله ما يجمع الشيعي العراقي العربي بالشيعي الإيراني الفارسي؟
وما هي المساحة التي تجمع الشيعي مع السني من الوطن والقومية نفسيهما، ومثاله: ما يجمع الشيعي العراقي العربي بالسني العراقي العربي، أو من القومية نفسها ومن وطن آخر، ومثاله: الشيعي العراقي العربي والسني الإيراني العربي؟
6ـ هل الانتماء العقدي والفقهي للتشيع، والانتماء الاجتماعي للشيعة يقتضي تجاوز ضوابط حدود الجغرافية السياسية والقوانين المحلية والقانون الدولي؟
7ـ هل الشيعي مسؤول فقط أمام الدين والمذهب وأئمة آل البيت والمرجعية الدينية، أو أنّه مسؤول أمام الحاكم والسلطة والقانون، أو أنّه مسؤول أمام الطرفين معاً؟ وكيف تنعكس هذه المسؤولية المركبة على موضوع الانتماء والهوية؟
وكان هدف طرح هذه الأسئلة الإسهام في إيجاد حلول علمية لإشكالية الهوية الشيعية من جهة، والمشكلتان الطائفية والعنصرية المستعصيتان لدى أغلب نظم الاجتماع الديني والسياسي في المنطقة العربية والإسلامية من جهة أُخرى، وهما المشكلتان اللتان تهددان الأمن المجتمعي، وتفرضان على الشيعة حجراً مركباً في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والطقوس.
وقد وصلني عدد كبير من الإجابات، كان بعضها علمياً وموضوعياً وواقعياً، ويستحضر العناصر العقدية والفقهية والفكرية والقانونية، بعيداً عن الانفعالات الطائفية وتجاذبات السياسة. في الوقت الذي يستحق هذا الموضوع مزيداً من التداول البحثي العلمي، في إطار دراسات منهجية وندوات ومؤتمرات تخصصية.
هوية الشيعي: بين المذهب والقومية والوطن
إنّ الأسئلة حول موقف المسلم الشيعي من انتماءاته المتنوعة، وخاصة ما يتعلق بإشكالية التوازن بين انتمائه القومي وانتمائه الوطني وانتمائه لمنظومته الدينية الاجتماعية؛ هي من أكثر الأسئلة البحثية الموضوعية واقعيةً وأهميةً وحساسيةً، والتي ظل الباحثون والسياسيون والإعلاميون والمثقفون، المتدينون وغير المتدينين، يتداولونها منذ العام 1979 وحتى الآن (1). وهذا لا يعني أنّ الموضوع لم يكن متداولاً قبل هذا التاريخ؛ لكنه ازداد أهمية وواقعية خلال العقود الأربعة الأخيرة.
إنّ الإسلام في عقيدته وشريعته وأحكامه دينٌ إلهي عابرٌ للحدود والقوميات. هذا على المستوى العقدي والفقهي النظري. أمّا على المستوى الواقعي، فإنّ النظام الاجتماعي الديني الشيعي يتميز عن المنظومات الدينية الأُخر بكونه نظاماً عالمياً لا تحدّه الانتماءات الجغرافية والوطنية والقومية، وهو ما تعبِّر عنه القيادة العالمية للمرجع الديني الأعلى أو الولي الفقيه لها، وكذا الهيكلية العالمية للحوزة وتقاليدها، وسياقات عمل وكلاء المرجعية الدينية، وتداول المال الشرعي.
وهذا النظام الاجتماعي الديني ليس وليد اليوم، بل إنّه متجذّر في الواقع الشيعي، ولم تصنعه مرجعية السيستاني ولا ولاية الخامنئي. ولذلك، لا يمتلك أحدٌ خياراً لتغيير هذا الواقع؛ لأنّه سر حفاظ المذهب الشيعي والمجتمع الشيعي على بقائهما واستمرارهما، في ظل مساعي الإقصاء والاجتثاث التي ظل الشيعة يتعرضون إليها منذ نهاية دولة الإمام علي وحتى الآن. ولذلك، فإنّ ضربات الخصوم باتت منذ العام 1979، تستهدف النظام الاجتماعي الديني الشيعي برّمته وتدميره من الداخل، وتفكيك هيكليته العالمية، أكثر من استهدافها التشيع كعقيدة وفقه.
وحقيقة عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي هي حقيقة ثابتة، ويستحيل على أي خصم أو صديق؛ مهما بلغ من القوة والتأثير، تغيير معادلاتها، سواء كان هذا الخصم طائفياً، أو كان ذلك الصديق من داخل الواقع الشيعي نفسه. وقد جرّب الأُمويون والعباسيون والسلجوقيون والأيوبيون والعثمانيون والمماليك والوهابيون والانجليز والبعثيون تغيير هذا الثابت بكل الوسائل، كما جرّبها بعض المنتسبين إلى الشيعة، ولكن ظلّت واقعية عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي تتجذّر بقوة كلما ازدادت هذه الضغوطات وتصاعدت محاولات تمزيق النظام. أي أنّ ضغوطات السلطات الطائفية على الشيعة وقمعها لهم؛ كانت ولا تزال تزيد من قوة نظامهم الاجتماعي الديني العالمي، وتضاعف تماسكه وتلاحم أبنائه خارج حدودهم القومية والوطنية؛ لأنّ الشيعي سيزيد من احتمائه بنظامه الاجتماعي الديني العالمي؛ كلما تصاعدت ضده عمليات القمع والإقصاء والاجتثاث والإرهاب. وهو رد فعل واقعي طبيعي، يضاف إلى أصل عالمية المنظومة الدينية الشيعية.
ولكن، حين يعيش الشيعي في ظل دولة العدالة والمواطنة والإنسان والحريات والتعددية الدينية والمذهبية والفكرية، والبعيدة عن القمع المذهبي والتمييز والتهميش والعزل الطائفي والقومي، ولو بشكل نسبي؛ فإنّ رد الفعل المذكور سيضعف، وسيكون انتماء الشيعي الحقيقي لوطنه، في حين سيبقى انتماؤه لنظامه الاجتماعي الديني العالمي في حدوده المتعارفة والمقبولة من الناحيتين السياسية والقانونية.
ولذلك، نرى أنّ تجارب الشيعة في بعض البلدان ناجحة ـــ نسبياً ـــ في التوازن بين الانتماء للمذهب والانتماء للوطن، وهو الحال مع العراق (بعد العام 2003) والكويت وعمان وإيران والهند وآذربيجان ولبنان، والتي لا يُعدّ فيها التشيع خروجاً على مذهب الدولة. بينما تأخذ حالة التوازن هذه شكلاً مأساوياً ومعقداً في البلدان التي يتعرض فيها الشيعة إلى التهديد المجتمعي والسياسي الطائفي والإرهابي؛ كالعراق (قبل العام 2003) والبحرين والسعودية وسورية واليمن ومصر والمغرب وأفغانستان وباكستان.
وفي ظل تأسيس الدولة القومية والدولة القطرية خلال القرون الأخيرة؛ بدءاً من أوربا، وتحوّل هذا الشكل من الدولة إلى أمرٍ واقع في بلاد المسلمين، فقد بات لزاماً على الشيعة في البلدان التي يتواجدون فيها، مراعاة ضوابط القوانين المحلية والقانون الدولي؛ إذ إنّهم يعيشون في ظل منظومة قانونية وسياسية محلية واقعية، وفي ظل سلطات محلية ضاغطة، لا يمكن تجاوزها أو العبور عليها.
وليس من الواقعية أن يعمل الشيعي على تجاوز انتمائه الوطني، وإلزامات هذا الانتماء سياسياً وقانونياً، وليس من الواقعية أن يتجرد عن الانتماء لنظامه الديني الشيعي العالمي أيضاً، فلا إفراط ولا تفريط حيال الانتماءين. ولا يبدو صعباً التوفيق بين عالمية انتماء الشيعي لمنظومته الدينية الاجتماعية، وبين محلية انتمائه لمنظومته الوطنية القانونية والسياسية، في ظل توافر الظروف الموضوعية المحلية لذلك. كما يمكن حل كل الإشكالات في هذا المجال؛ بما يحفظ للشيعي كل ألوان انتماءاته: للدين والمذهب والمرجعية والولاية والوطن والحزب والقومية والعشيرة والأُسرة؛ فهي انتماءات في طول بعضها عادة؛ بل تكمل بعضها إذا أراد المواطن الشيعي والدولة ذلك؛ فلا تعارض بين كل هذه الانتماءات؛ لأنّها بمجموعها تكرس صفات التدين والالتزام والوطنية في المجتمع الشيعي.
ولا يعني انتماء الشيعي لنظامه الاجتماعي الديني العالمي أنّه شخصية طائفية أو منعزلة عن النظام السياسي لدولته، أو أنّه غير وطني أو غير إنساني؛ بل يعني أنّ الشيعي لصيق بواقعه الذي يفرض عليه انتماءات متنوعة، وأن يكون لكل انتماء دوره في حياة المسلم الشيعي، سواء كان عراقياً أو بحرانياً أو لبنانياً أو إيرانياً أو مصرياً أو هندياً.
خيار اندماج المجتمعات الشيعية بمجتمع الدولة
التمايز الأنثروبولوجي والثقافي الاجتماعي بين المجتمعات الشيعية، يشكل في وقت واحد تهديدات وفرص، فالتهديدات مصدرها استغلال هذا التمايز الطبيعي من خصوم الشيعة وتحويلها إلى خلافات قومية وصراع هويات محلية. أما الفرص فتتمثل في استثمار هذا التنوع لمصلحة عملية التكامل الاجتماعي الديني المذهبي بين المجتمعات الشيعية، عبر التعامل معه تعاملاً معتدلاً متوازناً، أي القبول بالتمايز، وعدم تصنيف الاعتزاز الموضوعي بالوطن والقومية والقبيلة واللغة والثقافة المحلية في خانة المحرمات والأُمور السلبية المقوضة لعملية التكامل؛ لأنّه جزء من التكوين الإنساني والاجتماعي الطبيعي. وبالتالي، فإنّ التمايز الاجتماعي والأنثروبولوجي بين المجتمعات الشيعية لا يتعارض مع تكاملها في إطار الجسد الاجتماعي الديني الشيعي الواحد.
وعلى الضفة الأُخرى، تترشح عن التمايز المذكور أيضاً، تهديدات وفرصاً لعملية اندماج المجتمع الشيعي المحلي بمجتمع الأكثرية المذهبية وبمجتمع الدولة؛ لأنّ هذا التمايز يعني وجود تباينات مذهبية واجتماعية دينية مع مجتمع الأكثرية المذهبية من جهة، ومشتركات قومية وقبلية ولغوية وثقافية محلية معه من جهة أُخرى. وحين يتم التعامل مع هذه التباينات والمشتركات تعاملاً متوازناً وعادلاً، وفي إطار معادلات الحقوق والحريات والمساواة، فإنّه يُنتج اندماجاً تلقائياً طبيعياً للمجتمع الشيعي المحلي بمجتمع الأكثرية المذهبية وبمجتمع الدولة، أمّا إذا كان تعامل الدولة ومجتمع الأكثرية المذهبية مع هذه التباينات الاجتماعية المذهبية تعاملاً طائفياً ظالماً، فإنّه سيؤدي إلى شعور المجتمع الشيعي بأنّه مقموع ومظلوم ومهمّش، وأنّ الشيعي مواطن من الدرجة الثانية والثالثة؛ الأمر الذي يؤدي تلقائياً أيضاً إلى صراع هويات مذهبية مدمرة، وتهديد ، وهو ما لا تريد أن تفهمه الأنظمة الطائفية، وهي تعرّض الأمن السياسي والمجتمعي للبلد إلى مختلف ألوان التهديد، بسبب سياساتها الطائفية وانحيازها ضد جزء من المجتمع؛ بجريرة انتمائه إلى مذهب إسلامي يختلف عن مذهب الحاكم أو الأُسرة الحاكمة أو النظام السياسي.
لذلك، فإنّ موضوع اندماج المجتمع الشيعي المحلي بمجتمع الأكثرية المذهبية وبمجتمع الدولة، ليس موضوعاً بسيطاً للاستهلاك الإعلامي والكسب السياسي، بل هو موضوع معقد وعميق ومتعدد الجوانب. صحيح أنّه يحمل عنواناً إيجابياً عاماً، يتلخص في اندماج المجتمعات الشيعية بمجتمعات بلدانها، وهو هدف مشروع ومطلوب؛ لكنه في تفاصيله ينطوي على عقد واشتراطات وملابسات كثيرة، في مقدمتها تحديد دلالات الاندماج وأطرافه ومداخله وممهداته ومخرجاته وتبعاته، والحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل طرف. فالأنظمة الطائفية تريد من هذا الاندماج أن يذوب المجتمع الشيعي المحلي بمجتمع الدولة وبمجتمع الأكثرية المذهبية، وأن يرضى بمنظومة الحقوق والحريات والسياقات السياسية المذهبية التمييزية في الدولة كما هي، أي أنّ يقبل الشيعة بواقع التهميش والقمع ومصادرة الحقوق والحريات المذهبية والسياسية للدولة، دون أي اعتراض ومطالبات بالتعديل، وأن يقدموا للحاكم وللنظام السياسي فروض الولاء والطاعة بالمطلق؛ لأنّ الحاكم هو الأب وولي الأمر المطاع، وإن كان ظالماً وقاتلاً ومستبداً، ويميز بين مذاهب مواطنيه، ويتعامل معهم على أساس الهوية الاجتماعية المذهبية. والحال أنّ هذا اللون من الاندماج هو الوجه الآخر للاستعباد والانقياد الفرعوني.
وقد أثبت هذا اللون من الاندماج بمجتمع الدولة فشله الذريع عملياً، في ظل الأنظمة الطائفية القمعية، كما في تجربتي السعودية والبحرين في تسعينات القرن الماضي، رغم مكابرة بعض من مارس التجربة وعاشها، ولا يزال يراهن على نجاحها، وهو رهان يخلو من أية مقومات موضوعية حقيقية، اللهم إلّا إذا كان الرهان على مجرد العيش في البلد والسلامة الشخصية، وكف شر الدولة عن دائرة الجماعة الخاصة، وهو رهان مشروع كما يبدو، لكنه رهان خاص ولا يمكن أن يكون رهاناً عاماً للمجتمع. أمّا في ظل الأنظمة المعتدلة نسبياً، فإنّ الاندماج حاصل وناجح نسبياً قبل ظهور دعوات الاندماج، وهو ما نجده في تجربتي عُمان والكويت.
وقد تم طرح مشروع للاندماج والمصالحة الوطنية مع الأنظمة في أوائل عقد التسعينات من القرن الماضي، وبالفعل؛ عاد بعض المعارضين الإسلاميين الشيعة إلى بلدانهم، وخاصة إلى السعودية والبحرين. بيد أنّ أحداث العقود الثلاثة اللاحقة أثبتت أنّ مشروع الاندماج لا يمكن أن ينجح مع إصرار الأنظمة على سياساتها الطائفية التمييزية.
تجدر الإشارة إلى أنّ هناك ثلاثة مستويات تنطوي على مفهوم الاندماج الملتبس:
الأول: الاندماج بمجتمع الدولة، والمقصود به ذوبان المجتمع الشيعي في الاجتماع السياسي والنظام السياسي للدولة، وإعلان الولاء والطاعة بالمطلق. هذا اللون من الاندماج هو المشكلة الحقيقية؛ لأنّه ينطوي على عقبات أساسية تضعها الأنظمة السياسية للحيلولة دون حصوله، وفي مقدمتها التمييز والتهميش السياسي والمذهبي الطائفي، بهدف تقييد تأثير الشيعة على الاجتماع السياسي للدولة، ومنعهم من الحصول على المناصب في الحكومة والقضاء والبرلمان (إن وجد) والقوات المسلحة بما ينسجم ونسبتهم العددية. وبالتالي، تعمل الأنظمة الطائفية في هذا الإطار على استحصال واجب الطاعة والتسليم المطلق من المجتمع الشيعي، وعدم منحه أياً من حقوقه المذهبية والسياسية والثقافية البديهية.
الثاني: الاندماج بالمجتمع الديني للدولة، أي الانخراط في النظام الديني للدولة ومؤسساته المذهبية الأحادية، وتحول عالم الدين الشيعي إلى موظف لدى الدولة، أسوة بنظيره السني، وتحول المؤسسة الدينية الشيعية إلى جزء من المؤسسة المذهبية السنية للدولة. ورغم أنّ هدف هذا الاندماج تدجين الواقع الديني المذهبي والاجتماعي الشيعي، وسلخ عالم الدين من استقلاليته المالية والعملية، ويصب غالباً في مصلحة الدولة، إلّا أنّ المؤسسة الدينية الرسمية السنية تعيقه بشدة؛ لأنّه سيشكل اعترافاً من الدولة ومؤسستها الدينية بأنّ يكون المذهب الشيعي مذهباً مشاركاً في الدولة ونظامها وأعرافها وتقاليدها الدينية، وأن يكون الفقه الجعفري جزءاً من التشريعات والأحكام القضائية، إلى جانب المذاهب السنية الرسمية وفقهها، كما سيسمح لعلماء الدين الشيعة بأنّ يكونوا في المناصب الرسمية الدينية والإفتائية المحتكرة من الطبقة الدينية السنية الرسمية. وبالتالي، فإنّ هذا اللون من الاندماج ليس له حظوظ عملية؛ لأنّه غير مقبول من الطرفين الرسمي والشيعي.
الثالث: الاندماج بالمجتمع العادي، وهو مجتمع الأكثرية المذهبية. هذا الاندماج لم يكن يوماً مشكلة حقيقية؛ لأنّ الشيعة والسنة، على المستوى الفردي والاجتماعي العادي، لم يكونوا خصوماً يوماً، ولم تنشب بينهم مشاكل طائفية، إلّا بمحركات سياسية أو دينية رسمية وخارجية، سواء من النظام الحاكم أو مؤسسته الدينية الطائفية أو الجماعات التكفيرية أو المحتل الأجنبي، أمّا العلائق الاجتماعية والعشائرية والمصاهرات والشراكات المتنوعة بين الشيعة والسنة، في البلد الواحد؛ فإنّها تحول دون بروز مشاكل حقيقية شخصية ومجتمعية بينهم. وبالتالي؛ فإنّ هذا الاندماج لا ينطوي على مشكلة، وهو متحقق إلى حد كبير، قبل صدور دعوات الاندماج كما ذكرنا.
وعليه، نخلص إلى أنّ عملية الاندماج ليست مهمة أحادية تقع على عاتق المجتمع الشيعي أو الفرد الشيعي وحسب، بل إنها ـ بالدرجة الأساس ـ مهمة أنظمة الحكم السنية ومؤسساتها الدينية الرسمية وشبه الرسمية، والجماعات السياسية والدينية والمدنية السنية، لكي تبادر إلى توفير الظروف الموضوعية الواقعية لهذا الاندماج، وإلّا كيف يُطلب من الشيعي أن يندمج في الاجتماع السياسي والديني والثقافي لبلده، وهو يتعرض لكل أشكال ومضامين التمييز الطائفي السياسي، والنظرة المذهبية الدونية، واتهامات التكفير والخروج على الدولة؟! فلطالما بقي الآخر المذهبي ينظر إلى شيعة البحرين والسعودية والإمارات وسورية وفلسطين ومصر والسودان والجزائر والمغرب ونيجيريا وأفغانستان وماليزيا وغيرها من بلدان الحضور الشيعي، نظرة الخروج على مذهب الدولة، وأنهم جيوب اجتماعية معزولة، كما تصفهم الأنظمة الطائفية ومؤسساتها الدينية، وبذلك لن فلن يحدث الاندماج الإيجابي الحقيقي المطلوب. في حين يحدث الاندماج بمجتمع الدولة، حين تؤمن الأنظمة السياسية السنية ومؤسساتها الدينية بأنّ الشيعة مواطنون كاملي المواطنة، ولهم حق المشاركة السياسية والثقافية والفكرية والإعلامية والدينية الكاملة في دولة المواطنة والعدالة والمساواة والقانون، شأنهم شأن السنة، وأنّ من حق الشيعي أن يكون في أي موقع في الدولة دون أي تمييز طائفي.
وبالتالي، فإنّ مدخل الاندماج الحقيقي يكمن في تغيير القوانين والأعراف والسياسات الطائفية الحاكمة في هذه البلدان، قبل الطلب إلى الشيعي أن يندمج في مجتمعٍ ونظامٍ يرفضانه ضمناً، ويميزان بينه وبين المواطن السني والمسيحي. وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة، بأنّ الشيعي كلما تعرض لمزيد الضغوط والتهميش والإرهاب من الدولة، فإنّه يبتعد تلقائياً عن مجتمع الدولة وعن الحاضنة الاجتماعية للحكم، والعكس صحيح. ولذلك، من الإجحاف انتقاد المواطن الشيعي الذي يبحث عن الحماية والحياة والحرية والمواطنة الحقيقية، بسبب تعامل دولته معه بوصفه مواطناً من الدرجة الثالثة، كونه يتبع مذهباً غير مذهب الدولة.
المرجعية الدينية وإشكالية الخطاب القومي والمناطقي
عند الحديث عن المرجعية الدينية الشيعية ينصرف ذهن بعض الشيعة إلى حدود بلادهم الجغرافية، متناسين أنّ المرجعية معنية بكل شيعة العالم، ولا تخصّ بلداً دون آخر. وتبرز هذه الظاهرة في أوساط بعض العراقيين والإيرانيين والآذربيجانيين أكثر من غيرهم من شيعة البلدان الأُخر؛ فيطالب بعض العراقيين بمرجعية عربية أو مرجعية عراقية، ويطالب بعض الإيرانيين بأنّ يكون تقليدهم لمراجع قم دون غيرهم، ويصر بعض الآذربيجانيين على تقليد مراجع من القومية الآذربيجانية حصراً، وإن كانوا من آذربيجان إيران. ولا شك أنّ منطلق هذا الخطاب هو النزعة القومية والمناطقية التي تفتقر إلى أي أصل ديني، أو دفع خصوم خارجيين، أو الجهل بطبيعة عنوان المرجعية.
وبرغم أنّ هذا الخطاب العنصري والمناطقي لا يشكل ظاهرة عامة، وليس له عمق نوعي أو عددي؛ لكنه تحول بعد العام 1980 إلى موجة انحرافية خطيرة ذات صوت عال، تزامناً مع التحولات السياسية في العراق وإيران؛ بل بات جزءاً من أجندة نظام البعث بعد العام 1991، وأخذ بعض علماء الدين يتبنونه جهاراً لأول مرة في تاريخ الشيعة، برغم الرفض العام له من الأغلبية الساحقة لشيعة البلدين.
ويغفل أصحاب هذا الخطاب أن شيعة الهند وباكستان ـ مثلاً ـ يبلغون حوالي (110) ملايين نسمة، أي أنّهم يشكلون كتلة عددية تفوق عدد شيعة العراق وإيران والدول العربية مجتمعة، فلماذا ـ إذاً ـ لا يطالب شيعة باكستان والهند ـ مثلاً ـ بمرجعية هندية أو باكستانية تحصر مهامها في شبة القارة الهندية فقط؟! خاصة وأنّ هناك فقهاء مرموقين ومراجع تقليد هنود وباكستانيين يقيمون في الهند وباكستان وقم والنجف. لكن وعي شيعة باكستان والهند بعنوان المرجعية يجعلهم لا يقيمون وزناً للتمايز القومي والوطني، ولذلك تجد أنّ 80% منهم يرجعون في التقليد إلى السيد السيستاني في النجف والسيد الخامنئي في طهران.
وإذا كان مبنى هذا الخطاب أن يكون المرجع عراقياً إلزاماً، فهل سيتم إضافة شرط القومية والجنسية إلى شروط المرجعية الأُخر، كالاجتهاد والعدالة والكفاءة، ويكون التقليد حينها للمرجع العربي العراقي وليس للمرجع الأعلم؟ وما هو تكليف باقي شيعة العالم إذا لم يکن في بلدانهم مرجع تقليد؟ وهل سيكون لكل بلد ولكل قومية مرجعاً دينياً؟ هذه الأسئلة الواقعية وغيرها تؤكد أنّ الأُمور الدينية العلمية لا تؤخذ بالعواطف والنزعات الذاتية.
إنّ المرجعية القومية والمناطقية التي يحاول مروجوها تمرير مصطلح المرجعية العراقية، والمرجعية العربية، والمرجعية الهندية، والمرجعية الإيرانية، والمرجعية اللبنانية؛ ليس لها أيّ أصل ديني تشريعي، وليس لها سابقة في تاريخ النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ لأنّ هذا النظام يشكل نسيجاً مذهبياً وعلمياً واجتماعياً ومالياً واحداً، وأن المرجع الديني الأعلى هو مرجع غالبية شيعة العالم، من أستراليا واندونيسيا والصين وتايلند والهند وباكستان وأفغانستان وروسيا، مروراً بآذربيجان وإيران وتركيا وسورية ولبنان والكويت والسعودية والبحرين وعمان ومصر، وصولاً إلى نيجيريا والمغرب والجزائر وأوربا وأمريكا. وفي أغلب هذه البلدان يمتلك الشيعة مؤسسات دينية وعلماء دين، ومن حق المجتهدين ذوي الخبرة منهم أن يكون لهم دور في فرز مراجع التقليد والمرجع الأعلى، بغض النظر عن جنسية المرجع ومكان إقامته.
ففي العراق ـ مثلاً ـ يتحدث بعضهم عن ضرورة عرقنة المرجعية وقومنتها، ووجوب أن يكون المرجع الأعلى عراقياً عربياً؛ وإن كان هذا المرجع لا يقلده حتى شيعي واحد خارج العراق. ويتهم آخرون السيد محمد الصدر (ت 1999) بأنّه كان يدعو إلى مرجعية عراقية أو عربية، وهو تقوّل غير صحيح، والدليل أنّه أوصى قبل اغتياله بالرجوع إلى مرجعين غير عراقيين، هما الشيخ إسحاق الفياض (الأفغانستاني) في النجف، والسيد كاظم الحائري (من أصل إيراني) في قم، واللذين كان السيد محمد الصدر يعتقد بأعلميتهما من بعده. كما ينقل بعض ملازميه أنّه قال: لو بلغ أحد تلاميذي مرحلة الاجتهاد؛ لكان هو الأعلم، ولم يقل لأنّ تلميذي هذا عربي وعراقي الجنسية؛ أي أنّه استند إلى شرطي الأعلمية والعدالة، وليس إلى شرطي القومية والجنسية، وهو دليل وعيه العميق بمفهوم المرجعية.
ويسيء الخطاب العنصري والمناطقي إساءة شديدة لمركزية النجف، بوصفها العاصمة الدينية التاريخية لكل شيعة العالم، وليس لشيعة العراق وحسب، وأنّ مرجعها هو مرجع شيعة العالم، وليس شيعة العراق وحسب. وبالتالي، فإنّ المطالبة بعرقنة المرجعية وقومنتها يؤدي إلى ضرب النجف في صميم عالميته وزعامته العابرة للحدود والقوميات؛ لأنّه سيُفقد النجف مركزيته في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ويقزِّمه، ويحوله إلى مؤسسة دينية محلية، كما سيقود إلى تأسيس مرجعية محلية في كل بلد؛ الأمر الذي يقوِّض دعائم النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي أسسه أئمة آل البيت، وبنيت بجهود وأقلام وعقول ودماء الآلاف من المراجع والفقهاء والمحدثين والمحققين والباحثين والشهداء، طوال 1200 عام.
وسيؤدي هذا الخطاب أيضاً إلى أن يكون للشيعة أكثر من (100) مرجع أعلى، على عدد الدول التي يتواجد فيها الشيعة؛ بل على عدد القوميات؛ إذ سيكون لشيعة العراق مرجع عربي ومرجع كردي ومرجع إيراني ومرجع شبكي ومرجع فيلي ومرجع تركماني. وحينها سيظهر مفهوم جديد أكثر خطورة، هو مفهوم التشيع العراقي والتشيع الباكستاني والتشيع الإيراني والتشيع اللبناني والتشيع البحراني، وهو الخطاب الذي تعمل قوى طائفية وعنصرية واستعمارية إقليمية ودولية على الترويج له بكل الوسائل؛ بهدف تمزيق النسيج الديني الاجتماعي الشيعي.
إنّ من أهم القواعد الوجودية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي تقف المرجعية على رأسه، هي وحدة النظام وعالميته واستحالة تجزئته، وإذا ما انهارت هذه القاعدة؛ فإنّ النظام الشيعي سينهار برمته؛ لأنّ عالمية الإسلام ومذهب آل البيت تؤسس لعالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي تلقائياً. أمّا خطاب الانتماءات القومية والمناطقية الذي يستهدف عالمية المرجعية الدينية الشيعية فإنّه يدل على أنّ أصحابه ومروجيه غافلون عن حقيقة التشيع ومنظومته، ومساحة قيادته المرجعية، أو أنّهم مدفوعون بمخططات خارجية؛ لأنّ الخطاب العنصري والمناطقي يستهدف نقطة القوة الأساسية للنظام الديني الاجتماعي الشيعي، والمتمثلة بنسيجه المتراص العابر للحدود والأوطان والقوميات. وبالتالي، فإنّ من يقلد مرجعاً دينياً على أساس جنسيته وقوميته؛ فإنّه يبتعد عن أُصول مدرسة آل البيت، بل عن مفهوم الدين بشكل عام.
وبنظرة سريعة إلى المسار التاريخي لتأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة الصغرى، سنجد أنّ ثلاثة من السفراء الأربعة للإمام المهدي كانوا عرباً عراقيين، وواحداً فارسياً إيرانياً هو الشيخ النوبختي، وأن اثنين من الزعماء الأربعة المشاركين في التأسيس (السيد المرتضى والشيخ المفيد) كانا عربيين عراقيين، والاثنين الآخرين (الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي) كانا فارسيين إيرانيين؛ أي أنّ الثمانية المؤسسين لهذه النظام، كان خمسة منهم عراقيين وثلاثة إيرانيين، وأنّ حاضرة النجف العلمية أسسها فارسي إيراني مشهدي، هو الشيخ الطوسي، المعروف بشيخ الطائفة، وأن مرجعية قم أسسها عربي عراقي كوفي، هو الشيخ محمد بن عيسى الأشعري، المعروف بشيخ القمّيين، وكان بعض زعماء الشيعة في العالم عرباً عراقيين يقيمون في مدينة الحلة، كابن إدريس والعلامة الحلي والمحقق الحلي، كما كان بعضهم لبنانياً عربياً، كالشيخين العامليّين المقيمين في جنوب لبنان، وكان آخرون إيرانيين يقيمون في النجف، كالمقدس الأردبيلي والأنصاري والإصفهاني.
وكان مراجع الدولة الصفوية الإيرانية ومفتوها وقضاتها، بمن فيهم من شغل منصب شيخ الإسلام الرسمي، هم من العرب العراقيين واللبنانيين والبحرانيين(2)، وكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء بمثابة الولي الفقيه في عهد الدولة القاجارية الإيرانية(3). ووصولاً إلى العصر الحاضر؛ إذ كان السيد عبدالله البهبهاني الغريفي، البحراني أصلاً والنجفي مولداً، هو قائد ثورة المشروطة الإيرانية، وقد حكم إيران عملياً أكثر من سنة (خلال العامين 1908 و1909)، وكان يلقّب بـ (الشاه الأسود)؛ بسبب سحنته البحرانية العراقية شديدة السمرة. وفي مرحلة لاحقة تبوّأ السيد حسين البروجردي، الإيراني المقيم في قم منصب مرجع الشيعة الأعلى، ورجع إليه أغلب العراقيين بالتقليد، وأعقبه السيد محسن الحكيم، العراقي النجفي، في موقع مرجع الشيعة؛ فرجع أغلب الإيرانيين إليه بالتقليد؛ بل كانت له دالة حتى على الدولة الإيرانية.
وإذا كانت ظروف المواصلات والاتصالات، وتبادل الرسائل والفتاوى والتأليفات والتوجيهات الدينية والسياسية والأموال الشرعية؛ غاية في الصعوبة في السابق؛ أي منذ نشأة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وحتى بدايات القرن العشرين الحالي؛ فإنّ ذلك لم يمنع أن يكون الشيخ الصدوق الساكن في قم هو مرجع شيعة العالم، ثم الشيخ المفيد الساكن في بغداد هو زعيم الشيعة، ويكون الشيخ الطوسي المقيم في النجف هو شيخ الطائفة المطلق، ويكون الشيخ محمد بن مكي العاملي الساكن في جنوب لبنان زعيما لشيعة العالم، وصولاً إلى السيد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ مرتضى الأنصاري الساكنين في النجف، ثم الميرزا الشيرازي الساكن في سامراء، والشيخ محمد تقي الشيرازي الساكن في كربلاء. فإذا كان هؤلاء يقودون شيعة العالم، في ظل الصعوبة البالغة لوسائل الاتصال والمواصلات والإعلام، فكيف الآن وقد أصبح العالم قرية واحدة، بل بيتاً واحداً؟!
ولعل بعض من يتبنّى الخطاب المناطقي، يتذرع بوجود مسطرة عنصرية يمسك بها من يرشح مرجعيات النجف وقم. لكن هذه الذريعة لا تملك حظاً من الواقعية؛ لأنّ للحوزة معاييرها العلمية والدينية وسياقاتها الخاصة خارج التأثيرات القومية والمناطقية والحكومية. هذه المعايير هي التي تجعل كثيراً من المجتهدين الإيرانيين والعراقيين في قم والنجف، خارج التصنيف المرجعي أو خارج المنافسة على موقع المرجعية العليا؛ ليس بسبب جنسيتهم أو قوميتهم؛ بل لأنّ معايير الرأي العام الحوزوي هي الحاكمة، وليس الترجيحات القومية والمناطقية لهذا اللوبي وذاك، أو هذا الحزب وتلك الجماعة.
ولعل من الخطوات المهمة التي ينبغي أن تتخذها جماعات أهل الخبرة في قم والنجف؛ من أجل سد ذرائع الخطاب المناطقي، هو الانفتاح على مرجعيات الحوزتين؛ فلا تقتصر جماعة مدرسي الحوزة في قم على ترشيح فقهاء قم للمرجعية، وتنفتح على فقهاء النجف أيضاً، كما فعلت حيال السيد السيستاني؛ حين طرحت مرجعيته إلى جانب مراجع قم؛ بل تنفتح أيضاً على المراجع العراقيين والعرب والباكستانيين والأفغانستانيين. وفي المقابل ينبغي أن لا يقتصر أهل الخبرة في النجف على الترويج لمراجع النجف فقط، ويغفلون مراجع قم الكبار وغيرهم. فلطالما أنّ شروط المرجعية هي الأعلمية والعدالة والكفاءة والمقبولية العامة؛ فلا بدّ من شمول جميع الفقهاء بعملية الغربلة والترشيح والترجيح.
ولا تزال أغلبية شيعة العالم، منذ تأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، قبل حوالي 1200 سنة، تعي بعمق معنى المرجعية الدينية وعالميتها؛ برغم كل المحاولات الحثيثة لقومنة المرجعية وتمنطقها، والتي ظهرت خلال القرن العشرين الماضي، وتكرّست بقوة بعد العام 1999، ثم بعد العام 2003، بدعم مالي وتخطيطي ودعائي ومخابراتي هائل من حكومات البعث والسعودية وبريطانيا وأمريكا؛ بهدف تمزيق نسيج النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وضرب أهم دعائم قوته وسر ديمومته وصعوده الجديد. ولعل توجهات شيعة العالم في مجال التقليد؛ دليلٌ واقعي ميداني على امتناع تحقق ذلك الهدف؛ فالإحصاءات التقريبية ـ كما أسلفنا في فصل سابق ـ تشير إلى أنّ 80 % من شيعة العالم يقلدون السيد السيستاني والسيد الخامنئي، وهما سيدان حسينيان عربيان، أحدهما يمثل حوزة النجف ويقيم فيها، والآخر يمثل حوزة قم ويقيم في طهران؛ دون أن يلتفت أي شيعي إلى جنسيتهما وقوميتهما؛ ما يدل على عدم وجود توجه شيعي شعبي لقومنة المرجعية وتمنطقها؛ كما تزعم أقلية مدفوعة بعواطفها ونزعتها القومية من أنصار بعض المراجع العراقيين والإيرانيين واللبنانيين.
وإذا أخذنا العراق مثالاً؛ سنجد أنّ حوالي 65 % من شيعته يرجعون بالتقليد إلى السيد السيستاني، و10 % إلى السيد الخامنئي، و10 % إلى السيد كاظم الحائري والسيد صادق الشيرازي والسيد محمد تقي المدرسي والشيخ بشير حسين النجفي والشيخ إسحاق الفياض والسيد محمدحسين فضل الله وغيرهم من المراجع الذين يحملون جنسيات غير عراقية. أمّا المراجع العراقيين، وفي مقدمهم السيد محمد سعيد الحكيم (ت 2021) والشيخ محمد اليعقوبي، إضافة إلى السيد علاء الدين الغريفي والسيد كمال الحيدري وغيرهم، فيبلغ مقلدوهم حوالي 15 % من شيعة العراق. وهو ما يعني أن 85 % من شيعة العراق يقلدون مراجع غير عراقيين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات
(1) وذلك بسبب التداخل الذي حصل بين المسارات الشيعية في بلدان الصعود الشيعي منذ العام 1980.
(2) أُنظر: الشيخ جعفر المهاجر، «الهجرة العالمية إلى إيران في العصر الصفوي». الدكتور جودت القزويني، «تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية من العصر البويهي إلى نهاية العصر الصفوي الأول». كمال السيد، «نشوء وسقوط الدولة الصفوية».
(3) أُنظر: إجازة تفويض الشيخ جعفر الجناجي النجفي المعروف بـ «كاشف الغطاء» إلى شاه إيران فتح علي القاجاري، والتي يمنح فيها مرجع النجف شاه إيران حق التصرف في الشأن السياسي العام والخراج والزكاة، وجاء فيها: «ولما كان الاستيذان من المجتهدين أوفق بالاحتياط، وأقرب إلى رضا رب العالمين، وأقرب إلى الرقي، والتذلل والخضوع لرب البرية، فقد أذِنتُ… للسلطان… فتح علي شاه… في أخذ ما يتوقف عليه تدبير العساكر والجنود، ورد أهل الكفر والطغيان والجحود، من خراج أرض مفتوحة بغلبة الإسلام، وما يجري مجراها، وزكاة». ثم يأمره بتنفيذ عدد من القضايا ذات العلاقة بالجوانب السياسية والمالية والدعوية. وهذه الإجازة منشورة في كتابه «كشف الغطاء»، باب الجهاد. للمزيد أنظر: علي المؤمن، «الفقه والسياسة»، ص62.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close