ايران ما بعد سليماني والمد الأفقي في العراق وشمال افريقيا

ايران ما بعد سليماني والمد الأفقي في العراق وشمال افريقيا

علي مهدي الاعرجي

إن البعد الإيراني وتغيرات المشهد السياسي لم يقف على منهج واحد لا يتسم بالمرونة و التغير. رغم ثباته لفترة طويلة على نهج كلاسيك موحد في العراق وكان بأشراف سليماني حيث يعتقد البعض مقتله ترك فراغ كبير على الساحة السياسية في المنطقة , واقع الأمر ان مقتل سليماني لم يضعف ايران كما هو ظاهر للجميع بل عمدت على تغيير اوراق التلاعب في ادارة الملفات الخارجية لها قبل مقتله بحوالي عام . وهذا محور اخر من محاور الفن السياسي في إدارة أزمات المنطقة. وجاء هذا بعيد ان بدأت ملامح التذمر العام من السياسة التقليدية المنتهجة من قبل تيار المحافظين بالظهور على السطح, بدا جلي للعالم بسط النفوذ والهيمنة من قبلها على الجانب الولائي وفرض سلطتها على انصارها و اعوانها من ممثلين نهج ادارة الملف الخارجي بطريقة كلاسيكية ثابتة في الدول صاحبة النفوذ الافقي و ابرزها العراق حيث كان القرار ايراني بشكل حتمي ,لا يخضع حتى الى نسبة مئوية في التفرد في القرارات المصيرية للبد , وهذا لا يقف على حد الفاعل الشيعي بل هو محط فرض و نفوذ على الفاعل السني والكردي . بعد مقتل سليماني نهجت ايران الى اعطاء فسحة من المجال في عمل ادارة جديدة يقع ضمن اطار اكثر مرونة ولربما يتسم بشكل يميل الى الديمقراطية المقيدة وغير المطلقة .هذا يتيح المساحة الأكبر لإيران في التعامل و التلاعب مع القرار الدولي ويبدي للجميع الرغبة في حسن النية لإعادة التواصل ومد سكك الحديد مع العالم لاسيما و بداية إنفراجات شبه ممكنة مع دول الخليج العربي, من الممكن ان تلعب قطر جانب كبير منها يعزوها السكنى في التعاملات الاقتصادية بين الإمارات و إيران و ايضا الانفراج شبه الخجول مع المملكة العربية السعودية حيث تصريحات سعيد زادة بقوله المحادثات مع المملكة تعتمد على جديتها اي ان ايران لها الرغبة و الاستعداد لفتح ورقة جديدة تخدمها في المستقبل القريب .ان التقارب الايراني الخليجي ضرورة ملحة لما ستقود اليه الصين في محور الحرير الجديد و مبادرة الحزام والطريق .ايران بلد يفهم كيفية رسم السياسات الاقتصادية و الخارجية له و الدليل خضوعه الى عقوبات دولية قد تصل الى نصف قرن و لا زال يحفر الارض من اجل عدم الانهيار و التراجع .بل و السعي نحو الخوض في مجال صناعة الاسلحة النووية .الانبثاق الجديد للسياسة الايرانية يعرب عن تغير جديد في المنطقة تستطيع من خلاله زيادة مساحة التدخل والنفوذ في المحيط العربي لا سيما و ايران تعاني من عقدة التهديد من الغرب لذلك تسعى الى زرع مستعمرات فكرية وعقائدية على مستوى افقي ,و يمكن لنا ان ندرك هذا من خلال ما جاء على لسان علي اكبر صالحي وزير خارجيتها الاسبق عن نفوذ وتواجد فيلق القدس في شمال افريقيا لكن ليس بالإطار الكلاسيكي القديم بل على أساس قوة ثقافية و اغاثية و سلف القول تواجدنا في ليبيا و تونس و مصر كان ثقافيا و انسانيا و لم يكن من خلال الدبابة كما هو الوضع الاستثنائي في سورية !! أي ان النهج القادم يختلف عن سابقاته وهذا اكيد سينتقل الى الجار والشريك العقائدي و الجغرافي العراق .
في المشهد السياسي للعراق تغير التدخل الايراني بشكل كبير وهذا لم يأتي صدفة بسبب قتل سليمان يبل هو استجابة الى ما طرحته الاطلاعات الايرانية في بعض وثائقها التي نشرت الى الاعلام على ان سليماني يهيمن على المشهد السياسي و هذا يجرح الشارع العراقي وكان لما حدث من حرق القنصلية الايرانية و ضرب مصالحها في الجنوب الشيعي و صيحات ايران بره بره الخ رسالة واضحة من تذمر الشارع العراقي الشيعي على وجه الخصوص من النفوذ في اتخاذ القرار لذلك تم الانتقال بالملف الى الاطلاعات بدل من فيلق القدس وبهذا التفرد و السلطوية لم تعد مباشرة كما هو الحال في السابق بل اتخذ شكل اخر ناعم سلسل يبدي للجميع ان الادارة الداخلية للبلد هي إدارة عراقية و ان القرار لم يعد كما هو السابق و الاعب الايراني ترك ادراجه الى الخلف و اتاح المجال للمنافس العراقي صاحب الولاء لها للتبارز مع الاصوات الصاعدة و التي تطالب بخروجها بشكل مطلق .واقع الامر هنا يمكن الإشارة إلى شقان في الملف العراقي الاول اتاحة الفرصة للصراع الداخلي باتخاذ التشتت في القرار و اللامركزية وبحدها تعتبر ظاهرة صحية في الفكر الديمقراطي إلا أنها تواجه صعوبات جمة في إتمام الملف الإداري .وهذا لم يأتي على هامش السيطرة بل جاء على اثر التراكمات السلبية للنهج السياسي المتبع من قبلهم و الذي قاد البلاد الى الهلاك مما دعى الناس للعزف عن التعامل مع الجانب الفعلي و كانت الخيبة الكبيرة في الاقبال على الانتخابات وهذا بحد ذاته أشعل فتيل أزمة تحالفات بين الاطراف المتنازعة على الكتلة الأكبر. من الصعوبة الوصول الى اتفاق سياسي عراقي مستقل لعدم وجود استقلالية اولا و ثانيا الصراعات في الميول حيث بعضهم يميل الى النفوذ العربي و الاخر يميل الى الشراكة الايرانية و من الصعب أن يوجد عامل مشترك بينهم إن لم يكن هناك قرار مباشر يجبرهم على الخضوع و الانصياع للأمر
الشق الاخر هو رسالة ايرانية الى المجتمع الدولي يؤكد فيه على فشل الادارة العراقية في تسلم زمام ملف العراق من غير أن يقع تأثير الراعي الابوي الخارجي للبلد و هذا بحد ذاته يعطي الشرعية للدول الخارجية التدخل في العراق بحجة عدم القدرة على خلق التوازنات وخوف من قيام صراع داخلي قد يصل الى الاقتتال بين اطياف الشعب و من باب اولى للحفاظ على مصالحها الخارجية لذا أجازت لنفسها التدخل بالرعاية المباشرة للملف السياسي و لابد من تواجد فاعل و لاعب خارجي اخر معها يعيد توازن القوى ويسمح لها بالسجال و المطاولة و ايضا يعطي الباب للأخر بالنفوذ في العراق لحماية مصالحهم . حيث بقاء الملف ايراني متفرد لا يخدمها و لربما يضعفها في جعل العراق ورقة سياسية كبيرة يمكنها من خلاله الحصول على مكاسب دولية في الملف النووي. فلابد من وجود أكثر من لاعب في الساحة من اجل اشعالها بما ترغب و متى ما تشاء .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close