القراءة الصحيحة لآيات القرآن الكريم (ح7) (المصحف الشريف 2)

الدكتور فاضل حسن شريف

ابتدأ جمع القرآن بعهد الرسالة وانتهت بدور توحيد المصاحف على عهد عثمان، ثم إلى عهد الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أكمل رسمه على ما هو عليه الآن. قال زيد بن ثابت: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكتب القرآن في الرقاع . وفي عهد أبي بكر، وذلك باتساخه من العسب والرقاع وصدور الرجال. العسب هو ما نسميه العسك، أي جريدة النخل بدون خوصها فيكتبون على أسفلها الكربة تسمى عسب. وفي عهد عثمان بن عفان حيث جمع القرآن بين دفتين وحمل الناس على قراءة واحدة، قال السيد الخوئي في كتاب البيان في تفسير القران (لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها، حتى قام مجاهد سنة300 هـ في بغداد فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقيين والشام، وغيرهم . فتم اعتماد القراءة من خلالهم عام 300 هـ)

من المصاحف المهمة مصحف موجود في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء في اليمن وهو بخط الإمام علي عليه السلام وعليه آثار دم الطفلين الشهيدين قثم وعبد الرحمن ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب والذين ذبحهما وهما يلوذان بـ المصحف بسر بن أرطأة شرطي معاوية بن أبي سفيان الأموي عندما هجم على الحجاز واليمن وتم قتل الصبيان والنساء من أتباع علي بن ابي طالب عليه السلام ومن ضمنهما هذين الطفلين في اليمن وهما من أولاد عبيد الله بن العباس رضي الله عنه والي علي عليه السلام في اليمن. ويوجد ضريح لهما في صنعاء. وبقاء المصحف وعليه دماء الطفلين اية للاجيال لكشف مظلومية اهل البيت وفسق بني امية “فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً” (يونس 92). و تعتبر نسخة المصحف مصدرا مهما لقراء القرآن الكريم. وتذكر المصادر ان كتبة هذا المصحف هم الامام علي عليه السلام نفسه، والآخرين بعد ان ردده عليهم الإمام علي عليه السلام هم عمار بن ياسر والمقداد وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري الذين تعاونوا على كتابته. وهي نفس نسخة القرآن الموجود في الوقت الحالي الا كلمة في اية 123 من سورة التوبة اقتلوا بدل قاتلوا. ومجموع مخطوطات المصحف 4500 مخطوطة. وقد فحصت بالكربون الاشعاعي وتبين صحة تأريخ المخطوطات التي ترجع لزمن الإمام علي عليه السلام. ومن المخطوطات الموقعة من قبل الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام والموجودة في المكتبة العلوية بالخط الكوفي آيات سورة النحل من آية 77 إلى الآية 99.

وعثرت السلطات التركية على نسخة من القرآن الكريم مكتوب بخط اليد في مسجد بمدينة بوردوم يصل عمره إلى قرابة 1200 عام ملفوف في قطعة من القماش. و تعتقد إدارة جامعة توبنغن في مدينة شتوتغارت الألمانية أنها تملك أقدم مصحف منسوب للإمام علي عليه السلام. وعثر في مدينة الضالع اليمنية على أقدم نسخة من القرآن الكريم تعود الى سنة 200 للهجرة، وذلك في أحد الكهوف الجبلية صعبة التضاريس جنوب المدينة، وأن حروف النسخة المعثور عليها خالية من النقاط والتشكيل، وقد دوِّن على صفحتها الأولى نسخت بيد الفقير إلى الله عام 200 هجرية، واعتبرت أحد أقدم نسخ للمصحف الشريف يعثر عليها لحد الآن، كما أكدت الفحوصات الأولية للنسخة أصالتها وصحة البيانات المدونة عليها. والآثار العراقية تؤكد ان لديها مصحف بخط الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، و آيات قرآنية يعود بعضها إلى السنوات الهجرية الأولى، والقسم الأكبر منها بنسخة واحدة فريدة مكتوبة على جلد. وأهديت الى العتبة الحسينية قطعة أثرية عبارة عن رق من جلد الغزال مكتوب على الوجه الأول سورة القلم في حين كتب على الوجه الآخر آيات من سورة تبارك غير منقطتين.

تضم المكتبة البريطانية لوحدها قرابة الخمس عشرة ألف مخطوطة عربية، منها مخطوطات نفيسة للقرآن الكريم، وأقدمها نسخة من المصحف الشريف تعود إلى أواخر العصر الأموي مكتوبة على الرق بخط مائل. في مكتبة السليمانية بإسطنبول توجد نسخة مصحف الخليفة عثمان بن عفان، بإملاء الصحابة القُرَّاء في عصره، ونسخة أخرى كُتبت بالخط الكوفي، وقطعة خشبية نُحتت عليها أوائل سورة النجم بالخط المدني يُقدّر أنها تعود إلى القرن الثاني الهجري.

قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (عليٌّ مَعَ القرآنِ والقرآنُ مَعَ عليٍّ، لنْ يفترقا حتّى يَرِدَا عَلَيَّ الحوضَ). عن أبي سعيد الخدري قال: سألتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن قول الله تعالى “وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ”، قال: ذاك أخي علي بن أبي طالب عليه السلام. عن علي بن حوشب قال: سمعتُ مكحولاً يقول: قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم “وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ”، فقال: يا علي، سألتُ الله أنْ يجعلها أُذنك. قال: قال علي عليه السلام: فما نسيتُ حديثاً أو شيئاً سمعتُه مِن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (عليّ عليه السلام أقضى أمتي بكتاب الله، فمن أحبني فليحبّه، فإن العبد لا ينال ولايتي إلاّ بحبّ عليّ عليه السلام). قال الامام علي عليه السلام (وإن الكتاب لَمعي، ما فارقته مُذ صحبتُه). وهو القائل: (سلوني عن كتاب الله، فوالله، ما من آية إلاّ أنا أعلم أَبِلَيْلٍ نزلتْ أَمْ بنهارٍ، أَمْ في سهلٍ أَمْ في جبلٍ).

يذكر ان كتب التاريخ تشير إلى ان أبو الأسود الدؤلي (16 ق.هـ. – 69 هـ ) يعتبر أول من وضع علم النحو و شكّل المصحف وهو من وضع النقاط على الأحرف العربية وأول من ضبط قواعد النحو فوضع باب الفاعل، المفعول به، المضاف و حروف النصب والرفع و الجر و الجزم. أول من أسسّ علوم العربية، ونَهَج سُبلها ووضع قياسها، وأول من عمل كتاباً في النحو، وأول من وضع نُقَط المصحف وأعربه، وحَفَظَه عن التحريف باتفاق جميع المصادر، وقد عمل كل ذلك بإرشاد وتوجيه من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وثقته والمخلصين له شارك معه حروبه الثلاث صفين والجمل والنهروان، وكان له دور فاعل ومؤثر فيها فقد كان من المتحققين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ومحبته وصحبته ومحبة ولده.

اتفقت جميع المصادر على أن أبا الأسود هو أول من وضع النحو بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد تباينت روايات السبب الذي دعا أمير المؤمنين إلى وضع علم النحو وتلقينه أبا الأسود إياه. فقد ذكر الأصبهاني (أن رسول الله صلى الله عليه وآله سمع يوماً قارئاً يقرأ قوله تعالى: “أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بجر لام الرسول، فغضب صلى الله عليه وآله وأشار إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام: أن انح النحو واجعل له قاعدة وامنع من مثل هذا اللحن. فطلب أمير المؤمنين أبا الأسود الدؤلي وعلمه العوامل والروابط، وحصر كلام العرب وحصر الحركات الإعرابية والبنائية، وكان أبو الأسود كيّساً فطناً فألّف ذلك، وإذا أشكل عليه شيء راجع أمير المؤمنين ورتّب وركب بعض التراكيب وأتى به إلى أمير المؤمنين فاستحسنه وقال: نعم ما نحوت أي قصدت فللتفأل بلفظ علي سمي هذا العلم نحوا).

عن الشيخ المفيد قُدِّس سره قوله: (إن أبا الأسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فرمى إليه رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالإسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره. فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين هذا كلام حسن فما تأمرني أن أصنع به فإنني زدت بإيقافي عليه؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إني سمعت في بلدكم هذا لحنا كثيراً فاحشاً فأحببت أن أرسم كتاباً من نظر فيه ميّز بين كلام العرب وكلام هؤلاء فابنِ عليه ذلك فقال أبو الأسود: وفقنا الله بك يا أمير المؤمنين للصواب). قال ابن جني في الخصائص (إن أمير المؤمنين هو البادي به، والمنبه عليه، والمشير إليه واكتفاء علي أبا الأسود إياه). وقال أبو حاتم السجستاني: (أخذ أبو الأسود النحو عن علي بن أبي طالب)، وقال الراغب في محاضرات الأدباء عن أبي الأسود: (وهو أول من نقّطَ المصحف، وأسسّ أساس النحو بإرشاد علي عليه السلام). والروايات التي نسبت النحو إلى أبي الاسود هي بالإجماع إلّا من شذّ ممن لايُعتدَّ به.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close