الخرافة داء يصيب حتى ابناء القرن الواحد والعشرين !

الخرافة داء يصيب حتى ابناء القرن الواحد والعشرين ! (*) د. رضا العطار

جاء في كتاب ( لسان العرب ) لأبن منظور جملة خرافات، اطلق عليها جماعة من القوم – الحديث المستملح من الكذب – يتناقلوها من دهر الى اخر، نتيجة انعدام الثقافة وقلة الوعي العام عندهم، لكن في كل زمان يوجد من حظي بقسط يسير من الالمام بالمعارف، يرفضون تصديقها اوالقبول بصحتها.

والحق ان المرء ليعجب اشد العجب عندما يعلم بان الخرافات عشعشت في صدور القدماء الوف السنين مما جعل اقتلاعها مرادفا لانتزاع مبادئ وجودهم وقيم حياتهم.

وتتجلى خطورة هذه الخرافات عندما تسيطر على الاتجاهات الفكرية للناشئة، فتعطل من نموهم العقلي وتقدمهم المعرفي، وبالتالي تحرمهم من التمتع بسعادة الحياة في منعهم من التفكيرالحرالمتاح للاخرين، في حين ان التفكير المنهجي الذي يسير في خط مضاد من الخرافة، هي الدعامة التي اقام عليها انسان العصر الحديث نهضته الراهنة.

وحُزم الخرافات المبثوثة في عقول شبابنا العربي تكاد لا تقع تحت حصر، فهناك ما يدور حول الزواج والانجاب والحمل والولادة. ومشكلة الاطفال ومكانة المرأة والتغذية والصحة والمرض والفال والتنبؤ بالمستقبل وكيفية الخلاص من الصدمات المتوقعة او طرق تجنب الاثار التي تحدثها الكوارث الطبيعية، وكذلك حول ظاهرة الموت والارواح وحتى ما يتعلق بالضيوف والاصدقاء وما يحدث من خصوم بينهم.

لقد قام الباحث العربي نجيب اسكندر بجمع نماذج من مئات الخرافات الشائعة في البلدان العربية، بغية دراستها دراسة علمية لمعرفة مغزاها ومتابعة تأثيراتها النفسية على المتعاطين اياها، وكيف نشأت وترعرعت، ومدى انتشارها في الناس، ومستوى بيئاتهم وطبقاتهم، وبالتالي مدى علاقة هذه الخرافات بدرجة ثقافتهم.

فقد اثبتت الدراسات الانثروبولوجية مدى اهتمام الانسان بالحيوان منذ اقدم العصور، ولقد كان للحيوان في تفكير الانسان وفي عقيدته مكانا خاصا تشهد عليها عقيدة الطوطم الشهيرة. ولقد دارت حول الحيوان خرافات كثيرة، كالتي تقول ( ان دخول العصفور الى المنزل بشير خير ) او ان ( السلحفاة في البيت بركة ) وان في عواء الكلب نذيرا بموت انسان وان ( لعب القط بالسجاد يعني ان ضيفا سوف يحضر ) او ( وضع الملح في حذاء الضيف الثقيل، يعجل في انصرافه )

ويفسر المؤلف الخرافة الاولى بقوله – لعل في صغر حجم العصفور وجمال منظره وصوته وارتباطه بالخضرة ما يوحي بالطمأنينة. اما السلحفاة فربما رجعت البركة الى استكانتها وطول عمرها. فمن المعروف انها من الحيوانات المعمرة التي قد يبلغ عمرها ثلاثمائة سنة. اما لعب القط بالسجاد وربطه بحضور الضيوف، يصعب تخمين منشأ الخرافة. و في عواء الكلب، ربما كان السر في ذلك الى التشابه بين صوت الكلب وهو يعوي وبين نواح العجائز عندما يموت لهن عزيز ! ولكن من الطيور ما تعتبر نذير شؤم. فالخرافة تقول ( ان نعيق البوم يجلب المصائب ) اما وضع الملح في حذاء الضيف كي ينصرف فامره غريب ليس له تفسير

والتشائم من البوم ونعيقه مرجعه انه يقطن في الاماكن الخربة والمعزولة عن الناس. ولهذا اتخذ منه اهل الشرق رمزا للخراب والدمار في حين اتخذ منه اهل الغرب رمزا للحكمة والصمت والهدوء والتأمل. لكن الواقع ان البوم لا يأوى الى الاماكن الخربة حبا في الشر كما يقول الشرقيون ولا حبا في التأمل كما يقول الغربيون وانما المسألة ترجع الى سبب بيولوجي، هو ان البوم يتعذر عليه الرؤية الواضحة بالنهار فيختبئ في الخرائب، لكنه في الليل يرى جيدا، فيعدو ليصيد غذاءه من الحيوانات الصغيرة مثل الفئران.

ومن الخرافات التي تدور حول الثور، الذي يحمل الارض على قرنه. وما سبب الهزة الارضية في (دورة السنة) الا نتيجة انتقال الارض من قرن الى قرن آخر. ولا شك ان هذه الخرافة تقوم بدورهام في تطمئن الانسان الى ان الهزة الارضية موقوتة ومن ثم فلا خوف منها ! وقل مثل ذلك في الخرافة التي تقول : ان للقط سبعة ارواح، فهي ترجع على الارجح الى ان حركة القط تبلغ درجة كبيرة من المرونة بحيث يستطيع ان يتكيف مع الصدمات، كالسقوط من بناية عالية على نحو يفوق تصور الانسان وبذلك يتجنب القط التعرض لمخاطر قد تؤدي بحياته.

يقول المؤلف : يروج التفكير الخرافي في المجتمعات البدائية واينما تدنت الاحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. خاصة في الريف، فالفلاحون الذين يؤدون طقوسا معينة طلبا لنزول المطر، يتصادف ان ينزل المطر فعلا، فانه سوف يمارس طقوسه كلما اعوزه المطر، فتتأصل الفكرة عنده بمرور الزمن حتى تصبح عقيدة.

وللمستوى التعليمي والنضج الاجتماعي والعمر علاقة بالتفكير الخرافي وخاصة ما يتعلق بالزواج والانجاب والولادة ، ويؤخذ بالخرافة وقت الازمات حيث يلجأ الناس الى الدجالين والمشعوذين والسحرة. وفي هذا السياق يقول الفيلسوف الالماني الشهير هيغل

( عندما يكون العقل البشري في غياب، ينتعش الفكر الخرافي )

ولكثير من عظماء التاريخ وكبار الكتاب، افكار خرافية التي تشكل مصدر حيرة من قبل المحللين النفسيين، علما ان صاحب الشخصية الخرافية يميل الى حالة التشائم ولا يشعر بالرضا ويغلب عليه طابع الحزن والتوتر الانفعالي، يعاني من اضطرابات نفسية بدرجات مختلفة حتى ليسهل على دجال او مشعوذ ان يسيطر على تفكيره، يوجهه الى ما لا يقبله العقل.

* مقتبس من كتاب ، موسوعة علم النفس في حياتنا اليومية، لعبد المنعم الحنفي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close