التلميذ والمربي، والدوامة المخربة

التلميذ والمربي، والدوامة المخربة

الاديبة والكاتبة المسرحية و الناقدة والشاعرة فوزية بن حورية

علينا ان لا ننسى ان تفاقم فساد النظام العام طيلة عشر سنوات سوداء، سنوات الخراب والتدمير، سنوات ما بعد الثورة النحساء مع انحدار المنظومة التربوية والاخلاقية وكثرة تداول المخدرات على اختلاف اصنافها بين التلاميذ… واستهلاكها مع التيسير في عقوبة الزطلة… هذه الدوامة الشيطانية المخربة ما بعد الثورة ضاع فيها المواطن وابنه واستاذه… ففي خضم هذا الزخم من الفساد والتردي الاخلاقي والسلوكي في الحياة العامة والخاصة تعرض العديد من التلاميذ والتلميذات الى التحرش الجنسي من قبل المربي… كما تعرض بعض المربين الى التعنيف من قبل بعض التلاميذ وكانما هي اصبحت حربا سجالا بينهما…. وما خفي كان اعظم… منطلقا من هذا التصرف القبيح والشاذ عن القاعدة التربوية كان لنا ان نفهم ان ردة الفعل القاسية لابد ان ياتي دورها ذات يوم… وتدور الدائرة على المربي… وهذا ما حصل بالضبط وهذا ما تسبب في سقوط هيبة المربي… من طرف مراهق قد يكون مزطولا او متناولا لبعض الاقراص اياها… من يدري؟.. اذا لا نتفاجأ بردة الفعل ولا نفزع مما حصل.. ومع ذلك أقول باعلى صوتي لا للعنف ولا مبرر للعنف مهما كانت الاسباب… والدوافع من كلا الطرفين… هناك محكمة وقانون ياخذ مجراه.. رغم الفساد المستشري في كل القطاعات… في هذه العشرية دفع الثمن المواطن وابنه واستاذه… الكل ضحية منظومة عملت على ترهل التربية… وتهتك الاخلاق والمبادئ والقيم حتى تدهورت فانحدرت صوب الحضيض فتزايدت تشكيات التلاميذ من التحرش الجنسي الذي تعرض له عدد لا باس به من التلاميذ والتلميذات طيلة عشر سنوات ما بعد الثورة مع انحطاط وتقهقر الحقل التربوي والمنظومة التربوية مع انتشار الزطلة وحبوب الهلوسة والمخدرات وأخواتها واستشراء الفساد داخل وخارج المدرسة، والمعهد، والجامعة دون ان ننسى عوامل الغيرة ونيرانها وعواملها… قد تكون لهذا التلميذ في سن المراهقة المتوسطة حبيبة من بين تلميذات الفصل وقد تكون نجيبة… ومن المعروف ان للنجباء حظوة خاصة دون سائر التلاميذ لدى المربين… نعم لا للعنف بشتى أصنافه… ولا مبرر له مهما كانت الدوافع… ولكن لا بد من البحث والتمحيص عن هذه الظاهرة الممقوتة القديمة الجديدة المتفاقمة… احداث اعتداءات المربين على التلاميذ والتلميذات واعتداءات التلاميذ على المربين منذ عشر سنوات ما بعد الثورة تطور بصفة ملحوظة حتى العديد من التلاميذ انقطعوا عن الدراسة خاصة منهم الفتيات… لذا يجب ان نبحث عن اسباب العلة وبناتها التي جعلت التلميذ الحمل الوديع ينقلب فجأة الى عدو شرس ضد معلمه او استاذه… ومجرم خطير فيقدم بكل جراة على تهشيم راس استاذه بساطور وسكين… على عين الملا داخل الفصل اثناء الدرس… علينا ان نبحث عن الاسباب خاصة وان التلميذ في سن المراهقة المتوسطة لم يصل بعد الى سن الرشد… قد يكون الاستاذ عن حسن نية يعامل تلميذة من التلميذات لنجابتها معاملة مميزة حيث ان من عادات المربين الاعجاب بالتلميذ النجيب فيصبح يتمتع كما قلن آنفا من بين زملائه بحظوة معينة… علينا ان نتفهم نفسية التلميذ المعتدي قد تكون محبوبته ضمن تلاميذ الفصل، وهي الاخرى مراهقة قد تكون من المعجبات بالاستاذ الشاب من يدري؟… وعلها تلميذة لامعة… وقد تكون نار الغيرة تتعامل بداخله… وربما حمية المراهقة وفوران دمها… او رواسب نفسية خامدة بداخله،… بصدر التلميذ تكمن الاسرار… إذ ان هناك مربية قبل هذه الحادثة بنفس المعهد فقأت عين تلميذة الا ان هذه المربية لم تعاقب!… وواصلت التدريس دون ان تحاسب!… وكأن شيئا لم يكن ولم يحدث!… زيادة على ذلك هناك بعض من الحركات او الالفاظ ناطقها يظنها بسيطة وهينة لكنها لدى التلميذ المراهق وحتى الشاب المتلقي تثير حافظته… فتؤجّج جمرا كان خامدا تحت الرماد… فيفور الدم في عروقه… وتشتعل حميته… وقد يكون المتسبب الرئيسي الزطلة واخواتها من يدري… وقد يكون أسلوب تعامل المدرس مع التلاميذ أسلوب يثير ناعورة بعضهم… باختصار شديد كنت ادرس في السنة الرابعة ثانوي ونحن في الفصل وكان الطقس شتاء حين أقبل الأستاذ فجأة على تلميذ يلبس قبعة متماسكة من الصوف وهو يشير بمسطرة الى رأس التلميذ ضاحكا في هستيرية… ثم اخذ ينقر باحتقار على ام راس التلميذ قائلا في استخفاف:« ما هذه التي ترتديها على راسك ايها التلميذ؟!…» فاحمر وجه التلميذ خجلا وغضبا في نفس الوقت بعد ان رآه كيف يضحك عليه في هستيرية وقد ضج الفصل بقهقهات زملاءه… فأجابه برصانة قائلا انها قبعة من الصوف أقي بها راسي من البرد لاني مصاب بالشقيقة، فما كان من الاستاذ الا ان التفت الى التلاميذ ضاحكا وهو يقول بتهكم واستفزاز أسمعتم زميلكم السخيف؟!… ثم عاد وربت على رأس التلميذ بعصاه في احتقار واستهزاء وهو غارق في الضحك قائلا بنبرة تهكم وهو يمطط شفتيه : آه الشقيقة!… مسكين أنت أيها التلميذ… هيئتك المزرية تدعو الى الشفقة، والاستهزاء انك تشبه عمال حضائر البناء… ثم ضربه على ام راسه بالمسطرة وعاد الى مكتبه ومنكباه يهتزان من شدة الضحك الذي الم به… فضج الفصل بالضحك… فتتبعه التلميذ بنظرات تشع منها شعلات نار الغضب والسخط والمقت لان الاستاذ جعله أضحوكة في الفصل… ثم أضحوكة بين تلامذة المعهد وربما في المقاهي… ومرت الحصة وانقضى اليوم بسلام كالعادة… لكن من الغد في الساعة السابعة وخمس وأربعون دقيقة صباحا فوجئنا بخبر مفجع لم نسمع بمثله من قبل لقد سرى بين التلاميذ خبر تعرض الاستاذ ليلة البارحة الى الضرب المبرح ولعدة لكمات شديدة على وجهه حتى ان فكه كسر تكسيرا… وحمل على جناح السرعة الى القسم الاستعجالي بالمستشفى المحلي… وهو الان قابع هناك تحت الرعاية الطبية… حادثة مرعبة لم تحدث من قبل… قيل ان بعض التلاميذ نصب له كمينا خلف احدى الاشجار القريبة من باب المعهد الرئيسي… وخرج له في الظلام الدامس من خلف الشجرة… الا ان الاستاذ لم يتعرف على المعتدي عليه لانه ضُرب على ام راسه… ومرت العملية بسلام الا ان الاستاذ امرت وزارة التربية بنقله الى معهد آخر في بلد آخر بالطبع… لكننا في آخر السنة عرفنا ان فاعلها التلميذ نفسه الذي استفزه وحقره وصغره الاستاذ في الفصل امام زملائه حتى سخر منه الجميع وحُطّ من قدره امام زملائه… ومن منا لا يعرف ان الاستفزاز سبب من بين أسباب الإقدام على ارتكاب الجريمة وهو يشكل علاقة بين الجاني والمجني عليه … ومرت السنين وأصبح التلميذ الساخر منه، اليوم أستاذا لامعا… من هذه الحكاية التي سقتها نفهم ان المربي يلعب دورا فعالا في تكوين البنية السلوكية والاخلاقية للتلميذ وجعله وديعا حليما والمربي نفسه يلعب دورا سلبيا وجعل التلميذ عنيفا ومجرما… على المربي ان يكون محترزا في معاملاته للتلاميذ ويعرف كيف يتعامل معهم… وليست هذه الحادثة الاولى كم من تلميذة او تلميذ يقص أحداثا مؤلمة تصدر عن المربي او المربية كالتحرش الجنسي…اوالاحتقار لانه فقيرا… او…او… او منح أعداد اختبار تلميذ آخر نجيب الى ابن اخته او اخيه او قريب من اقربائه… او ان يقول له ائتي بقطعة من كبوس أبيك غدا وامسح بها الصبورة ليست لنا طلاسة… كم من معلم او استاذ جعل التلميذة او التلميذ يكره مقاعد الدراسة فيغادرها الى الابد الخ…الخ…الخ مثل هذه الافعال والاستفزازات تتسبب له في انشطار نفسي ينطوي في رواسب نفسه… اما ان يتحاشى التلميذ ذكراها فيواصل حياته بصفة عادية… او ان يصاب بعاهة نفسية يصعب الشفاء منها…… ليس دائما المدرس يكاد يكون رسولا، هناك حالات شاذة تحفظ ولا يقاس عليها بين التلاميذ والمربين… في كل حكاية عبرة.

الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close