عطش العراق… مئات بحيرات الأسماك مهددة بالزوال

بغداد..سلام الجاف

صياد يجمع شباكه بعد رحلة صيد في نهر الفرات

لم تعد الأضرار التي تخلفها أزمة المياه التي تدخل عامها الثاني في العراق تقتصر على القطاع الزراعي الذي بدأ في الانحسار فعلياً، وإنما أضحى قطاع الثروة السمكية من أبرز المتضررين، بحسب ما يؤكده مسؤولون عراقيون قالوا إن مئات البحيرات الصناعية الخاصة بتربية الأسماك مهددة بالزوال خلال أشهر بحال استمر الحال على ما هو عليه.

وفي وقت سابق من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، عن بيان لوزارة الزراعة أنه “لا دور لها في إدارة ملف المياه لإنقاذ تلك البحيرات وقطاع الأسماك، بل هي مستهلكة للمياه فقط، والأزمة مرتبطة بوزارة الموارد المائية”، لتقر بأن مصير بحيرات الأسماك مهدد في ظل أزمة المياه الراهنة.

وتوصل العراق أخيراً إلى حلول لأزمة المياه مع تركيا، من خلال إبرام مذكرة تفاهم مشتركة بين الجانبين، صادق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نصّت على التزام تركيا بإطلاق مياه عادلة ومنصفة للعراق في نهري دجلة والفرات.

إيران تحجب المياه

لكن إيران لا تزال تحجب كميات كبيرة من المياه عن العراق، لتعلن وزارة الموارد المائية العراقية نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أنها قررت رفع دعوى في المحاكم الدولية ضد إيران بسبب قطعها المياه عن البلاد، وامتناعها عن تقاسم الضرر معه.

يقول حيدر العصاد، رئيس الاتحاد العام لجمعية الفلاحين العراقية: “وزارة الموارد المائية تمنع حاليا إنشاء بحيرات جديدة إضافة إلى وقف تجديد إجازات البحيرات القائمة، لكن يجب أن يكون هناك استعداد لدى وزارة الموارد لإدارة الملف بشكل أكثر فعالية”.

ويشير العصاد إلى أن ” الفترة الماضية شهدت مشاريع استثمارية كبيرة في قطاع الأسماك، وستتعرض لأضرار واسعة بسبب شح المياه”، مؤكدا أن “هذا الضرر سيؤثر على المستهلك العراقي، ونسمع أصوات مطالبة بفتح الاستيراد، بسبب شح الإنتاج وارتفاع الأسعار”.

ويضيف أن “نسبة ملوحة المياه في محافظة البصرة (جنوب) بدأت ترتفع، وامتد الأمر إلى حدود محافظة ذي قار (جنوب) وهذه سابقة خطيرة جدا”، مؤكداً أنه “يجب أن تكون هناك مفاوضات على دول الجوار للضغط من خلال استخدام ورقة التبادل التجاري لتوفير حصة العراق من المياه”.

بدوره، يقول علي الياسري ـ 60 عاماً ـ أحد مربي الأسماك في بغداد: ” مشكلة توفير المياه تعد أحد أبرز التحديات التي تواجهنا في تربية الأسماك، لأن أغلب الأحواض تعتمد على مجاري الأنهار، وصرنا نسجل خسائر مادية كبيرة، بسبب نقص المياه وتم رفع أقفاص كثيرة من ضفاف الأنهار بعد انخفاض منسوب المياه في نهر دجلة”.

ويوضح الياسري: “الخسائر المادية التي لحقت بنا تصل إلى 300 مليون دينار (نحو 200 ألف دولار) تتمثل في نفقات أعلاف وعلاجات ويد عاملة وهذه كلها تكاليف تقع علينا، وبعد هذه الخسارة لا نفكر بالعودة إلى تربية الأسماك إذا لم تقم الدولة بتعويضنا عن الخسائر ومعالجة أزمة المياه”.

ويشير إلى هجر ما لا يقل عن 20 مستثمراً بحيرات وأحواض الأسماك خلال الشهرين الأخيرين، نتيجة خسائرهم وبيعهم السمك بأسعار رخيصة للتخلص منه قبل نفوقه بعد ارتفاع نسبة الشوائب وضحالة المياه في البحيرات نتيجة قلتها.

بدروه، يرى النائب السابق في البرلمان صادق المحنا لـ”العربي الجديد”، أن “الثروة السمكية في العراق استهدفت من قبل تجار ودول الجوار من أجل إجبار العراق على الاستيراد، وهذا الاستهداف ليس جديدا، وهذه الخطوة ذات اضرار اقتصادية كبيرة”.

دول مستفيدة من تراجع الزراعة

ويقول المحنا “هناك دول مستفيدة من أن يبقى العراق بلا زراعة وموارد سمكية، هذه كلها تحقق أجندات دول وتجار يتربصون بالعراق”، داعيا الحكومة إلى “أخذ ذلك بعين الاعتبار، محذرا من أن “أزمة المياه ستؤثر على الوضع الاقتصادي في البلد من خلال نقص الثروة السمكية وارتفاع نسبة البطالة، لأن أحواض الأسماك تحتاج إلى يد عاملة، وعندما تتوقف يتم تسريح العاملين”.

في السياق، يؤكد خالد الراوي الأستاذ في كلية الزراعة ببغداد، أن أضرار شح المياه تمتد إلى المشروعات المرتبطة بالزراعة وتربية الأسماك، ما يزيد من رقعة الخسائر، مشيرا إلى الخطة الزراعية تعاني من نقص المياه، ما سيدفع وزارتي الزراعة والموارد المائية إلى إغلاق المشاريع المتعلقة بتربية الأسماك تحديداً.

يقول الراوي “صرنا نعيش سنوات جفاف مع قلة ما يرد من دول المنبع المجاورة”، مشددا على ضرورة العمل على تفادي الأزمات المتوقعة والعمل على حل الأزمة عبر خطوط دبلوماسية وحوارات دولية مع أطراف في دول المنبع. وخلال الشهر الحالي، شهد عدد من المحافظات العراقية، تظاهرات واحتجاجات واسعة اعتراضاً على سياسة توزيع المياه، مطالبة كل محافظة بزيادة حصصها المائية.

وكان العراق قد نجح بعد عام 2019 في تحقيق اكتفاء ذاتي بمجال الأسماك، إذ أعلنت وزارة الزراعة حظر استيراد الأسماك من الخارج بعد وصول الإنتاج المحلي إلى مرحلة الاكتفاء.

وتنتشر المئات من بحيرات تربية الأسماك في مناطق مختلفة من وسط وشمال العراق على مقربة من نهري دجلة والفرات وتنتج أسبوعيا مئات الأطنان، التي تغطي حاجة السوق المحلية وتعمل تلك البحيرات ضمن تراخيص رسمية تمنحها الحكومة للعاملين في هذا القطاع.

تناقص المياه

يؤكد المتحدث باسم وزارة الزراعة العراقية، حميد النايف، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “واردات المياه التي أخذت بالتناقص في العراق صارت توثر على أحواض وبحيرات تربية الأسماك التي تنتشر عادة على ضفاف الأنهار”.

يقول النايف إن نقص المياه سيؤدي إلى نقص المخزون السمكي في البحيرات، وهذه المخاوف تزداد إذا بقي الوضع على حاله، مضيفا أن “الاحتباس الحراري وقلة الأمطار أثرا أيضا على أغلب مناطق العراق، التي أصبحت جافة، وكل هذا زاد من مخاوفنا على الثروة السمكية، التي نفخر بها لتحقيقها الاكتفاء الذاتي في البلاد”.

ويتابع “العراق حقق منذ سنوات اكتفاءً ذاتياً، لكن أزمة المياه ألقت بظلالها على الأسماك، وقد يعود العراق إلى مستورد للأسماك من جديد في حال استمر الوضع المتعلق بأزمة المياه على ما هو عليه”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close