المضطهدون يتمردون

المضطهدون يتمردون :
بقلم ( كامل سلمان )
المضطهدون الذين يتعرضون الى فترات طويلة من الاضطهاد يجدون في أنفسهم طاقة هائلة للتمرد ، وهذا التمرد يبدأ أولا على الجهة التي تسببت في رفع الاضطهاد عنهم وثانيا على القوانين الاجتماعية والدستورية التي يعيش تحت ظلها ابناء المجتمع الواحد ومرد ذلك أجتماع النقيضان في عقلية المضطهد ، النقيض الأول هو الخوف من العودة الى الاضطهاد تحت اي مسمى لذلك فهم يشككون في كل شيء ولا يثقون بأي شيء فالناس في حساباتهم أعداء يخططون لإعادتهم الى حالة الاضطهاد ، والنقيض الثاني هو ان المضطهد يرى في الحرية مسؤولية تزيد عن حجمه ومن الصعب عليه التكيف معها لإن الاضطهاد والجور والحيف هو الشيء الطبيعي له وأما الحرية والتحرر شيء غريب لا يمكن تقبله ، وهذان النقيضان تصنعان منه إنسان مليء بالفوضى والسلوك المضطرب.
لذلك ما نراه من سلوك فوضوي وتمرد على القوانين إنما هو أنعكاس للحالة التي يعيشها هذا الإنسان .
يستحوذ على الأموال ، يستجمع الرجال ، يستخدم العنف ويتمرد ويصرخ ويتوعد ومهما خضعت الأوضاع لمشيئته يزداد شراسة ويزداد تمردا .
هذه الصورة تبدو جلية في عالم الإنسان وكذلك في عالم الحيوان ، ففي عالم الحيوان تجد الحيوان المتوحش ينطح او يعض الشخص الذي يحاول انقاذه من ورطة سقط فيه فيقاوم بشدة عملية الإنقاذ ، أما في عالم الإنسان فالشواهد كثيرة حاضرا وتأريخا ، فمثلا يحدثنا القرآن عن تمرد بني إسرائيل على نبيهم موسى ع وعلى ربهم الله عندما تم إنقاذهم من إضطهاد فرعون وآل فرعون .
المشكلة ليست في حالة المضطهد المتمرد بل بصعوده الى سلم المسؤولية الإدارية والقيادية للمجتمع ، فالمجتمع يصبح بحال لا يحسد عليه لإنه سيقود المجتمع الى الهاوية فهو لا يرى الا ما يرى ولا يؤمن الا بما هو مؤمن به فيقود المجتمع بشكل يخالف كل منطق علمي ويدمر المجتمع بطريقة لا يحلم بها حتى أعداء ذلك المجتمع فالنتيجة تكون كارثية بكل المقاييس ، فهذا النمط من البشر في الوقت الذي يكون فيه بحاجة الى تأهيل نفسي وعلاج يتحول المجتمع برمته الى الحاجة للتأهيل النفسي والعلاج ، وهذه حالة نادرة الحدوث في المجتمعات الإنسانية ولكن في مجتمعاتنا قابلة الحدوث بسلاسة مع وجود الكم الهائل من المستفيدين والوصوليين الذين لا يهمهم الا أنفسهم
ان الطبقة المثقفة هي أكثر الطبقات تضررا في المرحلة التالية ويحل عليهم الاضطهاد في نفق مظلم ليس فيه بصيص ضوء ، والثقافة يركد مريديها وتصبح مجرد كلمات عديمة القيمة والمنفعة والعلم يصبح عدو مبين والقيم الإنسانية تصبح مجرد شعارات والانعزال عن المجتمعات الأخرى يصبح هو البديل للحفاظ على مستوى التدني وعدم كشف العورة .
الاضطهاد شيء سيء سوا أكان على مستوى الفرد او الجماعة ، فالاضطهاد نقطة ضعف لا يجب السماح بها وقبولها وهي حالة مرضية قد اصابة مجتمعنا وهاهي الثمرة المرة التي نقطفها اليوم ونتجرع مرارتها بكل ألم ، ولا يمكن ان تجد مجتمع صحي فيه أناس مضطهدون الا و تجد المرارة يتجرعها لاحقا جميع افراد المجتمع ، فالواجب الأخلاقي ان لا يسمح للمجتمع او الدولة بأضطهاد اي فرد أو جماعة أو فئة ولأي سبب كان ديني أو عرقي أو ثقافي فهذا خطأ كارثي ويجب على كل إنسان عاقل ان يدرك معنى أحترام الأخرين ومعنى أحترام حقوق الأخرين تحت اي مسمى كان والقانون العادل هو الحد الفاصل لحقوق الجميع ، فقد أنتهت الأزمنة العشوائية ولا بد ان يحل محلها العقلانية وعدم تكرار المآسي ، والخطوة الأولى المطلوبة من الجميع هي استئصال فكرة الاضطهاد من الأفكار والعقول ولنا في تجارب الشعوب مثل يحتذى به ، وان محاربة واسقاط الاسراف في سلوك مضطهدو الامس ممكن وممكن جدا على ضوء ما أفرزته نتائج الانتخابات الأخيرة حين صوت من صوت وان كانت بأعداد محدودة ضد الإضطهاد وضد العنف وضد الأنفلات ونحتاج الى خطوة أخرى اقوى من هذه الخطوة قد تنقلنا الى عالم آخر خال من الاضطهاد في مجتمع جديد يعيد الحياة الى السكة الصحيحة ، وتجعل مجتمعنا يتنعم بالخير والأمان ودائما نقول ان الناس هي من تقرر مصيرها حتى وان حال دون ذلك الظلم واليأس فلابد ان تتغير الأمور مع وجود الإرادة الحقة عند من اراد العيش بسلام وكرامة وتلك هي إرادة الأخيار .
[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close