الصراع الاميركي الصيني على القرن الافريقي البعد الجيوسياسي

الصراع الاميركي الصيني على القرن الافريقي البعد الجيوسياسي
د. ماجد احمد الزاملي
القرن الإفريقي المنطقة الإستراتيجية التي تشمل ثلاث دول، هي الصومال وجيبوتي وإثيوبيا، وقد تأسس هذا المفهوم انطلاقاً من اعتبارات تاريخية، تجلت في صراعات ممتدة تاريخياً ومتعددة نوعياً سواءً كانت إثنية أو قومية أو ثقافية، واستناداً على ذلك فتقدر مساحة القرن الإفريقي بحوالي ثلاث أرباع مليون ميل مربع، وتمتد من الشمال إلى الجنوب بحوالي 2500 كم، ومن الشرق إلى الغرب بمساحة قدرها 1500 كلم (1). والقرن الإفريقي هو الجزء الواقع في شرق القارة الإفريقية غرب البحر الأحمر وخليج عدن ويحده المحيط الهندي جنوباً على شكل قرن ممتد في الخليج الهندي لذلك جاءت التسمية. والقرن الإفريقي يكتسب الأهميته الإستراتيجية من كون دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دولهُ تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا ، إذ يمثل البترول أكبر سلعة من السلع الداخلة فى التجارة بين الغرب والشرق. وتُعتبر المنطقة ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. أن تناوب العديد من المسؤولين والزعماء من بلدان الشرق الأوسط على زيارة منطقة القرن الأفريقي في الآونة الأخيرة يُعدّ مؤشراً لافتاً على وجود تحوّل كبير في معركة تعود لقرون بين القوى الأجنبية المتصارعة على النفوذ، والتجارة، والموارد، والوجود العسكري في منطقة حساسة استراتيجياً على مستوى العالم .وتعني السيطرة على القرن الإفريقي السيطرة على ممرات مائية حيوية، وهي مركز عبور السفن والطائرات العابرة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وكذلك نقطة التزوِّد بالوقود. واحتل القرن الإفريقي مكانة بارزة في استراتيجيات القوى المتنافسة، نظرا لما يمثله من أهمية كبيرة لمصالحها، مستغلة بذلك وبشكل حصري منافعها الجيو ستراتيجية، بذريعة التدخل من أجل محاربة الإرهاب والتطرف والقرصنة وإحقاق الديمقراطية ,وكذلك تحقيق النمو الاقتصادي للمنطقة، هذا الأمر الذي شكَّل عاملًا من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة عن طريق تكالب مصالح قوى دولية وأخرى إقليمية ، وبالتالي فإن الدعم العسكري واللوجستي والمادي الذي قدمته هذه القوى، كانت سببا رئيسيا في حالة اللإستقرار التي تعيشه دول المنطقة، وحافزاً وراء تأجيج الصراعات والنزاعات والحروب، مساهمة بذلك في تدهورالبيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي ومن هنا نجد أنه لا سبيل أمام حكومات القرن الأفريقي سوى أن تسعى جاهدة للاستفادة من هذا الصراع الدولي والاقليمي على دولها لتحسين أوضاعها السياسية والاقتصادية ومحاولة التخفيف من الآثار السلبية لهذه الصراعات .
ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعدا للموارد الطبيعية، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعي واشنطن تحديدا لإيجاد حل لقضية الجنوب وكذلك في الصومال. يضاف إلى ذلك وجود جزر عديدة، ذات أهمية استراتيجية من الناحية العسكرية والأمنية في حالتي الحرب والسلم مثل جزيرتي حنيش ودهلك في اريتريا. تكتسب منطقة القرن الأفريقي أهميتها الإستراتيجية باعتبارها مجاورة للمحيط الهندي، كما أنها تمثل نقطة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، إضافة الى وجود مضيق باب المندب الذي يعتبر ممرا هاما تستخدمه ناقلات النفط والغاز والبضائع والأسلحة، مما جعل المنطقة محطة استراتيجية تتجه اليها الأنظار الدولية. فبالإضافة الى الدول التي يمر نفطها عبر المنافذ البحرية لهذه المنطقة، هناك دول أخرى حاولت توسيع نفوذها في هذه المنطقة الحسّاسة، وخاصة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، وكذلك الدول الشرقية الصاعدة مثل الصين واليابان وتركيا واسرائيل وايران وغيرها. لذلك جاء التنافس الدولي بغرض الهيمنة السياسية فهذا التنافس لم ينقطع عن المنطقة، قديماً وحديثاً، فأمريكا القوة العالمية تعد المنطقة منطقة نفوذ لها، غاية ما في الأمر هو ظهور لاعبين جدد مثل الصين وتركيا وإيران والكيان الصهيوني. ونتيجة هذا التكالب والتنافس الدولي والحشود العسكرية لكثير من دول العالم في المنطقة والمناطق القريبة ينذر ذلك كله بوقوع صراع مستقبلي في هذه المنطقة ومناطق مجاورة، مما سيكون له أكبر الأثر على هذه الدول التي لن يتحمل اقتصادها المتهالك هذه المغامرات الفاشلة. بالرغم من ضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة، اقتصاديًا مقارنة بالصين، وسياسيًا وعسكريًا مقارنة بفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، فإن واشنطن لا تُخفي اهتمامها بتدارك هذا الوضع، فالقارة تضم أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والنمو السكاني الأسرع عالميًا، والثروات الهائلة، والحكومات المفتقرة لأدوات فرض الأمن والاستقرار وتحديث البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.
والتوجُّه الصينيّ ينبع في التعامل مع منطقة القرن الإفريقي من إدراك صانع السياسة الصيني لوجود حالة من الارتياب والتوجُّس الذي تستقبل به الشعوب والقادة في الدول الإفريقية أيّ محاولة للاستثمار أو وجود قوًى من خارج القارة؛ فعلى الجانب الشعبي، مازالت ذكريات الاستعمار الذي عانت منه جُلّ شعوب القارة موجودة بقوة في الوعي الجمعي لتلك البلدان. أما الحُكّام، فهناك دائمًا تخوّف لديهم من أن تقترن المساعدات والاستثمارات الخارجية بمقابل سياسي تطلبه القوى الأجنبية بشكلٍ قد يؤدِّي إلى زعزعة استقرار السلطات والأنظمة الحاكمة في تلك الدول(2).تنطلق الصين في وضعها وتطبيقها لسياساتها تجاه منطقة القرن الأفريقي من منطلق أهداف استراتيجية محدَّدة تقوم في الأساس على رَفْع مركز الصين إلى مركز القوة الكبرى في سعي نحو كسر الهيمنة الأمريكية على السياسة العالمية، وخَلْق نظام عالميّ متعدّد الأقطاب تلعب فيه الصين دورًا محوريًّا يتناسب مع تصوراتها عن حجمها وإمكاناتها. وكانت الصين مصدراً مهماً للأسلحة التي حصلت عليها بعض دول القرن الإفريقي مثل الصومال، وإريتريا، وإثيوبيا. كما حرصت الصين على تعميق التعاون العسكري بينها وبين جيبوتي، خاصة بعد إقامة قاعدة عسكرية أمريكية داخلها.هذا التحوّل قد يُواكبه تحوّل مُشابه في موقف القوى المنافسة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، نحو مواجهة هذا الصعود الصيني في القارة السمراء، وتحجيمه بكل الوسائل الممكنة دون الحرب. هذا التصعيد يترك منطقة القرن الإفريقي كبؤرة مهمة ومتقلّبة في صراع أكبر قد تساهم المنطقة -المثقلة ذاتها بتاريخ طويل من صراعاتها الخاصة- في توجيه الأفضلية فيه نحو طرف أو آخر.و إدراك الصين لأهمية القارة الأفريقية، ينبعُ من منطلقات اقتصادية بحتة، باعتبار أنها تعد من أكبر الأسواق الواعدة والصاعدة في العالم، حيث تسعى إلى تعزيز نفوذها وتواجدها في مناطق تعتبرها “نقاط خنق استراتيجية”، ولمزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المتواجدين في الساحة الأفريقية منذ أمد طويل ، علمًا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية انشغلت عن أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي بقضايا سياسية، ليس أقلها الثورات في شرق أوروبا وروسيا، فإن أفريقيا وعلى لسان كثير من المحللين، كانت تحتل مقعدًا خلفيًا في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، مما ألحق الضرر بسمعتها في أفريقيا، وبعد عام 2000، عاد اهتمام أمريكا بأفريقيا، والسبب في المقام الأول الموارد، وثانيًا التنافس مع الصين التي وضعت ثقلها في المنطقة بعد العام 2000. أي إن القرن الإفريقي يقع في منطقة عدم الاستقرار، وقد لعب انهيار دولة الصومال دورًا مؤثرًا على التحولات الجيوسياسية على منطقتي القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والتي سمحت في بداية القرن الماضي بدخول الفواعل الدولية؛ حيث دشنت الولايات المتحدة الأمريكية هذا التحول بعملية “استعادة الأمل” في تسعينيات القرن الماضي، ومع فشلها لجأت إلى إسناد حروب مكافحة الإرهاب إلى إثيوبيا، وهو ما ترتب عليه صعود الوزن الإقليمي لإثيوبيا إلى حد تهديد الأمن المائي المصري ببناء سد النهضة، وذلك في ضوء الانسحاب المصري من التأثير في التفاعلات الصومالية اعتبارًا من فترة الرئيس الراحل “أنور السادات”. و إن التعامل مع قضايا أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد استجاب نسبيًّا لأسباب التهديدات ومستوياتها خلال العقود الأخيرة؛ حيث تم طرح أكثر من مبادرة في هذا المجال، ولكنها لم تصادف نجاحًا، وحاليًا هناك عدد من الاقترابات المطروحة للقرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر نستطيع أن نلمسها في وجود مبعوث أمريكي للقرن الإفريقي “جيفري فيلتمان”، الذي من المتوقّع أن يبلور منظورًا أمريكيًا للتعامل مع التهديدات الراهنة في إقليمي القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والتي قد تفتح المنطقة ربما على صراعات عسكرية مفتوحة، خصوصًا في ضوء ثلاث أزمات محتدمة هي: سد النهضة، وتداعيات الحرب على إقليم تيجراي، والموقف الملتهب على الحدود السودانية الإثيوبية، وذلك في الوقت الذي تحافظ فيه الصين على علاقات قريبة من جميع دول القرن، وتمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي، بينما ما زالت روسيا متعثرة في الحصول على منصة لقواعد بحرية روسية بعد تراجع السودان عن ذلك. إن التعامل مع قضايا أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد استجاب نسبيًّا لأسباب التهديدات ومستوياتها خلال العقود الأخيرة؛ حيث تم طرح أكثر من مبادرة في هذا المجال، ولكنها لم تصادف نجاحًا. وقد طرحت مفوضية الاتحاد الأوروبي في 20 مارس 2006 إستراتيجية للسلم والأمن والتنمية في القرن الإفريقي، وركزت الإستراتيجية على التعاون مع منظمة الإيجاد عبر رؤية مشتركة وخطة تنفيذية تركز على ثلاثة ميادين هي: السلم والأمن، والأمن الغذائي، والتطوير المؤسساتي. وكذلك تضمنت الإستراتيجية التدخل الفعّال من جانب الاتحاد الأوروبي في القرن الإفريقي لدعم وبناء القدرات الإفريقية في مجال منع الصراع، والوساطة، ونشر قوات حفظ سلام، وعمليات مراقبة وقف إطلاق النار، وإنشاء الفرقة العسكرية للتدخل السريع في شرق إفريقيا كجزء من قوات الانتشار السريع الإفريقية.
——————————————-
1-دحماني محمد، تحديات دول القرن الأفريقي في ظل تنافس القوى العظمى بالمنطقة، مجلة قضايا معرفية، المجلد 2، العدد 5، سبتمبر 2020، ص 7
2-طارق الشيخ، الصين وتجديد سياساتها الإفريقية، السياسة الدولية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد 156، 2004م.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close