العولمة وتأثيرها على المناحي السياسية الإقتصادية والإجتماعية

العولمة وتأثيرها على المناحي السياسية الإقتصادية والإجتماعية
د. ماجد احمد الزاملي
تاريخيا تم استخدام أسلوب الترويج الثقافي في حملات الغزو الاستعماري بهدف التأثير الأيديولوجي، وإضعاف روح المقاومة لدى الشعوب المستعمرة لتسهل السيطرة عليها وإخضاعها، حتى وصل الأمر إتباع بعض قوى الاستعمار أسلوبا وحشيا ضد الشعوب التي كانت تصر على التمسك بثقافتها وتقاليدها. تسير العولمة في عالم اليوم على ذات النهج الاستعماري القديم وإنما بشكل أكثر نعومة ولكنه أقوى تأثيرا وربما أطول عمراً. فالعمل على إضعاف الثقافة في الحقبة الاستعمارية كان وسيلة للوصول إلى غاية أما العولمة فإلغاء الثقافات المحلية واستبدالها بثقافة عالمية واحدة توجهها منظومة فكرية وحيدة متفردة هي الولايات المتحدة الأمريكية فهي الغاية. ترتبط العولمة السياسية أساسا ببروز مجموعة من القوى العالمية والإقليمية والمحلية الجديدة خلال عقد التسعينات، والتي أخذت تنافس الدولة في المجال السياسي وخاصة في مجال صنع القرارات وصوغ الخيارات، وتتنوع هذه القوي الجديدة أشد التنوع، ومن أبرز هذه القوى التكتلات التجارية الإقليمية كالسوق الأوروبية المشتركة التي تطورت خلال االعقود الأخيرة الماضية لتشكل وحدة نقدية تعمل من خلال المصرف المركزي الأوروبي الذي أُنشأ عام 1999ليُشرف على عملة اليورو، وذلك بعد أن تنازلت الدول الأوروبية طوعاً عن سيادتها في مجال السياسات النقدية ،إن النموذج الاندماجي الأوروبي يقوم أساساً على تخلي الدول الأوروبية الطوعي عن بعض من مظاهر السيادة لصالح كيان إقليم يتجه نحو الوحدة الاقتصادية، و لاحقا الوحدة السياسية من خلال بروز الولايات المتحدة الأوروبية. فخبراء الاقتصاد العالمي سواءً منهم العاملون في البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي يشجعون الدول على المضي قُدُماً في عملية التكامل على المستوى العالمي، فهم يلحون على أن إزالة الحدود أمام السوق يعَبِد الطريق أمام دول العالم الثالث للخروج من مأزق التخلف، معتبرين العولمة تحَسِن من فرص البلدان النامية للحاق اقتصاديا بركب الدول الصناعية. فجوهر العولمة التي تفترض أن العالم قد أصبح وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة تحركه قوى خارج حدود الدولة، والتي لم تعد تحكمها حدود الدولة الوطنية، وإنما تشترط مجموعة من المؤسسات المالية والتجارية والصناعية العابرة للجنسيات (1). وقد مسَّت العولمة مختلف جوانب الحياة وتركت آثارا لا تزول على بُنى القوى الاقتصـادية والاجتماعية والسياسية، من خلال عمليات اختراق غير محدودة لكل البنى الوطنيـة التاريخيـة والقومية والجغرافية والاجتماعية في العالم أجمع، وعلى وجه الخصـوص تلـك التـي تُمثـل الممتلكات الحضارية، والإمكانيات الاقتصادية. مما اشعر العالم بأنه في مواجهة فلسـفة القـوة المركزية الطاردة، فلسفة تعمل على ازدياد الفجوة ما بين المركز والأطـراف، وبـين الشـمال والجنوب، وبين الشرق والغرب. لتخلق عالمين: عالم الثراء وعالم الفقر وليس بينهمـا عـوالم أخرى. تُكوِّن العولمة السياسية عالم بلا حدود ، بوصف السياسة، نظاماً فرعياً يعمل أو يستكمل منظومة العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالضرورة في البلاد العربية والعالم الثالث؛ حتى تتوافر الشروط اللازمة لعولمة كل منظومتها في عمليات متفاعلة متكاملة؛ لأن تعميم نمط التنمية الرأسمالية في بلدان العالم الثالث يستدعي تعميم التنظيم السياسي طبقاً لما هو قائم في الغرب؛ كي يتحقق المزيد من الترابط والتداخل والتعاون العالمي. ولا يمكن إنكار أن المقولات الكبرى في عصرنا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان تنطوي كل منهما على جانب عام وجانب خاص بالثقافة والبيئة بكل دولة وبكل شعب، وقد ازدادت صعوبة التفرقة في هذا الشأن بين العالمي والخاص في ظل التشابك مع آليات العولمة ذات الصلة القوية بالتغريب (الأمركة) حيث النزوع القوي نحو استعباد شعوب وفرض ثقافات معينة رغماً من أن أنماط التفكير والسلوك وأنساق القيم لديها تتسم بالانغلاق والشمول وعدم التسامح ورفض الاندماج في تقاليد أسلوب الحياة الأمريكية ومن أفدح مغالطات التصورات الغربية لحقوق الإنسان تركيزها على الحريات المدنية والسياسية وتغاضيها عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الحق في التنمية) وقد عمدت القوى التي تعمد على فرض ونشر العولمة على توظيف المنظمات الدولية من اجل تحقيق أهدافها مثل حروب البلقان والحرب على العراق من خلال منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويتم ذلك عن طريق الضغط المالي على هذه المنظمات كعدم دفع المستحقات أو بالمقايضات مع الدول الأعضاء المؤثرة( 2). العولمة في السياسة هي مرحلة ما فوق الشرعية الدولية، ومرحلة إعادة تعريف وصياغة وتحديد مهام الدولة، وحدود سيادتها، بحيث تعاد بلورة مفاهيم كانت إلى عهد قريب من المقدسات في علم السياسة مثل: مفهوم السيادة للدولة الوطنية، ومفهوم عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام خصوصياتها. أصبحت هذه المفاهيم تُعبِّر عن مرحلة ولَّت، ولا تصلح للمرحلة الراهنة، وحلت مكانها مفاهيم جديدة تعبِّر عن الإرادة العالمية لتجسيد وحدة جديدة لتكوين النظام العالمي. الإرادة العالمية تعني في عالم اليوم الإرادة الأمريكية وإلى حد ما إرادة الدول الصناعية المتقدمة، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر نفسها وكيلة العولمة في العالم، وبحكم موقعها الذي ضمنته بفضل قوتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية تبيح لنفسها التدخل في شؤون الدول بمختلف الأساليب التي قد تتراوح بين اللين والشدة.
ترتبط العولمة السياسية ببروز مجموعة من القوى العالمية والإقليمية والمحلية الجديدة خلال عقد التسعينات، والتي أخذت تنافس الدول القومية في المجال السياسي، ومن أبرز هذه القوى التكتلات التجارية الإقليمية كالسوق الأوروبية المشتركة, أو الآسيان أو النافتا، إلى جانب المؤسسات المالية والاقتصادية والتجارية الضخمة مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين والشركات متعددة الجنسيات. فقد أصبحت هذه المؤسسات من الضخامة والقوة التي تؤهلها لفرض إرادتها وسياساتها على دول العالم، وتسمح لها برسم الخارطة الاقتصادية للعالم برمته. بمعنى أن الدولة القومية فقدت دورها الأساسي في وضع ورسم النشاط الاقتصادي، مما يعني فقدانها لجزء هام من سيادته(3).
من خلال الآثار السلبية الكبيرة المرافقة لظاهرة العولمة وإمكانية الاستفادة من بعض الايجابيات فإننا نجد أن على البلدان العربية ومنها العراق أن تحاول قدر الامكان الاستفادة من الإيجابيات التي يمكن الاستفادة منها والمرافقة لهذه الظاهرة الواقعية والتخفيف من السلبيات عن طريق تهيئة وتنمية الموارد البشرية القادرة على أن تكون فاعلة في ظل هذه الظاهرة وفي المجالات كافة بحيث تكون هناك كوادر بشرية تقوم بدراسة أبعاد هذه الظاهرة وأهدافها وتقوم هذه الكوادر بوضع الخطط والبرامج على المستوى الكلي وفي المجالات كافة الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية بحيث تستطيع هذه الكوادر التأسيس لمجتمع قوي مدرك لأبعاد هذه الظاهرة على المستوى الوطني قادرة على مجابهة المخاطر التي تحملها على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي، ومُسخِّرة الإيجابيات الناجمة عنها في مسيرة التنمية بأشكالها المختلفة بشكل عام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص. الدول العربية أخذت نصيب كبير من تفاعلات العولمة، بسبب التفاعلات السلبية التي عمقت تبعيتنا للغرب، وفاقمت من أزماتنا السياسية والاقتصادية الطاحنة، وتركت دولنا عرضة أكثر من أي وقت مضى للتدخل الخارجي، وهو ما قامت به الولايات المتحدة بحجة دمقرطة الوطن العربي، وطالبَتهُ وما زالت تطالبه بإجراء إصلاحات تطال بنيته الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا يمكن إنكار مدى حاجة الوطن العربي المزمنة لعملية إصلاح جذرية ولكن ما يثير الشك هو الرغبة الأمريكية في إدخال إصلاحات تحت إشرافها وبشروطها، فالديمقراطية الموعودة هي ديمقراطية بعيون أمريكية تنظر للوطن العربي كهدف سياسي واقتصادي يسهل اختراقه. في ظل هذا الوضع العربي المتردي، لم تجد الولايات المتحدة بُدا من التدخل لضمان تحقيق مصالحها على المدى الطويل، وذلك بإحداث تغييرات جوهرية تطال أولا الهوية العربية الثقافية المميزة لتسهل السيطرة على الأمة العربية، ولم تكن المهمة مستحيلة لسببين الأول ضعف الانتماء الشعبي العربي بسبب ما يلاقيه أبناء الشعوب العربية من قهر وظلم الأنظمة واستبدادها وتسلطها، والثاني الثورة التقنية والمعلوماتية التي جعلت من السهل تماما حتى على الإنسان العادي الوصول إلى أي معلومة، ومشاهدة المنتج الثقافي الأمريكي الذي فرض على الشعوب العربية في بيوتها، فالترويج للقيم الأمريكية يتم من خلال برامج تلفزيونية وأفلام سينمائية، ونمط حياة يومي يشمل ثقافة الطعام والشراب والزي…
تعد السياسة من أبرز اختصاصات الدولـة القوميـة التـي تحـرص علـى الإمسـاك والتحكم بها ضمن نطاقها الجغرافـي ومجالهـا الـوطني، وتبقيهـا بعيـدة عـن التـدخلات الخارجية، وهو ما يرتبط أشد الارتبـاط بمفهـوم السـيادة وممارسـة الدولـة لصـلاحياتها وسلطاتها على شعبها وأرضها وثرواتهـا الطبيعيـة. فالدولـة التـي كانـت مصـدر لكـل القـرارات والتشـريعات ومختلـف النشـاطات، أصـبحت الآن مجرد وحدة ضمن شبكة من العلاقات والوحدات الكثيـرة فـي عـالم يـزداد انكماشـاً ,فالقرارات التي تتخذ في عاصمة مـن العواصـم العالميـة سـرعان مـا تنتشـر انتشارا سريعا إلى كل العواصم، والتشـريعات التـي تخـص دولـة مـن الـدول تسـتحوذ مباشرة على اهتمام العالم بأسـره، والسياسـات التـي تسـتهدف قطاعـات اجتماعيـة فـي مجتمع من المجتمعات تـؤثر تـأثيرا حاسـما فـي السياسـات الداخليـة والخارجيـة لكـل المجتمعات دون الالتفات إلى البعد أو القرب الجغرافي.
———————————
1-وداد غزلاني ، العولمة والارهاب بين آلية التفكيك والتركيب ،رسالة دكتوراه ، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، جامعة الحاج لخضر ، باتنة ،2009/2010 ، ص58.
2-مصطفى مجدي الجمال ” تأملات في إيديولوجيا التدخل الإنساني الدولي “دراسات استراتيجية، العدد الثاني، 2001، مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية / جامعة دمشق ص 95
. 3- عبد الخالق عبد االله، العولمة: جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، مصدر سبق ذكره، ص82

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close