آثار الحروب الصليبية على العالمين العربى والاسلامى (8)

(8) آثار الحروب الصليبية على العالمين العربى والاسلامى

محمد سيف الدولة

[email protected]

هذه هى الحلقة الثامنة والأخيرة من هذه السلسلة، التى نتناول فيها كتاب ماهية الحروب الصليبية للدكتور/ قاسم عبده قاسم الذى رحل عن عالمنا فى الاسابيع الماضية. وكنا قد تناولنا فى الحلقات السبع السابقة: الأيدلوجية الصليبية، والظروف التاريخية والدوافع، وخطبة البابا والاستجابة الشعبية، والحملة الاولى واغتصاب القدس، وبدايات الوحدة والمقاومة والتحرير، ومصر وصلاح الدين والحملة الثالثة، وانهيار المشروع الصليبى (مرفق روابطها أسفل المقال).

***

وربما تكون هذه هى الحلقة الاهم فى هذه السلسلة حيث ان موضوعها هو الآثار التى خلفتها هذه الحروب على العالمين العربى والاسلامى، لكن قبل ان نستعرض ما ورد فى الكتاب فى هذا الشأن فإنى أود أن أطرح أهم “خمس” نتائج لهذه الحملات العدوانية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم:

النتيجة الاولى والاهم على الاطلاق فى تصورى هى انه قد تم اختبارنا فى ملكيتنا لهذه الارض واختصاصنا بها دونا عن باقى شعوب الارض، بعد ان نجحنا فى تحريرها واسترداد كل الاراضى والمدن التى تم احتلالها بعدما يقرب من مائتى عاما من القتال والمقاومة. ليثبت ويتأكد لدى الغرب الأوروبى ولكل أمم العالم، ان هذه الأرض هى ارض عربية، وأن هناك بالفعل أمة عربية وليدة ومكتملة التكوين قد خرجت للوجود منذ الفتوحات الاسلامية، أمة لم يعد من الممكن افنائها أو اندثارها أو انتزاع أوطانها او طرد شعوبها، على غرار ما حدث لعديد من الاقوام والجماعات والقبائل والشعوب التى كانت تعيش فى هذه المنطقة فى العصور القديمة ولكنها اندثرت او انصهرت فى كيانات أكبر، كالفراعنة والفينيقيين والأموريين والكنعانيين والعبرانيين والبابلين والآشورين وغيرهم.

***

النتيجة الثانية هى ثبوت وترسخ حقيقية تاريخية واستراتيجية وجيوسياسية لا تزال تعيش معنا حتى اليوم وهي أن الاطماع الاستعمارية الأوروبية فى بلادنا، التى لم تتوقف منذ الاسكندر الاكبر والرومان والبيزنطيين، مرورا بالحروب الصليبية وانتهاءا بالحملة الاستعمارية الثالثة على الامة 1798-2021، هى عقيدة غربية ثابتة وليست سياسات طارئة أو متغيرة، خاصة بعد ان أصبح الغرب هو معقل الامبريالية العالمية.

***

النتيجة الثالثة هي اكتشاف وادراك المكانة الخاصة التى أصبحت تمثلها مصر فى الدفاع عن الأمة العربية، حيث كانت هى الصخرة الرئيسية التى تكسرت عليها الحملات الصليبية وحالت دون توسع المشروع الصليبيى او بقاءه. وهى الحقيقة الجديدة التى أدركها العرب والمسلمون كما أدركها الغرب، وتم تسجيلها فى أرشيفه وذاكرته الاستعمارية التاريخية. ولذلك حين أراد نابليون بعد خمسة قرون من هزيمة الصليبيين، ان يخترق الشرق لضرب المصالح البريطانية فى الهند، فانه اختار ان يبدأ بمصر فى حملته الشهيرة 1798 ـ 1801. وهو ما تكرر بضرب دولة محمد على الوليدة للحيلولة دون وراثتها لمكانة الدولة العثمانية المريضة واجباره على توقيع معاهدة لندن 1840 التى قامت بعزل مصر عربيا واسلاميا، ثم تكرر مرة ثالثة بعد الحرب العالمية الثانية حين أراد قادة الاستعمار الغربى تثبيت الكيان الصهيونى فى فلسطين فوجهوا ضرباتهم الرئيسية والمتتالية الى مصر فى 1956 و1958 و1967، ثم استماتوا بعد حرب 1973 لانتزاعها من محيطها العربى باتفاقيات كامب ديفيد عام 1978. وهو ما نجحوا فيه بجدارة الى حين.

***

النتيجة الرابعة كانت هى التراجع الكبير للمذهب الشيعى لصالح المذهب السنى، الذى استرد مكانته وريادته وانتشاره فى مصر والمنطقة كلها بسبب اقترانه بقيادة حروب التحرير ضد الحملات الصليبية، التى عجزت عن صدها الدولة الفاطمية، بل سقط حكامها فى التواطؤ مع الصليبيين، وهو درس تاريخى هام، لا يجب أن يغيب عن الحكام والمفكرين والسياسيين وصناع القرار من العرب والمسلمين فى زمننا المعاصر.

***

النتيجة الخامسة بالغة الأهمية هى ان الانتصارات الكبرى التى حققها العرب والمسلمون على المشروع الصليبى الذى استمر لما يقرب من مائتى عاما، أصبحت مصدرا عظيما ومستمرا لالهام كل الاجيال التالية على امتداد قرون طويلة، بل وتحولت الى أحد اهم الثوابت العقائدية والحقائق التاريخية، على ان الاحتلال مهما بلغت درجة قوته وطول مدته، الى زوال لا محالة باذن الله.

***

بعد استعراض هذه النتائج الرئيسية، نعود لنواصل كيف تناول الدكتور/ قاسم فى كتابه، مسألة آثار الحروب الصليبية على العالم العربى، من خلال العناوين التالية:

1) الاستجابة السياسية ونشأة الدولة العسكرية.

2) الآثار السكانية والاجتماعية.

3) الآثار الاقتصادية.

4) الآثار القيمية والأخلاقية.

5) الآثار الثقافية والفكرية.

6) الختام.

***

أولا ـ الاستجابة السياسية ونشأة الدولة العسكرية:

· كانت حالة التفتت والتشرذم السياسى العربى هى السبب الرئيسى فى الانتصارات الكبرى والسريعة التى حققتها الحملات الصليبية الاولى وسقوط القدس وعدد كبير من المدن العربية تحت الاحتلال.

· فكانت النزاعات قائمة على قدم وساق بين السنة فى بغداد والشيعة فى القاهرة واتباع كل منهما فى بلاد الشام، وبين السلاجقة والعرب، وبين زعماء البدو وامراء العرب فى المناطق الحضرية وبين الأمراء بعضهم البعض وهكذا.

· ولقد احتاج العرب والمسلمون خمسة عقود قبل ان يتمكنوا من لملمة صفوفهم والشروع فى توحيد انفسهم، فظهرت دولة عماد الدين الزنكى الذي تولى حكم الموصل 1127 ثم حلب 1128 واستعاد الرها فى 1144. ثم استولى ابنه نور الدين على دمشق فى 1154 وأرسل جيش بقيادة شيركوه وصلاح الدين الى مصر، فنشأت دولته وهي تحكم “خمس” عواصم هى القاهرة ودمشق وحلب والموصل والرها. ثم دولة صلاح الدين الذي نجح حتى 1181 فى بسط سلطانه على منطقة تمتد من النيل الى الفرات، وانطلق من ان الحرب ضرورة دائمة، ودولته كانت دولة عسكرية الطابع والهدف والتنظيم، وكان ودورها التحررى التاريخى هو الذي اضفى عليها الشرعية ونزعها من دولتى الخلافة.

· فلقد تراجعت الخلافة العباسية وتحولت الى مجرد واجهة لاضفاء الشرعية على القادة المتعاقبين مثلما فعل صلاح الدين وكذلك بيبرس. كما تراجعت الخلافة الفاطمية بل وسقطت في الخيانة والسعي لاقتسام النفوذ مع الصليبيين على حساب السلاجقة. وترجع بدايات ضعفها الى الاشتباكات المسلحة بين الاتراك والجنود السود، والصراعات الداخلية على الوزارة وعلى مصر، كالصراع الذى نشأ بين شاور وضرغام واستنجاد أحدهما بنور الدين والآخر بالصليبيين.

· وكان تراجع وتوارى نموذج دولة الخلافة التى على رأسها خليفة لا يتمتع بأى سلطة حقيقية، لحساب ظهور نموذج الدولة العسكرية تحت قيادة ملك محارب يحكم قبضته على كل الأمور، والتى بدأت بظهور دولة عماد الدين الزنكى، ثم نور الدين فصلاح الدين الايوبى الذى لم تعمر دولته سوى سبعين عاما قبل ظهور دولة المماليك.

· فقلد ادت مهادنة الايوبيين للصليبيين بعد وفاة صلاح الدين، الى سقوط دولتهم فى مصر وميلاد دولة المماليك، وكان آخر سلطان ايوبى هو توران شاه بن الصالح نجم الدين ايوب الذى قتل فى 28/5/ 1250 وكان ذلك معاصرا للحملة السابعة بقيادة لويس التاسع التى انتهت بانتصار بيبرس، وتم تتويج ميلاد دولة المماليك الجديدة بنصر آخر على التتار فى عين جالوت 1260 بقيادة السلطان سيف الدين قطز، وباحياء بيبرس للخلافة العباسية فى القاهرة اضفى الشرعية على دولته. وتمكنت دولة المماليك الفتية من القضاء على التتار، الذين أسلموا بعد جيلين.

· وهنا تجدر الاشارة الى ملاحظة هامة وهى ان القرن السابع الهجرى، الثالث عشر الميلادى ربما كان هو أخطر فترة فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية على الاطلاق، فالوجود الاسلامى يتراجع فى الاندلس، وجحافل التتار بقيادة هولاكو تقترب من بغداد التى سقطت فى 1259 وقتل الخليفة المستعصم بالله العباسى، كان بمثابة ضربة للعالمين العربى والاسلامى.

***

الدولة العسكرية:

· قامت على أنقاض دولتى الخلافة الفاطمية والعباسية اللتان فشلتا فشلا ذريعا فى صد الحملات الصليبية.

· وقام نموذج الدولة العسكرية الناشئة على نظام الاقطاع العسكرى، الذى بدأه عماد الدين زنكى ثم ابنه نور الدين ببناء جيوشهما على اساس الربط بين الاقطاع والخدمة العسكرية والولاء الشخصى كوسيلة فعالة لتعبئة الجيوش واعالتها تحت قيادة مركزية.

· وسار صلاح الدين على نهجهما وارتكز الاقطاع العسكرى فى زمنه على الارض الزراعية للامراء والرواتب النقدية والعينية الاجناد للفرسان الصغار ممن لا يأخذون اقطاعات.

· وكان كل هذا النظام يخضع بشكل كامل للسلطان الذى كان هو السيد الاقطاعى لجميع الامراء الاقطاعيين والذى بيده عزل اى امير عن اقطاعه اذا تخلف عن اداء واجباته العسكرية.

· ولقد حقق هذا النموذج من الدولة العسكرية دورا تاريخيا فى القضاء على الكيان الصليبى الا انه فشل فى مواجهة متطلبات الادارة المدنية بعد خروج الصليبيين.

***

ثانيا ـ الآثار السكانية:

· كان من اهم آثار الحروب الصليبية على الشام هو خلق حالة من الاضطراب والسيولة السكانية الكبيرة، ادت الى مزيد من التعقيد والتفكيك لبلاد الشام التى كانت قبل الحملات الصليبية تتسم بفسيفساء سكانية تضم عناصر عربية وتركية وكردية وسوريانية فضلا عن الارمن والبيزنطيين بتنوع ديانتهم ومذاهبهم حيث كانت مسرحا لكل الهجرات والحركات التاريخية الكبرى التى عرفها العالم القديم.

· فلما ضربتها الحملات الصليبية تدهورت اوضاعها تدهورا شديدا، بسبب المذابح التى ارتكبها المحتلون، ومنها المذبحة المروعة التى تعرض لها المسلمون واليهود بعد سقوط القدس، وايضا عمليات التفريغ والاحلال السكانى والتهجير الجماعى والاستيطان الصليبى وزرع المستوطنين محل السكان الاصليين واعادة توطين المهجرين والمطرودين، وتحويل السكان العرب الى عبيد يباعون ويشترون. واستمرار المعارك وتبادل النصر والهزيمة وسقوط أسري من الجانبين مع تبادل السيادة على بعض مناطق الحضر والريف بين المسلمين والصليبيين، وتحول اقليات الى أغلبيات فى بعض المناطق وبالعكس، مع تحول السكان عن ديانتهم حفاظا على حياتهم. كل ذلك وعوامل أخرى ضربت حالة الاستقرار السكانى فى الشام فى مقتل لمدة استمرت ما يقرب من مائتى عاما.

· ولقد كان الأمر مختلفا تماما فى مصر، فبسبب صمودها فى مواجهة محاولات الاحتلال الصليبية المتكررة، بل وتحولها الى المعقل الاخير لقيادة معارك التحرير، فانها اصبحت الارض الأكثر استقرارا وأمانا لاستقبال هجرات اهل العراق والشام من غير المقاتلين الهاربين اليها من ويلات الحرب والاحتلال، وكذلك هجرة مسلمى الاندلس، وهو ما مثل تعويضا ايجابيا للنقص والخسارة البشرية الفادحة فى السكان نتيجة المجاعة الكبرى”الشدة المستنصرية “فى عهد الخليفة المستنصر الفاطمى.

***

والآثار الاجتماعية:

· اما من الناحية الاجتماعية فالحروب والمنازعات السياسية أدت الى اضطراب امنى واجتماعى عميق؛ فبالاضافة الى الصراع الرئيسى والوجودى بين المسلمين والصليبيين، فان صراعات اخرى نشأت بين السنة والشيعة، وبين الامراء بعضهم البعض، وبين الحكام ووزرائهم، وبين السكان المدنيين والعساكر الوافدين، بالاضافة الى توتر العلاقات بين المسلمين والمسيحيين فى الشام، خاصة وان قطاعات من الموارنة والسوريان والارمن قد ساعدوا الصليبيين، كما قام بعض المسلمين فى الامارات الصليبية باعتناق المسيحية خوفا على حياتهم، وهو ما لم يمنع الصليبيين من اتهام الاقباط بالهرطقة.

***

ثالثا ـ الآثار الاقتصادية:

· مثلت الحروب كارثة على الزراعة والانتاج الزراعى بسبب غياب الاستقرار والعمليات الحربية ونهب الجيوش للريف وهجرة الفلاحين ونزوحهم من مناطق القتال، وبحثهم عن الامان داخل اسوار المدن المحصنة، وبسبب ذلك تعرضت مناطق كثيرة لخطر المجاعة.

· ولكن كان من أسوأ الآثار تدهور السيادة الاسلامية على التجارة العالمية، فلقد سقطت موانئ الساحل الشرقى للبحر الابيض المتوسط تحت سيطرة اوروبا حتى عام 1187 الى أن نجح صلاح الدين فى تحرير معظمها.

· وخلال هذه الفترة تم تأسيس الاحياء التجارية فى المدن المحتلة واستثمر الايطاليون اموالا جمة فى التجارة البحرية.

· صحيح ان مصر ظلت تتحكم طوال القرنين 12 و13 بتجارة العبور ما بين اوروبا والهند والمنطقة العربية، ولكن القوى التجارية الاوروبية النامية وجمهورياتها التجارية بدأت تسود.

***

رابعا ـ الآثار القيمية والأخلاقية:

· لقد ادت الهزيمة القاسية امام الحملة الصليبية الاولى والفشل التام فى صدها وسقوط القدس وعدد كبير من المدن العربية والاسلامية، وانكشاف عجز الحكام، الى انتشار مشاعر الغضب والاحباط وتملك الناس شعور بالعجز واليأس، وشيوع روح من “التقوى السلبية” والتدين العاطفى الهروبى الى المجهول الذى تجسد فى انتشار الطرق الصوفية الجاهلة واتباعهم الذين اخذوا يرددون الخرافات والمزاعم عن معجزات الدراويش وكراماتهم على انها حقائق تاريخية.

· ساعد على ذلك اعتماد صلاح الدين الايوبى عليهم لاذكاء حماسة الجنود ومحاربة التشيع، وهو التيار الذى استخدمه المماليك فيما بعد لتدعيم سلطة السلطان ومكانته عند جماهير العامة، وهو ما ادى الى توارى وتراجع تيار المتصوفة “الفلاسفة”.

***

خامسا ـ الآثار الثقافية والفكرية:

· اقترنت جهود توحيد الجبهة الاسلامية ضد الصليبيين بجهود اخرى لاعادة نشر المذهب السنى، وتأسيس المدارس لدعمه فى مواجهة الدعوة الشيعية. وكان فشل الخلافة الفاطمية الشيعية فى فهم حقيقة الحركة الصليبية من جهة ثم اخفاق هذه الخلافة فى جهودها العسكرية ضد الصليبيين من جهة اخرى من اهم عوامل بروز الجهود السنية على محور الموصل/حلب. ثم جاءت نهاية الخلافة الفاطمية فى خضم الصراع الاسلامى/الصليبى تجسيدا لانتصار المذهب السنى على منافسه الشيعى.

· أدى تعرض الشرق العربى الاسلامى لهجوم يهدد وجوده ويستهدف انتزاعه من ارضه والقضاء عليه، الى سيادة الاتجاه نحو المحافظة والبعد عن الاجتهاد، والى ردة فعل تجلت فى التركيز على الحفاظ على التراث الفكرى، بدلا من محاولة اثرائه. فغابت روح الابداع والتجديد وتزايد الاتجاه المحافظ فى الفكر والتأليف. ولم يشهد ذلك القرن مفكرا من الطراز المبدع الذى عرفته القرون السابقة فى تاريخ الثقافة والفكر العربى الاسلامى، ربما باستثناء الغزالى.

· فلقد كانت الحضارة العربية الاسلامية فى حال الدفاع عن الذات واراد ابناؤها لم تراثها وحفظه، وفى هذا العصر تجسد السلف الصالح مفهوما اجتماعيا/ثقافيا وصار البحث فى تراث السلف من الفضائل الثقافية آنذاك، وازدهرت حركة التدوين التاريخى، استرجاعا لانتصارات الأسلاف.

· وانصرف الشعراء والادباء والمفكرون الرسميون الى محاولات حفظ التراث او جمعه او شرحه او تكراراه، كما أصبحوا من ابواق الدعاية والتبرير لتعبئة الناس حول قائد بعينه او للترويج لاتجاه او لاخر.

· وفى عصر المماليك تزايد اعتماد سلاطينهم على اهل العمامة من علماء الدين والفقهاء باعتبارهم واجهة شرعية للحكم، الذين تنافسوا من ناحيتهم على تملق الدولة وتبرير افعالها.

· ولذلك فشل الادب الرسمى فى الاجابة على تساؤلات كثيرة طرحها عامة الناس حول عجز الحكام ونجاح الصليبيين، وعلى رأسها السؤال الأهم والأزلى:”أليس المسلمون هم اتباع الدين الحق؟ فلماذا كانت الهزيمة وانتصار الفرنج الكفرة؟

· لقد فشل الحكام ودعاتهم فى تفسير هذه التناقضات كما فشلوا فى تبرير عجزهم عن دحر الصليبيين طوال هذه السنوات الطوال. ولذلك تبلورت تيارات شعبية اخذت تعبر عن رؤيتها الوجدانية.

· كانت هذه اول هزيمة كبرى للمسلمين فى تاريخهم والذى شهد خطرا استياطانيا وجوديا، فشاعت انباء الرؤى والاحلام التى ترى الرسول عليه الصلاة والسلام، وظهرت النبويات وهى قصائد مطولة تستغيث بالرسول وتتوسل اليه لرفع المعاناة، وانتشر الكلام عن القيامة وعلاماتها والجنة ونعيمها والاعتقاد فى الخوارق والمعجزات، والقصص الشعبى الذى ينقل احداث وقصص وشخصيات وابطال وملاحم من وحى الخيال تحمل للناس التعويض من واقعهم البائس فيما يعرف بالأدب التعويضى.

***

وفى ختام هذه السلسلة:

· لابد من التذكير بان تطور الفكرة الصليبية كان نتاجا لانهيار سلطة الامبراطورية الرومانية فى الغرب فى القرن الخامس الميلادى ثم الغزوات الجرمانية ثم تبلور سلطة الكنيسة والبابوية ثم نمو النظام الاقطاعى وبداية ظهور البرجوازية. وأن الحروب الصليبية جاءت لحل مشكلات اوروبا القرن 11 ميلادى على حساب المنطقة العربية.

· ولم تنجح فى تحقيق انصاراتها الاولى الا بسبب التشرذم العربى الاسلامى، وبدأت هزائمها بعد نمو تيار الوحدة والمقاومة والتحرير. ولقد أفرز التصدى للاحتلال نموذج الدولة العسكرية الاقطاعية التى فشلت فيما بعد فى ادارة المجتمع على اسس مدنية، وحين تدهور نظامها السياسى، تسلطت، فتدهورت المنطقة.

· لقد كان اول احتكاك للشرق العربى الاسلامى مع الغرب الاوروبى ولقد ترتب عليه رغم النصر والتحرير الكامل اهدار هائل للإمكانيات وامتصاص لطاقة النهضة وانكفاء على الذات وحساسية كبرى من كل وافد.

*****

القاهرة فى 16 ديسمبر 2021

الحلقات السابقة:

1) الايديولوجية الصليبية.

2) الظروف والدوافع.

3) خطبة البابا والاستجابة الشعبية.

4) الحملة الأولى وسقوط القدس.

5) بدايات الوحدة والمقاومة والتحرير.

6) مصر وصلاح الدين والحملة الثالثة.

7) انهيار المشروع الصليبى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close