اثر البيئة والملامح الاجتماعية في تكوين الانسان المتفائل

اثر البيئة والملامح الاجتماعية في تكوين الانسان المتفائل (*) د. رضا العطار

الانسان المتفائل، يعكس ملامح مجتمعه الايجابية في صيغ سلوكية تتمثل في انواع متعددة، منها العقلية والوجدانية والكلامية والاجتماعية. وفي هذا المقام يجدر بنا ان نركز على الجوانب الاجتماعية في علاقة الافراد او الجماعات مع بعضهم البعض، ولعل اولى الملامح الاجتماعية التي تتصف بها الشخصية المتفائلة هو الاطمئنان الى الناس بصفة عامة.

فالمتفائل لا يتوجس نيات الاخرين ولا يتوقع منهم شرا، ولا يخون من يتعامل معهم ولا يرتاب فيما يقصدونه ولا يظن بهم الظنون ولا يعتقد انهم يتربصون به ويكيدون له ويخططون للايقاع به. وهذا في الواقع نابع من ان المتفائل يقع على الايجابيات الموجودة والمعتملة في شخصيات الاخرين. انه يتأمل الجوانب الحسنة ويعمل على انمائها وترعرعها والتقدم بها الى اقصى حد ممكن. وطبيعي ان المتفائل المتسم بهذه الخاصية، انما يقدم لمجتمعه سلوكا يطمئن اليه فلا يتوجس منه ولا يخشى غدره او مناوأته او ايقاع الضررعليه.

ومن الملامح الاجتماعية للشخص المتفائل انه لا يجد تعارضا بين نجاحه ونجاح الاخرين، ولا بين ان يكون غنيا وسعيدا ويكون غيره غنيا وسعيدا ايضا.

وهذا النوع هو الذي اطلق عليه الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل اسم الرغبات المتساوقة، كما اطلق على الانواع المتعارضة في المطالب اسم الرغبات المتعارضة

كأن شابين يرغبان في الزواج بنفس الفتاة.

ومن الصفات الحميدة الاخرى للمتفائل هو المساهمة في بناء الجيل الجديد على امل ان ينبت على نحو افضل من الجيل الحالي وقد تخلص من معايبه ومعايب الاجيال السابقة، وانه ايضا ينظر الى المستقبل بنظرة باسمة. نظرة من زاوية عامة لا من زاوية صغيرة ضيقة. وهو لا يصدر حكمه على المجتمع من زاوية واقعة اجتماعية حدثت لشخصه، ولا يتسبب لشرير حاقد ضرر مالي او جسدي، او يتصور ان المجتمع كله على طرازه انما عليه ان يعلم ان الغالبية العظمى من المجتمع يتسم بصفة الخير واقل القليل منه يحمل النزعة الشريرة.

المجتمع السليم يتصف افراده بالملامح الحسنة، يكون الفرد فيه محترما معلقا الامل على ان الغير يحترم كذلك السلوك الحسن ويكون فاضلا في تعامله مع الاخرين.

فكما ان الانسان استطاع عبر العصور ان يتلائم مع الواقع والامكانيات المتوافرة له، و ان يتغلب على كثير من تقلبات الطبيعة وما وقف امامه من مشكلات او عوائق، فانه على نفس النحو سوف يتمكن من التوافق لظروفه الجديدة حاضرا ومستقبلا وذلك بفضل نزعته التفاؤلية تجاه مجتمعه.

وحتى عندما تنشأ بعض المشكلات كأزمة السكن او التفجر السكاني او ازمة الغذاء او المواصلات، فان الشخص المتفائل يؤكد ان تلك الازمات ليست بمثابة طرق مسدودة امام الانسان، بل هي عقبات عارضة سرعان ما يتغلب عليها بالجهد والعمل الدؤب.

بل و يستطيع الانسان المتفائل ان يتغلب على العاهات الاجتماعية والامراض النفسية كالاحقاد والضغائن والشك وسوء الظن، كون انها مصادر سيئة تؤذي المجتمع عن طريق نشر الرعب والخوف بين افراده، ان مسؤولية الشخص المتفائل ان يجهد ما في قدرته لحل هذه المشاكل في سبيل تفادي تاثيراته السلبية على المواطنين، كي يبقى المجتمع دائما ذو ملامح اجتماعية حسنة.

لا شك ان للأسرة اثرا بعيد المدى في تشكيل شخصية الطفل وعقله وفي مدى تلبسه بصفة التفائل، بيد ان الاعتقاد في ان الطفل بمثابة مرآة عاكسة لما يصدر اليها من صور انما هو اعتقاد خاطئ. ولعلك تدهش اذ تجد شخصا قد نشأ في اسرة متدينة ولكنه لا يتمسك بالدين على الاطلاق. او تجد اسرة لا تأخذ بالدين ولكن يظهر بين ابنائها من يتمسك بالدين الى درجة يمكن ان توصف بانها ايمان جارف. واكثر من هذا فانك قد تجد ابا سكيرا وابنه لا يذوق الخمر. او ابا معوج السلوك لكن الابن متمسك بتلاليب الشرف. والعكس وارد.

وهذا ان دلّ على شيء انما يدل على ان ثمة نوعين متباينين من التاثير يمكن ان تؤثر به الاسرة في الطفل. النوع الاول: هو التأثير الأيجابي الذي فيه يكون نوع التاثير مشابها لنوع المؤثر. او حيث يكون سلوك الطفل الناجم من تأثير الوالدين مشابها ومنسجما مع سلوكهما ومطابقا لهما على نحو او آخر. اما النوع الثاني من التأثير فهو التأثير السلبي حيث يأتي تأثير الطفل على نحو عكسي. وعلى الرغم من ان هذا النوع الاخير شائع بنفس القدر الذي يشيع به النوع الاول الايجابي، فقد دأب الناس منذ القدم على التأكيد بأن الابناء يأتون كنسخ مطابقة لأبائهم وامهاتهم. والواقع ان هذا ينسحب ايضا بأزاء التفائل والتشائم. فالاباء المتفائلون قد ينقلون صفتهم الى ابنائهم وقد لا ينقلون. بل قد يأتي اولئك الابناء متشائمين، والعكس صحيح كذلك.

ولعلنا نزعم بحق ان الناس ينقسمون الى فئتين اساسيتين: فئة لديها جهاز استقبالي تأثري ايجابي، وفئة لديها جهاز استقبالي تأثري سلبي او رفضي. والفئة الاولى يتأثرون في حياتهم اليومية بمن يقابلونهم من شخصيات ويأخذون عنهم، اما الفئة الثانية فإنهم يرفضون التاثر بغيرهم ويتخذون موقفا مضادا لما يقدم اليهم. فاذا كان الموجه اليهم ابيض فانهم يرفضونه ويختارون الاسود، مثلما يحدث العكس ايضا.

وقد يفسرالجهاز التأثري هذا في ضوء الوراثة كما قد يفسر تكوينه في ضوء خبرات الطفولة الاولى. فيقال ان الطفل الذي عومل بلطف واحسان، واشبعت حاجاته ولم يعمل بقسوة من قبل الكبار فانه ينشأ شخصا متفائلا. وعلى العكس فان الطفل المحروم من عطف الوالدين فانه ينشأ وقد تلبس بصفة غير محمود.

وهناك من الاسر التي تتقوقع على نفسها، فتقوم على عزل اطفالها عمن سواهم من الاطفال وتغرس في نفوسهم الشك في نوايا الاخرين، مقابل ذلك هناك اسر متفتحة وغير منعزلة عن الاسر الاخرى، فينشأ ابنائها مفعمين بروح الطيبة والطمأنينة.

وطبيعي ان تجد الاباء والامهات الذين لا يغالون في العناية بأبنائهم ولا يغالون في اهمالهم وتركهم وراء ظهورهم وقد اخذوا يساعدونهم على ان يفتحوا اعينهم على الحياة من حولهم بأستبشار وتفائل. ناهيك عما يسود الاسرة من سلام ووداد، فالاسرة التي يظللها السلام والاستقرار والوئام، خليقة بان تعكس ما يسود جوها من عبق الصفات الحميدة على المجتمع، اي الناس اجمعين.

وثمة ما يعرف بالتقدير الشخصي للضروريات والكمالياتن فالشخص الذي دأب واعتاد على استخدام السيارة في تنقلاته من مكان لأخر ولا يستعين بوسائل المواصلات العامة في هذا الغرض فانه قد ينظر الى سيارته باعتبار انها من الضروريات في حياته بدرجة لا تقل عن اهمية لقمة الخبز او المسكن او الكهرباء. وطبيعي ان الشخص الذي اعتاد استخدام وسائل المواصلات العادية لا يحس بان عدم امتلاكه لسيارة يشكل نقصا في حياته. والواقع انك ما تكاد تحصل على الشيء وتعتاد عليه حتى يدخل في نطاق ضرورياتك.

بيد ان هناك عاملا آخر، هو عامل الخيال، فالطفل الذي يتخيل وضعا مباينا لما يسود اسرته ويطوف بخياله بعيدا عن آفاق الواقع انما يستحيل الى شخص بائس بمرور الزمن. وهذا لا يقع لغيره من الاطفال ممن يظلون محصورين بخيالهم في نطاق اسرتهم وامكانياتها الاقتصادية او اذا هم سيحوا بخيالهم فانهم لا يسبحون الى افاق مترامية البعد

وهذا يفسر لنا ما يتلبس به بعض الاطفال من تفائل وتلبس البعض الاخر منهم بالتشائم.

وفي الختام اقول: علينا ان نضع في اعتبارنا دائما بان التأثير الاجتماعي يشتد فاعلية كلما كان الطفل اصغر سنا واكثر قربا من لحظة التكوين، وهو في بطن امه كجنين.

* مقتبس من كتاب التفاؤل والتشاؤم ليوسف ميخائيل اسعد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close