نظرية داروين للتطور: كيف تطورت الحياة ؟

نظرية داروين للتطور: كيف تطورت الحياة ؟ (*) د. رضا العطار

لم يأتي الوقت بعد للأجابة على هذا السؤال، ذلك اننا عشنا عشرات القرون ونحن نعتمد على المعارف الخاصة في كيفية نشوء الحياة على قصص تقليدية لكل امة، صيّغتها طبقا لمعتقداتها. فلنا نحن العرب قصة وللصينيين قصة وللهنود اخرى وللأتراك غيرها وهلم جرا. وهذه القصص عاقت التفكير العلمي بشأن البحث عن الجذور وخاصة عندما اندغمت هذه القصص في الاصول الدينية. لأن هذا الاندغام جعل المخالفة لهذه الأساطير جريمة يعاقب عليها.

وليس الخوف من الوقوع في الجريمة هو وحده الذي حال دون التفكير العلمي. لأن هناك ما هو اكبر من هذا الخوف وهو الأيمان بالقصة او الاسطورة منذ ايام الطفولة حين تشتبك تفاصيلها بعواطفنا حتى لننفر من الفحص عما فيها من صحة او زيف — واعظم المفكرين تلابسه عقائد المجتمع، اذ يعيش في عاداته الذهنية والنفسية وهو لا يتخلص منها الا بقدار محدود.

اعتبر ارسطوطاليس مثلا، فان القوة الذهنية عند هذا العبقري كانت عظيمة وكانت قدرته على الترتيب والتفصيل معجزة، وقد الف كتابا عن الدولة في ايامه، يحس من يقرأه انه قد استضاء فيه بفكرة التطور ولكنه مع ذلك فاته الانتباء الى تطور الاحياء ولم يمنعه من ذلك سوى الاساطير التي نشأ عليها. اذ هي اطبقت على ذهنه وضببت ذكائه.

والان ومنذ اوائل القرن التاسع عشر، وتحديدا منذ مؤتمر فيينا عام 1820 الذي ابعد المعتقدات الدينية عن العلوم المادية، شرع الانسان يفكر التفكير العلمي في اصل الحياة وشرع يبصر بان الحياة هي خاصة من خواص المادة كما ان العقل هو خاصة من خواص الحياة، وبدأ العلم البيولوجي يتحرك، بعد ان تحرر من القيود.

وقد بسطت لنا الكيمياء الحيوية التي تدرس كيمياء الجسم الحي من نبات وحيوان آفاقا جديدة في الحديث والدرس انتهينا منها الى الوقوف على حقائق كثيرة في الجسم الحي وكيف يصنع بالتأليف والتركيب من مواد غير حية. فهناك مركبات حيوية يصنعها الجسم الحي مثل الانزيمات والفيتامينات والهورمونات وهي مركبات محورية في الاحياء بحيث لا يمكن ان تحى بدونها ومع ذلك تصنع الان هذه المواد في المعمل ويعالج بها الانسان عندما يحتاجه. وقدرتنا الحاضرة على ايجاد هذه الاجزاء من الجسم الحي تزداد يوما بعد يوم حتى وصلت الى ما يدعى cloning .

يظنً ان تاريخ نشوء (خلق) الخلية الأولى بدأ قبل (الف مليون سنة). حين شرعت الأرض تبرد وتتكثف الغازات الى سوائل ثم تجمدت هذه الى مواد صلبة.

ومن العسير علينا ان نعرف تلك الحالة الأولى حين نبض الطين بالحياة في الخلية الأولى، اذ اين كان النيتروجين والكربون والاكسجين والهيدروجين وكيف كانت الاشعة الشمسية واثرها في الغيوم التي كانت تكسو الكرة الارضية التي كانت تدور بأسرع مما تدور الان حول نفسها وحول الشمس ؟ وهنا اذكّر القاري بالحلقة السابقة وما جاء فيها من الأية القرانية.

كل هذا نجهله كما يجهل احدنا ما يقوم به الكيمياوي في مختبره المقفل. ولكننا نتحسس الطريق الى الوقوف على حقائقه بالتجربة. فأمامنا حقائق لا يستطيع الجسم الحي ان ينمو بدونها، تحتوي على ثلاثة مركبات هي: 1 – الكربوهيدرات مثل السكر

2 – والشحميات مثل الزيت 3 – والبروتينات مثل البيض.

فجزيئة السكر تحتوي على 24 ذرة وجزيئة الزيت تحتوي على 153 ذرة اما جزيئة البيض فتحتوي على 2305 ذرة.

يفهم من هذه الارقام ان اعقد المركبات في الجسم الحي هي البروتينات واسهلها هي الكاربوهيدرات وقد استطاع الانسان ان يصنع كيميائيا السكر في المختبر لكنه لم يستطع صنع البروتين. (هذه المعلومات خاصة بالنصف الاول من القرن العشرين)

فبأستطاعة الجسم البشري ان يحيل السكر الى شحم وكذلك الشحم الى سكر ولكنه لا يستطيع ان يحيل السكر او الشحم او كلاهما الى بروتين. فإذا اقتصرنا طعامنا على السكريات او الشحوم، هلكنا. لكننا نستطيع ان نعيش اذا اقتصرنا طعامنا على البروتينات. لآن اجسامنا عاجزة ان تصنع نسيجها من الكابوهيدرات او الشحوم.

والمادة البروتينية تحمل شحنة كهربائية تجعلها في تفاعل مع الاجسام المكهربة المحيطة بها فهي تتذبذب كما يتذبذب الحديد بالقوة المغناطيسية، وهذا التذبذب هو في النهاية اقرب الاشياء الى الاحساس والتحرك، ميزة الاجسام الحيّة.

ففي الاحياء خطوط واضحة نحو الغريزة. فالنبات يحيى ويتغذى بغريزته كالنحل والنملة، ولولا ان اجسام النبات كاسية بالسيليلوزالجامد لأستطاعت ان تتحرك والنبات حين يختار طعامه من التربة لا يختلف كثيرا من النحلة. هذا الخط هو خط الغريزة يعم اكثر من 95% من الاحياء وهي لانها غريزية لا تدري بجودها في الحياة، فهي في ذهول دائم و غيبوبة ابدية او تكاد تكون كذلك.

اما الخط الاخر فيتجه نحو العقل الذي يبلغ ذروته في الانسان. فنحن ندري اننا موجودون، لنا ماضي وحاضر ومستقبل ولكننا مع ذلك لم نخل من الجهاز الغريزي. فالطفل يرضع امه بالغريزة كما ترشف النحلة رحيق الأزهار بالغريزة او كما يمتص النبات غذاءه من الارض بالغريزة ونحن نهضم طعامنا بالغريزة دون ان نحس به، لكننا بالعقل الكامن في الدماغ نزن به الظروف و نقيس به الأعتبارات. هذا الدماغ اذا نُزع من الكلب ارتد الى غريزته وسلك كما لو كان نملا.

وعندما تحتد الغريزة عندنا تتحول الى عاطفة، وعواطفنا في الغضب والخوف والشهوة لا تزال قوية عنيفة مما يدل على ان جهازنا الغريزي لا يزال قويا ولكننا سائرون الى التغلب عليها بالعقل. فمستقبلنا هو زيادة التطور في العقل وكما ان الزرافة استطاعت ان تزيد طول عنقها الى نحو مترين كي تصل الى الغصون الطرية العالية او الى الاعشاب الارضية البعيدة. فأننا نحن كذلك نستطيع ان نزيد دماغنا البشري الذي هو آلة التفكير حجما ومساحة، فتزيد قدرتنا على التفكير المنطقي وبذلك تزداد درايتنا بأنفسنا والكون.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان للعلامة سلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close