لم يعد إلى البيت

لم يعد إلى البيت

 بغداد: مآب عامر
لو أن جنوداً قُتلوا في الحرب وتشوهت ملامحهم ولم يستدل على هوياتهم، فإن أحدهم سيُسمى الجندي المجهول وستكرمهم الأمة بأن تقيم لهم نصباً، لكن لو أن فرداً من أسرة ما خرج ولم يعد فإن وجعاً رهيباً ستعيشه أسرته أبداً، مخلوطاً بالأوهام والتخيلات وستكون الغصة أبدية كمن يحمل جرحاً نازفاً لا موت فيه.
العراق من أكثر بلدان العالم بأعداد الأشخاص المفقودين، إذ تقدّر اللجنة الدولية، التي تعمل بالشراكة مع الحكومة العراقية للمساعدة في استرداد المفقودين وتحديدهم، أن العدد قد يتراوح منذ عام 2016 إلى 2020 بين 250 ألفاً ومليون شخص.
سامر الذي لم يتجاوز عمره آنذاك 24 عاماً، خرج صباح 5 آذار من عام 2017، ولم يعد لمنزله حتى الآن، ولا تعرف أسرته وأقرباؤه ومعارفه شيئاً عنه، حتى بعد أن أبلغوا مراكز الشرطة والجهات الأمنية المختصة، ولكنهم لم يتمكنوا من فعل شيء سوى الانتظار.
الأمر لا يتعلق بأشخاص يتعرضون للاختفاء لأي ظرف كان، ولكن القضية أن العراق يعاني حقاً من الاختفاءات التي طالت مئات الآلاف وعبر أعوام امتدت أكثر من أربعة عقود، ولا توجد أي مسكنات لهذا الوجع ولا حتى استذكارات موازية للجنود المجهولين.
كان لاختفاء آلاف من الآباء والأبناء والإخوة مسببات عديدة في البلاد، منها القمع الذي كان يمارسه النظام السابق مروراً بالحرب العراقية الإيرانية ثم حرب الكويت والولايات المتحدة الأميركية، ثم الخلافات الطائفية والسياسية وحوادث التفجيرات الإرهابية وسيطرة (داعش) على بعض المدن العراقية ومعارك تحريرها، وصولاً إلى تظاهرات تشرين.
خمسة أعوام تقريباً ومعاناة أسرة سامر مستمرة، إزاء عدم قدرتهم على معرفة ما إذا كان ابنهم على قيد الحياة أم لا، وهي لا تختلف عن معاناة أمدها (40) عاماً قضتها أسرة في البحث عن ابنها الجندي المفقود عبد الأمير حاج جبار الجادري، الذي أعلن العام الماضي العثور على رفاته بعد أن جرفته السيول من إيران نحو بلدة تابعة لمحافظة ميسان جنوبي البلاد، وكذلك حال المغيبين
قسراً.
سامر لم يتمكن يوم الحادث المشؤوم من إيقاظ والدته لتعد له وجبة الفطور كعادتها لأنها كانت مصابة بوعكة صحية.. خرج من منزله متجهاً لعمله في منطقة السنك، حيث محل والده المتخصص ببيع الأدوات الاحتياطية للسيارات، جلس في داخله وهو يتفحص المكان ويعيد ترتيب أدواته، دقائق وإذا بمجموعة من المسلحين الملثمين، ويرتدون الملابس العسكرية، يقتحمون المحل ويقومون بتكسير كل ما فيه، ثم اقتياده إلى جهة ما زالت مجهولة.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close