«أمطار» الغلاء وتدهور العملة .. هل تقبل تركيا على «ثورة جياع»؟

يعيش المواطن التركي أسوأ أيامه مؤخراً، وهو يبتل بـ «أمطار» الغلاء وزيادات الأسعار التي طالت كل شيء تقريباً، فيما دخله المادي لا زال يراوح مكانه، بل إن قطاعات ومهن كثيرة ما عادت تدر عليه ما يسد رمقه كالسابق.

تدهور العملة التركية

وشهدت تركيا العام المنصرم، أقسى تدهور في عملتها المحلية على الإطلاق، بعد أن فقدت ما يزيد على 50% من قيمتها  خلال أقل من سنة، ليتجاوز سعر صرف الدولار الواحد 18 ليرة تركية، بعد أن كان مطلع عام 2021 أقل من 8 ليرات، فيما تجاوز سعر صرف اليور الواحد 20 ليرة تركية، فيما كان مطلع العام أقل من 9 ليرات.

وعلى الرغم من أن أسعار صرف العملة شهدت تحسناً ملحوظاً إبان إعلان الرئيس التركي عن «خطة اقتصادية خماسية» لدعم قيمتها وتشجيع الإيداعات المصرفية بالليرة، ليتراجع الدولار إلى حدود 13 ليرة واليورو إلى حدود 15 ليرة، لكن الزيادة «الجنونية» بالأسعار التي رافقت تدهور العملة بقيت على حالها، بل إن الأسعار لا زالت تواصل الارتفاع السريع في جميع السلع والقطاعات.

«أمطار» الغلاء

وعلى ما يبدو لم يقتنع السوق بخطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإصلاح الاقتصاد، بل يبدو أن حكومته بذاتها غير مقتنعة بتحسن سعر الصرف، إذ أنها أمطرت المواطنين بوابل من الزيادات قبل وبعد رأس السنة الجديدة.

فقد شهدت أسعار المحروقات زيادات متتالية خلال الشهر المنصرم، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن تطرأ زيادة واحدة أو أكثر على أسعار البنزين والديزل والغاز الطبيعي، حيث تجاوز سعر ليتر البنزين وسطياً 13 ليرة تركية، وكذلك الأمر بالنسبة للديزل، فيما تجاوز سعر الليبرة الواحدة من الغاز الطبيعي 10 ليرات، وذلك بقرارات رسمية أصدرتها الحكومة التركية تباعاً.

كما قررت الحكومة التركية مع مطلع العام الجديد، زيادة سعر الكهرباء بنسب تتراوح بين 50 – 100% بالنسبة للاستهلاك المنزلي والصناعي.

كذلك أقرت الحكومة التركية زيادات على كل من رسوم المركبات والوثائق الرسمية (بطاقات هوية، شهادات سواقة، جوازات سفر) بنسب تتراوح بين 30 – 40%.

كما ارتفع سعر الفحم الحجري والفيول المستخدم في التدفئة والاستخدام الصناعي أكثر من 100% خلال الأشهر الأخيرة.

أسعار متغيرة كل ساعة

واستطلعت (باسنيوز) خلال الأيام القليلة الماضية، التغيرات السريعة التي تشهدها أسعار مختلف السلع في السوق التركية، فبينما كانت الأسعار خلال السنوات الماضية «ثابتة» نسبياً أو متغيرة جزئياً على المدى المتوسط والطويل، بات الباعة يغيرون أسعار السلع كل ساعة، وكثير منهم بات يمتنع عن بيع ما لديه من البضائع المخزنة، لأن «بقاءها في المستودع أربح»، فالبائع لن يستطيع أن يشتري سلعاً لعرضها في محله بنفس سعر المبيع، بعد يوم واحد أو عدة ساعات في أغلب الأحيان.

وحسب مشاهدات (باسنيوز)، فقد شهدت أسعار المواد الأساسية زيادة تتراوح بين 50 إلى 200% خلال الشهر الأخير فقط.

وفيما يلي بعض الأمثلة من أسعار المواد الأساسية في تركيا:

– السكر: حالياً 10 ليرات، قبل شهر كان 4.5 ليرات

– الزيت النباتي (5 لتر): حالياً 130 ليرة، قبل شهر كانت 70 ليرة

– الخبز (رغيف تركي): حالياً 1.5 ليرة، قبل شهر كانت 0.6 ليرة

الشاي: حالياً 150 ليرة، قبل شهر كانت 80 ليرة

القهوة: حالياً 140 ليرة، قبل شهر كانت 60 ليرة

كذلك الأمر شهدت أسعار الألبسة والخضار والفواكه زيادة بالنسبة ذاتها خلال الفترة الأخيرة.

الدخل لم يتغير

وأمام هذه الزيادات الكبيرة في الأسعار، لم تلبِ قرارات الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50% ورفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بنسب قريبة، آمال المواطنين في مجاراة جنون الأسواق.

وقررت الحكومة التركية مؤخراً، رفع الحد الأدنى للأجور إلى 4250 ليرة، وإعفاء العاملين بالأجر الأدنى من ضريبة الدخل، وكذلك إعفاء نفس المبلغ من رواتب باقي الموظفين من الضريبة، ما سيرفع الراتب الأدنى المقبوض إلى حدود 5 آلاف ليرة تركية (حوالي 375 دولار) مع مطلع العام الجديد.

والحد الأدنى من الأجور ملزم للقطاع الخاص كما هو للقطاع الحكومي، لذا فإن هناك حوالي 10 ملايين عائلة تركية وسطياً ستتدبر أمورها هذا العام بهذا الأجر، وفق الإحصاءات الرسمية التركية.

فيما تشير الاستطلاعات، إلى أن عائلة تركية مكونة من 5 أفراد تحتاج وسطياً إلى 7 آلاف ليرة (حوالي 530 دولار) لتأمين الحد الأدنى فقط من احتياجاتها شهرياً، دون أي كماليات أو ترفيه أو طوارئ.

استياء كبير .. هل من «ثورة جياع»؟

وبدأت أصوات الاستياء والتململ من الوضع الاقتصادي المزري تتصاعد بين مختلف فئات الشعب التركي، سواءً الموالين منهم للعدالة والتنمية الحاكم أو المعارضة، حتى أن بعض المدن التركية شهدت خروج مظاهرات احتجاجية على تردي الواقع الاقتصادي.

ويجتاح وسم #ZamYağmuruBasladı (بدأت أمطار الغلاء) مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا، والتي يعبر من خلاله المواطنون عن استيائهم من الزيادات الأخيرة في أسعار السلع المختلفة والخدمات الحكومية.

موقع HABER46 قال عبر تويتر: «من كان يربط ارتفاع أسعار المحروقات بارتفاع سعر صرف الدولار، انظروا جيداً إلى هذه اللوحة: انخفض سعر الدولار 5 ليرات ولا زالت أسعار الوقود ترتفع، هل هناك إعلام جريء قادر على الحديث عن هذا؟».

بينما غردت الناشطة التركية حياة جلال عبر تويتر بكلمة واحدة، قائلة: «يكفي»!، مع صورة من إحدى محلات الخضار تظهر ارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد من الباذنجان إلى حوالي 25 ليرة تركية.

فيما يشير الناشط حمدالله آر، إلى أن الأسواق المشتعلة بالغلاء أذابت منذ الآن الزيادة التي أقرتها الحكومة على الحد الأدنى للأجور.

ومع تصاعد الغليان الشعبي وحالة التململ من الواقع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً كل يوم، لا يستبعد مراقبون أن تشهد تركيا اضطرابات وحركات احتجاجية، قد تضع حكومة أردوغان في مواجهة «ثورة جياع» قبل حلول عام 2023، وهو الموعد الذي يتغنى به الرئيس التركي لانطلاق تركيا «كقوة عظمى».

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close