كيف يستطيع العقل بناء نفسه

كيف يستطيع العقل بناء نفسه :
بقلم ( كامل سلمان )
عقل الإنسان دائما يتساءل عن الافكار عن المتغيرات عن الوقائع ، فبعض الناس يلجم هذه التساؤلات ويقتلها في مهدها لأنها تخالف ماتعلمه العقل عندهم ، والبعض الأخر يخفيها على استحياء لعدم وجود الاجابة الكافية لعقولهم ومخافة ان يعرف الأخرون مدى تجرئه في هذه التساؤلات التي تتجاوز الحد المسموح للعقل ، هناك صنف قليل من الناس يبحث عن هذه التساؤلات ، اين ، كيف ، متى وهذا الصنف الذي يطلق العنان لعقله للتحقق والبحث عن الحقيقة مهما كانت مخالفة للواقع ولما تشبع به العقل من الواقع ومن البيت والمدرسة والشارع ، هو الصنف القادر على بناء عقله بشكل صحيح وصياغة المفاهيم بشكل عقلي . وهذا الصنف من الناس هم سر تطور المجتمع لأن عقولهم غير خاضعة للقهر والكبت ، فهي عقول حرة مستنيرة راقية بكل معنى الرقي ، هذه الأنواع من العقول تبني نفسها بنفسها دون وصاية من أحد عليها ، هذا هو النموذج الصحيح للعقل البشري الذي يجب ان نربي به انفسنا وأطفالنا ، ان لا نتقبل الوصفات الجاهزة الا بعد تمحيصها وتدويرها ذات اليمين وذات الشمال وفلترتها ، فالحياة لا تسمح بتكرار الخطأ ولا تسمح بالتقليد الأعمى ، ولمن لا يعرف فإن الحياة تسير بإتجاه واحد للأمام وليس هناك أتجاه آخر .
العقل هو المصد الأخير للإنسان فإذا فسد فسد ما وراءه وإذا استقام استقام ما وراءه ، يعني حياة الإنسان او مواته يبدأ وينتهي بالعقل ، لذلك ترى ما يفعله أعداء العقل ضخ كم هائل من المعلومات المضلة الى عقل الإنسان وما يصل منها فهو كسب كبير لهم وان كان الواصل قليل لإن القليل سينمو بمرور الأيام الى ان يغطي العقل كله ومن جميع الجهات ، فيصبح صاحب العقل المشوه أداة باليد يتحكمون به كيفما يشاءون ، وأما من يقاوم هذه المعلومات المضلة وينبذها فقد يتعرض للقساوة والازدراء او الاستئصال ، ولطالما تجد صاحب العقل النظيف يعيش الوحدانية والضعف في المجتمعات التي تهيمن عليها اصحاب العقول المشوه لإنه بالأساس يرفض مبدأ الإكراه والعنف في التعاملات الحياتية ويميل الى جعل الحياة خاضعة لقوانين منصفة وتنصف حتى أعداء العقل .
الإنسان مهما كان شكله ونوعه يبقى تحت مطرقة التساؤلات ويكون تواقا الى معرفة الحقائق مهما كان عمقها ، حتى وان اصابه العمى والأستسلام ، يبقى بصيصه ينبض بالحياة . الشيء الغريب في الامر عندما يكون هناك من يتقبل عقله الدراسات العلمية الأكاديمية وبنفس الوقت يتقبل عقله الخزعبلات والخرافة فيصبح هذا النموذج دليل بيد اصحاب العقول المشوه على صحة ما تخزنه عقولهم من ترهات ولا يعلمون بأن هذه النماذج هي في الحقيقة عقولهم تتقبل الدراسات العلمية لأغراض مالية او إجتماعية او مصالح محددة ولا توجد اي فائدة لدراساتهم العلمية تلك بما يخدم ويطور الواقع وإنما فقط للحصول على المكتسبات التي درسوا العلم من اجلها ، فهؤلاء ليسوا قياس يقاس به ، فهؤلاء ناقل للعلم كأي واسطة نقل قديمة او حديثة ، وليس ناهضا بالعلم ، ولو كان هؤلاء مستثمري للعلم لأصبح مجتمعنا اليوم فوق النجوم لكثرة اصحاب الشهادات العلمية الذين تجاوز عددهم تعداد المجتمع نفسه ولأصبح سياسيو البلد سادة الأرض فكلهم بدرجة دكتوراه او اعلى . إذا يبقى العلم الحقيقي ما يؤتى ثماره وأما ما يرفع للزينة والخزينة فهو شيطنة من نوع جديد وجد فيها المتخلفون ضالتهم .
العقل هو الزينة الأولى في الحياة ولا ينمو الا مع الأخلاق والنزاهة الخلقية والسلوكية ولا ينمو بالخداع والمكر والتضليل ، هذه المعادلة يعرفها جيدا العارفون ولا تنطلي ضلالتها الا على المغفلين . العقل ينمو بالصدق والمعرفة وينمو بالجهود الحثيثة .
اذا أنت أشبعت العقل بالمبادىء الإنسانية السمحاء تكون قد اعطيت عقلك أرض خصبة لا ينبت فيها الا الشيء الصحيح ، تكون قد وضعت عقلك على السكة الصحيحة ، فأن مبادىء الشر والضلالة تكون واضحة المعالم أمامك ولا يمكن تقبلها مهما تم تجميلها وتحويرها وهنا تكون قد أنقذت عقلك من الملوثات والأفكار المزيفة التي تصول وتجول في الساحة ولها سوق رائج لإنها رخيصة وسهلة المنال . أنت لا تستطيع بناء عقلك بتقبل النقيضان في آن واحد ، فكما قيل لا يجتمع سيفان بغمد واحد ، ومن هنا تبدأ رحلة بناء العقل وفي أحلك الظروف يبقى عقلك شغال بشكل صحيح دون ان يصيبه العطب ، ذلك العطب الذي أصبح منتشرا كالفايروس المدمر وسط الناس من دون لقاح . إذا بالمختصر المفيد هو صراع قائم وبقوة بين من يريد إنهاء دور العقل من خلال الخرافة والخزعبلات وبين من يريد أحياء دور العقل من خلال العلم والمعرفة ، وهذا الصراع بالنسبة للتخلف صراع وجود ، اما بالنسبة للعلم فلا يسمح لعقارب الساعة العودة الى الوراء ، وما يظهر هنا وهناك من سطوة للتخلف والخرافة والجهل إنما هي فقاعات هوائية سيعلم أصحابها عاجلا ام آجلا مدى ضلالتهم والتيه الذي هم فيه .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close