گلگامش والحياة الأبدية

بقلم : عضيد جواد الخميسي

ملحمة گلگامش تعتبر من أكثر الأعمال الأدبية القديمة شعبية في تاريخنا المعاصر ، والتي أثرّت في عدد لا يُحصى من القرّاء .

لقد فقدت الملحمة الجزء الأكبر من تاريخها ، وذلك عندما سقطت الإمبراطورية الآشورية أمام تحالف البابليين والميديين عام 612 قبل الميلاد ، وقيامهم بسلب وإحراق المدن الآشورية ومن بينها مدينة “نينوى” .

كانت نينوى العاصمة العظيمة للدولة الآشورية التي أسسها الملك “آشور بانيبال “عام 668-627 قبل الميلاد . ومكتبته الضخمة كانت قد ضمّت نسخاً لأشهر الأعمال الأدبية والقواميس والمعاجم ، والوصفات الطبية ، والخرائط الهندسية ، والخطط الزراعية والإروائية ، وجميع مايتعلق بالحياة اليومية في مختلف مدن ومناطق بلاد الرافدين .

على الرغم من أن تلك الفعاليات والأنشطة المختلفة  قد دوّنت بالكتابة المسمارية على ألواح من الطين ؛ إلاّ أن الحرائق التي التهمت المكتبة لم يكن تأثيرها سيء ؛ سوى أنها عملت على شيّها . وعندما دُمرّت المباني التي كانت مخزّنة فيها ؛ بقيت مطمورة تحت أنقاضها لأكثر من ألفي عام حتى إعادة اكتشافها في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي .

في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ؛ بعثت المؤسسات الأوروبية الأثرية والمتاحف وبدعم من الحكومات والكيانات الدينية ؛علماء الآثار إلى بلاد الرافدين من أجل العثور على أدلة مادية منظورة من شأنها أن تثبت ما جاء في كتب التوراة من قصص وأحداث .

 كانت أسماء مواقع وملوك بلاد الرافدين مذكورة بشكل متكرر في كتب التوراة ؛ وبسبب ذلك فقد ساد الاعتقاد ؛ أن الحماس والجهد المتضافر في التنقيب سيثبت صحة تلك الروايات في النتيجة  . كان هذا مهماً بشكل خاص في ذلك الوقت عندما اكتسبت مؤلفات “داروين” الشهرة الكبيرة منذ ان نُشرت عام 1859م ؛ لأن الناس في أوروبا بدأوا يشككون في حقيقة ما جاءت به كتب الدين !.

غيّرت التنقيبات الأثرية في بلاد الرافدين خلال القرن التاسع عشر الميلادي  تاريخ العالم “حرفياً “. إذ أصبح من المفهوم والواضح الآن ؛ أن كتاب التوراة لم يكن أقدم كتب التأريخ ! ، وما وجده هؤلاء المنقبّون كان حقيقياً ، وهوعكس ما كانوا يتوقعونه في العثور على الدلائل الدينية التاريخية عند اكتشافهم مدن بلاد الرافدين القديمة .

عن طريق الصدفة أيضاً ، عثر العلماء على النصوص القديمة التي كُشفت ألغازها وأظهرت بوضوح ؛ أن بعض أشهر القصص في الكتاب المقدّس (الخليقة والطوفان ) هي أحداث قديمة جاءت في الأساطير السومرية والبابلية والآشورية ، وأن الحضارات القديمة قد ازدهرت لآلاف السنين قبل التاريخ التوراتي من بدء الخليقة .

كانت من بين تلك المُكتشفات “ملحمة گلگامش “، والمُعتقد منذ فترة طويلة أنها من تأليف الأديب اليوناني الملحمي “هوميروس ” (القرن الثامن قبل الميلاد) ، لكن تبين فيما بعد أنها كانت ابداعاً أدبياً رافديني الأصل .

أُكتشف المستشرق وعالم الآثار الإنگليزي “أوستن هنري لايارد” ملحمة گلگامش عام 1849 م ؛ والذي عثر على النسخة الكاملة في اللغة الأكدية ، والمؤلفة من اثني عشر لوحاً طينياً تحت أنقاض مكتبة آشور بانيبال القديمة .

تُنسب الألواح الإحدى عشرة الأولى الى النسخة المعروفة من الملحمة ، بينما كان اللوح الثاني عشر منها يتحدث لنا عن قصيدة سومرية قديمة عنوانها ” بلگامس والعالم الآخر ” . و بلگامس هو الاسم الثاني لـ ” گلگامش ” ، وبما أن هذا اللوح تتناقض مضامينه مع القصة التي وردت في الألواح الإحدى عشر ؛ تقرر أن لا يُعتبر مكمّلاً لأصل الملحمة .

أيّاً كان الأمر؛ فإن المحتوى مع أو بدون اللوح الثاني عشر؛ تعد ملحمة گلگامش إنجازاً أدبياً مذهلاً على مرّ العصور ، وأنها لا تزال من أكثر الكتب مبيعاً في العالم . وعند ذلك يمكننا القول ؛ ان بطل الملحمة قد نال الخلود الذي سعى إليه عبر قصته .

أصل القصة

كانت ملحمة گلگامش في الأصل قصيدة سومرية قديمة تُرجمت فيما بعد إلى الأكدية . ويُعتقد إنها كُتبت لأول مرة للفترة مابين عام 2800 ـ 2500 قبل الميلاد ، باعتبار أن گلگامش كان ملكاً على أوروك ، وعليه فإن الملحمة قد أُسندت إليه .

كانت القصيدة تُعرف في الأصل تحت عنوان ” شا ـ نقبا ـ إمرو Sha-Naqba-imru ” (من رأى الأعماق) ، أو بعنوان آخر ، ” شوتورـ إيلاي ـ شام Shutur-eli-sham ” (المتفوق على جميع الملوك الآخرين) .

 تم تطوير شخصية گلگامش في الأعمال الأدبية السومرية السابقة كبطل عظيم ونصف إله . كما وصِف گلگامش بأنه المحارب العظيم شقيق الإلهة إنانا ؛ ولكن من خلال الملحمة تجسّد كفاحه البشري ضد فكرتي الموت والخسارة .

الكاتب البابلي ومؤلف الملحمة “شين ليقي أونينني “(عام 1300 ـ 1000 قبل الميلاد)، وترجمة اسمه بمعنى (إله القمر تقبلَّ دعواتي) ، والذي تم الاستشهاد به كأول أديب في التاريخ من وجهة نظر العالم الغربي ؛ على الرغم من أن هذا الشرف قد مُنح بحق إلى الأديبة السومرية الفذّة ” إنهيدوانا” (عام 2285-2250  ق.م )  ابنة الملك ” سرجون الأكدي ” .

أشار العالم والخبير الآثاري “صموئيل نوح كريمر” في كتابه ( التاريخ يبدأ في سومر ) إلى أن :

“شين ليقي أونيني قام بأكثر من مجرّد ترجمة ونسخ عمل أدبي سومري قديم ؛ عندما برع في تأليفه شيء جديد مختلف تماماً ومن مصادر قديمة ، وهذا (الشيء الجديد) كان ملحمة گلگامش ” ( ص270 ) .

أضافت العالمة الآثارية “ساندرز” في تقييمها للملحمة ” ذلك العمل الأدبي كان أفضل قصيدة ملحمية باقية منذ بدء الحضارة وحتى ظهور الإلياذة  “(ص 7).

بطل ملحمة گلگامش هو ملك أوروك النصف الأسطوري الذي وفقاً للملحمة ، قطع الأشجار الكبيرة في غابة من الأرز مع صديقه إنكيدو لبناء البوابات القوية للمدينة ، ومن ثم سافر بعيداً للعثور على سر الحياة الأبدية عند الرجل الصالح الحكيم ” أوتنابشتم ” . وبات من المقبول تماماً وحسب إجماع علماء الآثار والمؤرخين ، أن گلگامش كان الملك الخامس الذي حكم مدينة أوروك ، وكانت ولادته حوالي عام 2500 قبل الميلاد في أوروك .

ان الاكتشافات الأثرية للرسائل والنقوش التي دلّت على شخصيته الحقيقية وليست الاسطورية كما كان يُعتقد ، وخصوصاً تلك الوثائق الخاصة التي تتعلق بابنه ؛ قد أزالت الشكوك عن هذه الشخصية . وفي عام 2003 ميلادي ؛ أفاد فريق من علماء الآثار في عثوره على قبر گلگامش عند مجرى نهر الفرات القديم .

كانت منجزات هذا الملك عظيمة لدرجة تحوله من شخصية آدمية  إلى شخصية إلهية اسطورية مع مرور الزمن . ويقال أن والده كان الملك الكاهن ” لگوالباندا ” ، و والدته الإلهة “نينسون “(المعروفة أيضاً باسم “ريمات نينسون” ، الأم المقدسة والملكة العظيمة ، ومعنى اسمها ـ حظيرة البقرة البرّية ) ، وبالتالي جُعل منه نصف إله ونصف بشر ؛ كي يتحمّل الصبر والقوة الغير العاديين .

كان گلگامش قادراً على فعل الكثير من المفاخر الكبيرة ، ولكنه لم يتمكن من تحقيق رغبته الجامحة في قهر الموت والعيش إلى الأبد .

البحث عن الحياة الأبدية

حسبما جاء في الملحمة ؛كان الرجل الوحشي ” إنكيدو “هدية غير مألوفة من الآلهة ؛قد بُعث إلى الملك العظيم المتغطرس والقاسي (  گلگامش) ليتحدى به قوته ويعلمّه الخضوع .

إنكيدو المتوحش ورجل الغاب لا يعرف طريق الإنسانية وسُبل العيش . كانت حياته بلا هدف ، ولكن ” شمخات ” البغي و كاهنة المعبد قد هذبته وعلمته معنى الحياة ، فأصبح يعشق إنسانيته . وتم إحضاره إلى أوروك ليتحدى گلگامش كما رُسم له .

بعد أن تقاتلا؛ تفوّق إنكيدو على گلگامش ؛ إلاّ أنهما قطعا العهد في أن يكونا صديقين إلى الأبد ، ومن ثم تتبنى نينسون والدة گلگامش ؛ (إنكيدو) ليصبح ابنها .

بعد معركة غابة الأرز التي هزما فيها الوحش الرهيب ” همبابا “، وقتلهما “ثور السماء”  ( زوج شقيقة الإلهة إنانا) الذي أُعتبر مقتله إهانة بحق إنانا وشقيقتها ” إرشيكيگال “؛ أصدر مجلس الآلهة مرسوماً بموت إنكيدو انتقاماً لهمبابا وثور السماء؛ مدعياً بمقتلهما ( يجب على شخص ما من دفع الثمن) . بموت إنكيدو أدرك گلگامش أنه سيموت أيضاً ، وتلك المعرفة  كانت تقضّ مضجعه .

صرخ گلگامش :

“كيف أشعر بالراحة؟ . كيف أعيش في سلام؟ .اليأس دبّ في قلبي . مصير أخي الآن هو مصيري عندما أموت . طالما أنا خائف من الموت ؛ سأبذل قصارى جهدي في العثور على أوتنابشتم  الذين يسمونه القديم ؛ لأنه دخل مجلس الآلهة.” (ساندرز ، ص97).

بعد رحلة عبر أرض الظلام ومياه الموت ، وجد گلگامش الإنسان القديم “أوتنابشتم” ؛الإنسان الوحيد الذي نجا من الطوفان الكبير الذي نال بعده الحياة الأبدية .

روى أوتنابشتم لگلگامش قصة تحذير الإله ” إيا ” له من الطوفان القادم ، وكيف اتبع أوامره في بناء فلك يضع على ظهره حيوانات متنوعة ؛ كي ينقذ نفسه وعائلته من الموت ؛ ويحمي البشر من خطر الانقراض . ثم أخبره أنه سينال الخلود في حال استطاع الملك العظيم أن يبقى مستيقظاً دون نوم  للأيام الستة القادمة.

 فشل گلگامش في ذلك ، وفشل في محاولته التالية لجلب العشبة السحرية التي تجعله شاباً مرة أخرى ؛ لأن الثعبان قد أكل العشبة عندما كان گلگامش غاطّاً في نومه (مما يُفسّر لماذا تتخلص الثعابين من جلودها) .  فقد كان هذا السبب في خسارته الحياة الأبدية .

أُعيد گلگامش بقارب  نهري إلى أوروك ، وبمجرد عودته إلى منزله كتب قصة رحلته  .

كتب المؤرخ” براندن نيگل ” وجهة نظره في التعليق التالي :

” يمكن اعتبار هذه الملحمة الرائعة التي تعاملت مع مشاكل إنسانية غير منتهية مثل؛ المرض ، الشيخوخة ،  الموت ، الشهرة ، العاطفة ، وغيرها ، والتي لا يمكن تحدّيها ؛ مع انها كانت جزءاً من الصراع الدائم في حياة شعوب بلاد الرافدين التي تركت لنفسها بصمة واضحة بين شعوب الأرض قاطبة .” (ص 16 )

مهما كانت الحقيقة ؛ فإن الملحمة في جوهرها كانت النضال الأبدي للإنسان كي يجد مكانه في تلك الحياة . كتبت ساندرز معلقة :

” إذا لم يكن گلگامش هو أول بطل ملحمي ، فهو أول شخصية مأساوية يُعرف عنها كل شيء تقريباً. لكنه في نفس الوقت الأكثر تعاطفاً معنا ، والأكثر مثالية للإنسان المتفرّد في بحثه عن الحياة وقيمها ” . (ص7)

ربما فشل گلگامش في سعيه إلى الخلود في الملحمة ، ولا يُعرف عنه كملك على أوروك ؛ إلاّ من خلال عدد من النصوص والنقوش التي عُثر عليها في الآونة الأخيرة  . لكنه عاش إلى الأبد من خلال الكاتب والأديب “شين ليقي أونيني” الذي كتب حكاية گلگامش المنقولة شفهياً وترجم قصته إلى البابلية لتنتقل من جيل إلى آخر بمشاركة عدد من الكتّاب الآخرين الذين لا يُعرف لهم اسماً الى الآن .

ينسب هؤلاء الكتّاب المصدر الأصلي للقصة إلى گلگامش نفسه ؛ الذي يُعتقد أنه نقش أعماله ومغامراته العظيمة على حجر ضخم عند أبواب مدينة أوروك .

كتبت عالمة الآثار “گويندولين ليك” ، التعليق التالي :

” أصبح گلگامش خالداً لدوره الكبير في رفع شأن مدينته من خلال توظيف الاختراع الثقافي المذهل للمدينة ألا وهو [الكتابة ]” ( ص 56).

من خلال الكلمة المكتوبة ؛ كانت قصة  گلگامش وكبريائه ، وحزنه لفقدان صديقه الحميم ، وخوفه من الموت والسعي إلى الحياة الأبدية ؛ فإن الملك العظيم وعند النهاية تغلّب على الموت بخلوده في كل قراءة من ملحمته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جيرمي بلاك ـ أدب سومر القديم ـ جامعة اكسفورد للطباعة ـ 2006 .

گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين : اختراع المدينة ـ بينجن للكتاب ـ 2003 .

ستيفاني دالي ـ أساطير بلاد الرافدين ـ جامعة اكسفورد للطباعة ـ 2009 .

صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ من سومر ـ جامعة بنسلفانيا للطباعة والنشر ـ 1988 .

أن . كي .ساندرز ـ ملحمة  گلگامش ـ بينجن كلاسيكس للنشر ـ 1960.

براندون نيگل ـ العالم القديم ـ بيرسون للنشر ـ 2009 .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close