حوار مع الكاتب والمحلل السياسي المقيم في الولايات المتحدة عمر سندي

حوار مع الكاتب والمحلل السياسي
المقيم في الولايات المتحدة عمر سندي
أجرى الحوار: نعمت شريف
المحفز الرئيسي للفنون من جميع الأنواع واللغات وغيرها، هو إنسانية النزعة للتعبير عن الذات، وفي ادائه لذلك ، فإنه يعطي لما لخلجاته ومشاعره اشكالا بصرية اوصوتية أومكتوبة. وكذالك التعبير اللغوي شعرا، اونثرا أو مقالات، فجميعها تهدف إلى التعبير عن تلك الإبداعات والأفكار للآخرين. الفنان أو الكاتب يعمل من خلال مجالاته الشخصية والوطنية والبشرية، معبرا عن أنشطته العقلية من خلال وسائله الثقافية والبيئة. وفي الوقت نفسه، يعبر عن أبعاده الإنسانية كجزء من شعبه والإنسانية ككل.
المشهد الإعلامي في العراق بشكل عام وإقليم كردستان بشكل خاص غير مستقر و”غامض” إلى حد ما. وتظل وسائل الإعلام الإلكترونية والصحافة المكتوبة وفية لمثلها العليا وللأشخاص الذين تخدمهم؛ لا أحد فوق النقد أو خارج التاريخ. لقد ضحى العديد من الصحفيين بحياتهم أو حريتهم في الدفاع عن حق الناس في المعرفة وفي الدفاع عن مثلهم العليا.
أنهت الانتخابات البرلمانية العراقية الخامسة تصويتها المبكر برفض 59٪ من الناخبين التصويت. في الانتخابات الأولى، وعلى الرغم من العنف، هرعت الأغلبية إلى صناديق الانتخابات أملا في التغيير. وعلى النقيض من ذلك، وبالرغم من الأمن التام، لم يصوت هذه المرة سوى 41٪ من الناخبين. والسبب هو اليأس والتردد في التصويت والاحباط الذي شعر به اغلبية الناخبين. ومن الواضح أن 19 عاما من الفساد، مصحوبة بتعقيدات الاختطاف والاغتيال والفقر والظروف السيئة، قد أبعدت الناخبين عن صناديق الاقتراع.

معي اليوم الكاتب والمحلل السياسي الكردي المقيم في الولايات المتحدة السيد عمر سندي. أهلًا وسهلًا بكم.

سؤال: أعتقد أنك عدت للتو من رحلة إلى كردستان دامت شهرا كاملا. ولكن في البداية، حدثنا قليلا عن نشأتك في كردستان، وتعليمك، وبداياتك مع الصحافة، والعقبات التي قد تكون واجهتها؟
عمر سندي: أثر اتفاق سايكس-بيكو في عام 1916 وتقسيم كردستان وتأثيره على جميع جوانب حياة الشعب الكردي، كانت هناك العديد من المحاولات للتخلص من نير الاستعمار ومن القمع وكسر البوابات والعوائق الوحشية التي فرضها الاستعمار علينا وفي أرضنا، وكان العائق الرئيسي القذر ولا يزال هو انعدام الوحدة السياسية الكردية (“لو كنا متحدين، ولو أطاع بعضنا البعض، لكان الأتراك والعرب والفرس جميعا في عبوديتنا” الباحث الكردي في القرن السابع عشر، الشاعر – أحمد خاني). هذا التقسيم اللعين خاننا في ارواحنا، غدر بتاريخنا، وغدر بلغتنا، وبأرضنا، ومياهنا وبكل ما فينا. وعلى الرغم من هذا الاحتلال والصراع الدائمين في أرضنا، فإن الأنظمة التي تحتل كردستان لا تزال غير مستعدة لمناقشة أو اقتراح أي حل سلمي أو البدء باي حوار بشأن القضية الكردية. لقد قسمت الحكومتان البريطانية والفرنسية الشرق الأوسط فيما بينهما بعد الحرب العالمية الأولى وأنشأوا العديد من الدويلات المستعمرة (بفتح الميم) لخدمة مصالحهم، ولو أرادوا حينئذ، لكان بإمكانهم إقامة دولة كردية أيضا، لكنهم اختاروا عدم القيام بذلك. بعد استسلام الإمبراطورية العثمانية، ربما لم يرغبوا في إزعاج مصطفى كمال التركي ، والدولة الجديدة التي أنشأها آنذاك في الأناضول من رماد الإمبراطورية العثمانية المهزومة …
أما بالنسبة لي، فأنا لست مهتما جدا بالوقوف على تفاصيل حياتي، ومع ذلك فأنا والعديد من الكرد من جيلي الذين نشأوا في منتصف الستينيات يعتبرون أطفال حرب في جنوب كردستان (العراق). في أيلول/سبتمبر 1961، بدأ الكفاح المسلح الكردي تحت قيادة الجنرال مصطفى بارزاني الذي سرعان ما أصبح حركة التحرير الوطني الكردية. إن سكان قريتي “كلوك” مثل معظم الأكراد، انضموا إلى حركة التحرر الوطنية للدفاع عن حقوق الشعب الكردي. وأصبحت المدن والقرى الكردية أهدافا للقصف الجوي العراقي المستمر، وقصفت كلوك بشراسة، وبشكل ملحوظ أكثر من القرى المحيطة بها. هناك نوعان من التكهنات حول سبب تعرض قريتي للمزيد من الهجمات الجوية: 1) كان هناك العديد من جنود الخطوط الأمامية، البيشمركة، من قريتي، وكان اثنان من أعمامي، وهما سلمان سندي وحميد سندي قائدين فعالين في قوات البيشمركة في الخطوط الأمامية؛ 2) كان جدي يملك مطحنة تعمل بالطاقة المائية ويعمل على تزويد المنطقة بالطحين وانتاج الخبز للسكان المحليين والمقاتلين البيشمركة. وإلى جانب زرع الخوف في نفوس الاهالي، كان الهدف منه تعطيل الاقتصاد المحلي. أتذكر بكل وضوح عندما كانت الطائرات العسكرية العراقية الشريرة تلقي اطنانا من القنابل على القرويين العزل. للكثيرين منا نحن الكرد قصصنا الخاصة التي لم ولن تروى ولكنها قصص لا تنسى. قصص إذا رأها او سمعها غير الكردي لربما يظن انها قصص أفلام رعب، لكنها للاسف حقيقية، وحدثت في الواقع، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، القصف الكيميائي لمدينة حلبجة حيث قتل أكثر من 5 آلاف شخص وجرح 12 ألفا آخرين. حملات الأنفال (مستمدة من القران وتعني غنائم الحرب-المترجم) التي شنها ابن عم صدام حسين الملقب بعلي الكيمياوي. هجوم الإبادة الجماعية في عام 2014 على مدينة شنغال (العربية: سنجار)، العراقية من قبل إرهابيي ما يسمى بالدولة الإسلامية في بلاد الشام (داعش)، ولا يزال أكثر من ثلاثة آلاف شخص، بمن فيهم العديد من الأطفال والنساء، في عداد المفقودين. حينئذ أصبح الأكراد جنود العالم لإنقاذ البشرية من هذه المنظمة الإرهابية. بعد انتفاضة أرارات عام 1930 بمقاطعة فان في كردستان الشمالية، كانت قد افادت التقاريرعلى نطاق واسع ان عدد ضحايا مذبحة وادي زيلان تتراوح بين “5,000 إلى 15,000 الف قتيل”، وهكذا في أماكن أخرى كثيرة….
أنا ممتن لوالدي وأعمامي على دفاعهم الثابت على الرغم من المشقة والقوة النارية العراقية الساحقة. عندما كانت هناك فرصة للمدرسة ادخلوني فيها. في الولايات المتحدة، واصلت دراستي وتخرجت بشهادة جامعية تقنية في الهندسة المدنية.
ما الذي جعلني مهتما بالصحافة؟ بطبيعة الحال، أن تكون ضحية سياسة خاطئة، أن تهرب من العراق مع عائلات بأكملها في عام 1975، وتصبح لاجئا في إيران في عهد الشاه في إيران. وان تاتي إلى الولايات المتحدة كلاجئ مرة أخرى، كان لا بد لي ان اهتم بالأخبار اليومية، لأعرف ما إذا كان أعمامي، أو والدي قد انضموا الى صفوف البشمركة مرة اخرى التقى الرئيس مسعود بارزاني في نيسان 2012 بالرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض، لم يمكن الاهتمام بالقضية الكردية كبيرا ولم أكن أعرف ما هي طبيعة المناقشات، لكنني قرأت في صحف مختلفة أن الرئيس أوباما وإدارته لم يكونا متحمسين للاهتمامات الكردية، بشكل عام، ولا سيما في العراق. وكان نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي آنذاك، يهدد بعمل عسكري ضد الأكراد. وفي وقت لاحق، كتبت رسالة إلى الرئيس أوباما حول القضية الكردية والمشاكل في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق. كان رد الرئيس أوباما باسلوب دبلوماسي …

سؤال: كيف ترى حرية الصحافة في الوقت الراهن في إقليم كردستان والعراق بشكل عام، وما هي عيوبها وإيجابياتها؟

عمر سندي: لجميع الأحزاب السياسية تقريبا شركات بث خاصة بها. نحن تحت رحمة وجهات نظر الاحزاب. في السابق كانت الأخبار تأتينا فقط من محطات البث هذه، ولكن في هذه الأيام يمكن لأي شخص استخدام الإنترنت لبث أفكاره إلى العالم. يمكن لأي شخص يهمه قول شيء ما، أو في نشر شيء ما، أو فكرة، أو انتقاد سياسة أو صانع سياسة أن يفعل ذلك.
وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1948 ما يلي: “لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير؛ ويشمل هذا الحق حرية إبداء الرأي دون تدخل، والسعي إلى الحصول على الرأي الاخر، والإعلام بغض النظر عن الحدود”. الصحافة الحرة يجب أن تكون مقدسة.

سؤال: من الواضح أن الانتخابات العراقية الأخيرة قسمت المجموعات السياسية إلى فائزين وخاسرين. وفي العراق، كانت المجموعة الصدرية، وفي إقليم كردستان، واضح أن الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الفائز. خسر الاتحاد الوطني الكردستاني عدة مقاعد وطردت مجموعة كوران/التغيير من البرلمان بالكامل (من دون مقاعد في البرلمان) ماذا تعتقد أنه يحدث على مستوى الناخبين؟

عمر سندي: أنا لست مراسل تحقيقات! ولكن الناخبين الذين صوتوا يقولون ان مراقبى الامم المتحدة كانوا يراقبون عملية التصويت عن كثب. وأعلن المراقبون أنه لا مجال للانحرافات عن الإجراء الموحد الذي وضعه موظفو الأمم المتحدة للانتخابات. بطبيعة الحال، في كل الانتخابات هناك خاسرون و فائزون. وفي الانتخابات البرلمانية الكردستانية عام 2009، فاز كوران ب 25 مقعدا. بشكل عام تلاشت عقائد الأحزاب السياسية. خلال هذه الفترة الانتخابية الأخيرة، كنت في زاخو، إقليم كردستان، تحدث الناس عن 1500 صوت فقط في أحد مراكز الاقتراع في الوقت الذي كان من المتوقع أن يدلي 4000 ناخب مسجل بأصواتهم. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، في ولاية فرجينيا، في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، كان جو بايدن، الديمقراطي، متقدما بعشر نقاط على الرئيس دونالد ترامب، الجمهوري. في عام 2021، في انتخابات حاكم الولاية الأخيرة خسر الديمقراطيون وفاز الجمهوريون.

سؤال: هل تعتقد أن انخفاض إقبال الناخبين ساعد الفائزين على الحصول على المزيد من المقاعد؟
عمر سندي: ربما نعم! وعادة ما يصوت نشطاء الحزب والموالين لكل حزب سياسي بأغلبية ساحقة لمرشحي أحزابهم؛ بغض النظر عن المؤهلات. بشكل عام، الناخبون المستقلون هم الذين يقررون الفائزين في الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأمريكية. الناخبون المستقلون/المتأرجحون يقررون في الغالب الفائزين في الانتخابات.

سؤال: هل تعتقد أن النقد يساعد؟ هل هناك آذان تستمع إلى النقد؟
عمر سندي: إن الاستقطاب السياسي والمنافسة الحرة والعادلة دون خوف، ساعدت في الغالب الناس في الديمقراطيات الليبرالية على الازدهار سياسيا واقتصاديا، في حين أن شعوب بلدان العالم الثالث غارقة في صراعاتها السياسية. وكما نلاحظ جميعا هذه الأيام، فإن آلاف الأشخاص من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، ومعظمهم من الدول الاستبدادية يخاطرون بحياتهم للوصول إلى الشواطئ والحدود الأوروبية بحثا عن حياة أفضل. على سبيل المثال، استقال النائب الألماني نيكولا لوبر من منصبه لدوره في صفقة حكومية “لشراء أقنعة الوجه”، ربما لأن الصفقة أفادت مصالحه التجارية الخاصة.
وفيما يتعلق بالنقد، ليس لدي أي دليل لأقول إن احدا يهتم بالامر، ولكن الشائعات تقول أن الأخ الأكبر (الحكومة) تنصت لما يقال! وإذا كان لهذا الثنائي القطب المجازي أن يستمر، فإن العراق يسير نحو المجهول!

سؤال: ما رأيك في الصحافة الإلكترونية ودورها في توسيع قاعدة الديمقراطية وتوطيد أركان العولمة؟
عمر سندي: هذا موضوع معقد جدا لشرحه! باختصار، من المؤكد أن الصحافة الإلكترونية والعولمة ليستا علاجا سياسيا للديمقراطية. على الرغم من ذلك، يبدو أن بعض النقاد السياسيين يتجاذبون تلكم الأفكار؛ وخاصة العلاقة بين التجارة وإرساء الديمقراطية! نعتقد انه يجب اعادة النظر فيها مرة أخرى! ولكن هل يتعين على الديمقراطيات الليبرالية أن تعمل دوما على تعزيز وتشجيع العمليات الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، على الرغم من أن الأمر قد يستغرق وقتا طويلا، إذا لم يخطؤوا!

سؤال: ما رأيك في من هو الكاتب الناجح؟
عمر سندي: لا يوجد عمل سحري لتصبح كاتبا ناجحا. ولكن ذلك يعتمد على الرغبة الشخصية وعلى الهدف وتحديده: كالكتابة بموضوعية أو أي هدف آخر. لا شيء مستعص، ولكن لا بد من المحاولة! واسمحوا لي أن أعيد صياغة مثال على ذلك. يقال انه كان هناك رجل وكان هذا يحاول اجراء تجربة في مختبره ولكنه فشل المرة تلو المرة. لذا انزعج الرجل جدا فاستسلم لفشله وابتعد. وفي الطريق رأى نملة تجر قطعة من حبة قمح في محاولة لسحبها الى اعلى صخرة كبيرة. وقف يراقب كفاح النملة لرفع الحبة فشلت النملة مرارا وتكرارا ولكن بعد عدة محاولات نجحت في رفع قطعة الحبة إلى أعلى الصخرة. وهنا توقف الرجل وعاد إلى مختبره وحاول تجربته عدة مرات حتى نجح في مشروعه. هناك العديد من الكتاب الناجحين الذين لم ينجحوا في المحاولة الأولى ، لكنهم نجحوا فيما بعد. اقتباس شهير آخر يقول “لا شيء تخافه الا الخوف نفسه” (فرانكلين روزفلت، )1933

سؤال: في ضوء الانتخابات، ما هي الحكمة/الدروس المستفادة التي يمكن أن تقدمها للقراء؟
عمر سندي: سأجيب على سؤالك من وجهة نظرثانية! ” ليس التاريخ هناك ليحب أو يكره، لكنه موجود لك لكي تتعلم منه. وإذا كان مسيئا لك، فهذا افضل لأنك ستكون أقل عرضة لتكرار ذلك (الخطأ الذي ارتكبته). ليس لك أن تمحوه إنه ملك لنا جميعا” (القائل: غير معروف). ولكنني أشجع زعماء الأنظمة الاستبدادية على المضي قدما وقراءة إرث جورج واشنطن، وأبراهام لنكولن، ومهندس كاراماشاند غاندي، ونيلسون مانديلا من جنوب أفريقيا، وآخرون من امثالهم؛ ومن ثم ادعوكم لقراءة إرث جوزيف ستالين من الاتحاد السوفياتي السابق ، محمد رضا شاه من إيران ، علي عبد الله صالح من اليمن ، حسني مبارك من مصر، وآخرون من أمثالهم ومن ثم مقارنة إرثهم ، وأعمالهم ، وإنجازاتهم ، وثرواتهم! ماذا أخذوا معهم إلى قبورهم؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close