توصيف الأزمة الاقتصادية في العراق

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

نلاحظ في العشرة سنوات الأخيرة وبالتحديد منذ العام 2012  وخصوصا بعد استقالة الدكتور المرحوم سنان الشبيبي من إدارة البنك المركزي العراقي بسبب رفضه اقراض الحكومة العراقية خمسة مليارات دولار أمريكي من احتياطي البنك المركزي ملتزما بقانون البنك المركزي الذي يحظر الإقراض الا في حالة الطوارئ القصوى. ويلاحظ في الفترة الزمنية الموضوعة البحث  ضعف عمل البنك المركزي العراقي الذي من المفروض أن يكون كما تقول المقولة الاقتصادية  بأن البنك المركزي هو بنك البنوك وذلك من النظر الى عدم سيطرته على :

حملة صعبة

– عمليات تحويل العملة  الصعبة وغسيل الأموال التي تقوم بها شركات الاستيراد والتصدير والبنوك التابعة الى القطاع الخاص والأحزاب السياسية

– فرض سعر صرف ثابت للدينار العراقي

– كبح جماح التضخم من خلال تثبيت نسبة تضخم لا تتجاوز سنويا 2.5%  كما هو الحال في الدول المتقدمة مثل مملكة النرويج والتحكم في سعر الفائدة حتى تتلائم وتحقق المرجو من الأهداف التي ترسمها  وتحددها متطلبات خطط التنمية الاقتصادية والاصلاح الاقتصادي

– عدم وجود مديرية للتحويل الخارجي من أجل السيطرة على تهريب العملة الصعبة الى الخارج، كما كانت سابقا تقوم بها هذه المديرية وكما هو موجود في الكثير من دول العالم.

– نافذة بيع العملات  الصعبة في البنك المركزي العراقي.

أزمة اقتصادية في ظل جائحة كورونا

ومن  تحليل المؤشرات الاقتصادية  في الجدول  رقم 1يمكن  القول:  أن أزمة اقتصادية في ظل هذه المؤشرات توجد في العراق . فمن معدل سلبي لنمو الناتج المحلي الاجمالي(-10.9 ) الى معدل بطالة وصل الى مايقارب 14% ومعدل تضخم 8.4 %  وحساب جار سالب قدره(-62.17) ونسبة الحساب الجاري الى الناتج المحلي الاجمالي (-12.6) ونسبة الميزانيات الحكومية  من الناتج المحلي الاجمالي بلغت  (17,5-)  وهذه البيانات تعكس كارثة  حقيقة تطور الاقتصاد الوطني العراقي السلبي(1).

جدول رقم 1: المؤشرات الاقتصادية  في العراق

المصدر:  العراق – المؤشرات الاقتصادية:

Trading Economics 2022

وكما هو واضح من الجدول رقم 1 أن التضخم بلغ  8.4 % وهذا حدث نتيجة الأسباب التالية: الاستيراد وارتفاع سعر صرف الدولار أمام العملة المحلية. وهذا الذي أكدت عليه وزارة التخطيط العراقية وكذلك الجهاز المركزي للإحصاء اللذين قد أعلنا عن ذلك على لسان المتحدث الرسمي باسم  وزارة التخطيط  العراقية  عبد الحسين الهنداوي بأن ارتفاع التضخم السنوي في العراق يرجع الى أسباب خارجية وداخلية. واضاف الهنداوي ان “مؤشرات التضخم في العراق كمنظومة اقتصادية جزء من المنظومة الاقتصادية العالمية وخصوصا ان الكثير من المواد سواء أكانت انشائية او استهلاكية مستوردة، وبالنتيجة شهدت ارتفاعا بالأسعار بمعدلاتها العامة وخاصة الغذائية المستوردة”. وكذلك “كثرة الطلب الاستهلاكي على مختلف المواد الاستهلاكية والانشائية ووجود كتلة نقدية كبيرة تتحرك داخل السوق العراقية يضاف الى ارتفاع قيمة الدولار وانخفاض قيمة الدينار بالأساس ، اسهمت  جميعها الى ارتفاع نسب التضخم.

تأثير جائحة كورونا على أطفال العراق

ويمكن تلخيص تأثير جائحة كورونا على الوضع المعاشي والاقتصادي في العراق بالنقاط التالية(2):

– انتقل حوالي 4.5 مليون عراقي (11.7% من مجموع سكان العراق) إلى ما دون خط الفقر. وتسريح  الكثير من العمال من قبل أرباب العمل مع ارتفاع  الأسعار في كافة مجالات الحياة وبالأخص أسعار المواد الضرورية للمعيشة وفي مقدمتها أسعار المنتجات الغذائية،  صاحب ذلك ارتفاع معدل الفقر من 20% في 2018 العام إلى 31.7% في العام 2021.

– ان الأطفال هم الشريحة الأكبر من شرائح المجتمع العراقي تأثراً بالأزمة. فحينما كان طفل واحد من كل خمسة أطفال يعاني من الفقر قبل الأزمة، فإن النسبة قد تضاعفت تقريباً إلى طفلين من أصل خمسة أطفال أي (37.9% من مجموع أطفال العراق)  مقارنة مع بداية الأزمة.

– إن 42% من سكان العراق يصنفون على أنهم من الفئات الهشة، إذ  أنهم محرومين من  خدمات : التعليم، والصحة، ويعانون من الظروف المعيشية الصعبة. إن انقطاع الخدمات وتكيف العوائل الفقيرة من العيش في ضنك بسبب انخفاض الدخل  الذي من شأنه أن يزيد الحرمان من سبل الرفاهية، وزيادة التفاوت الطبقي ولا سيما بين الأطفال.

– هناك طفل واحد من بين كل اثنين  (أي 48.8%) معرض للمعاناة من الحرمان في  الالتحاق بالمدارس، والحصول على مصادر المياه المحسنة،  التي هي من العوامل الرئيسة التي تساهم في هشاشة الأسر والأطفال.

– إن توسيع نطاق الحماية الاجتماعية وتعزيز الوصول المتكافئ إلى الخدمات الاجتماعية ذات النوعية الجيدة، مع التركيز على التعليم، والصحة، وحماية الطفل، هي توجهات سياسة مركزية للاستجابة للازمات الناجمة عن جائحة كورونا.  وكذلك لابد من استجابة سريعة لحماية الأطفال من الفقر، ومنع استخدامهم وتشغيلهم في الأعمال الصعبة التي لاتليق بهم بسبب ضعف بدنهم ، وتعرضهم لسوء التغذية، وارتفاع وفيات الأطفال، مع تصاعد العنف ضدهم في المجتمع العراقي.

– وتشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق إلى أنه خلال الفترة بين العامين 2018 و2019 تم تسجيل 131438 طفلاً اضطروا لترك الدراسة بسبب الفقر المدقع  والعمل  في إعالة عوائلهم(4).ومن جانب آخر فإن نسبة الفقر في العراق بلغت نحو 30% خلال العام 2020 أي أكثر من 12 مليون عراقي هم تحت خط الفقر حسب احصائيات الجهاز المركزي للاحصاءٍ.

ويرجع السبب في ذلك هو انحسار النشاط الاقتصادي في العراق في ظل جائحة كورونا وخاصة في القطاع الخاص.

وتوجد نسبة كبيرة من العراقيين يعتمدون في عملهم على القطاع الخاص، وبالتالي انخفضت مستويات المعيشة لعدد غير قليل من العراقيين” حسب  تصريح المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط العراقي عبد الحسين الهنداوي، الذي أضاف أن “عدد الذين أصبحوا تحت خط الفقر بسبب هذه الأزمة وما رافقتها من تداعيات وصل الى مليونين و700 الف عراقي ، يضافون الى عدد العراقيين السابقين تحت خط الفقر والذي يبلغ عددهم 9 ملايين و900 الف”. وأضاف الهنداوي أن “هذه المؤشرات تم التوصل اليها من خلال دراسة أجرتها وزارة التخطيط بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة اليونسيف في شهر تموز الماضي”، مردفاً أنه “وبعد عودة الحياة بشكل تدريجي الى طبيعتها ومعاودة الكثير من الاعمال أنشطتها فالمؤشرات الاولية تقول إن هذه النسب تراجعت”(3).

نسب الفقر

وبشأن نسب الفقر في المحافظات، أشار المتحدث باسم وزارة التخطيط إلى أن “مستويات الفقر على صعيد المحافظات ترتفع في المناطق الجنوبية بنسبة تصل الى 30-35% وفي محافظات الوسط تقترب من 20% وفي بغداد تصل الى حوالي 13% وفي اقليم كوردستان تصل الى حوالي 12%. وبحسب تقرير لمنظمة يونيسيف التابعة للأمم المتحدة فإن أكثر من 40% من أطفال العراق تحت خط الفقر، ومضطرون للقيام بأعمال شاقة ومنهكة في سن مبكرة وأغلبهم منقطع عن الدراسة.

وحول اجراءات الوزارة للاسهام بمعالجة الفقر في العراق، ذكر الهنداوي أن “وزارة التخطيط وبحكم انها معنية بوضع السياسيات الستراتيجية والخطط لقضايا التنمية الاقتصادية -الاجتماعيةى المختلفة، فقد اطلقت في وقت سابق ستراتيجية وطنية لخفض الفقر في العراق تضمنت مجموعة من السياسات والاجراءات، بهدف دعم الشرائح الهشة في المجتمع وأيضاً لدى الوزارة خطة التنمية الخمسية 2018-2022 وهي تتضمن مجموعة من الاجراءات التي من شأنها أيضاً أن تدعم الفئات الهشة في المجتمع وفي مقدمتهم الفقراء”.

هنداوي بيّن أنه “في موازنة 2021 تم تضمينها تخصيصات اضافية لشبكة الحماية الاجتماعية وزيادة مستويات الرواتب الممنوحة لهؤلاء المستفيدين، بنحو يدعمهم ويساعدهم في مواجهة هذه الظروف الصعبة التي يواجهونها”.

وتعتبر “تجربة الصندوق الاجتماعي ” التي قامت بها وزارة التخطيط العراقية في العام 2021هي واحدة من اجراءات الوزارة في دعم الشرائح الهشة في المجتمع العراقي، حيث تم في المرحلة الاولى شمول 3 محافـــــــظات هي المثنى في الجنوب بوصفها الاكثر فقراً، ومحافـــــــظة صلاح الدين بوصفها تعرضت الى اضرار كبيرة جراء الحرب ضد تنظيم داعش، ومحافـــــــظة دهوك في اقليم كوردستان بوصفــــها المحافظــــــــــة التي استــــــقبلت موجات كبيرة من النـــــــــازحين مـــــــا أدى الى تأثر البنى التحــــــتية فيها بهــــــذه الموجــــــات”.

وشملت التجربة في المرحلة الأولى 29 قرية في هذه المحافظات بواقع 9 في المثنى و10 في صلاح الدين و10 في دهوك، واستفاد من المشاريع الخدمية فيها، المتمثلة بمشاريع الماء والكهرباء والمدارس ومنح قروض، نحو 60 الف مواطن من خلال 62 مشروعاً، وبالتالي وفرت نحو 1000 فرصة عمل لأبناء هذه المناطق، أما الان فنحن في المرحلة الثانية من الصندوق والتي ستشمل مجموعة من المحافظات”(3). وبشأن نسبة الفقر في إقليم كوردستان، قال الهنداوي إنها “تصل الى نحو 12% بعد ان كانت منخفضة بنحو 4% لكنها ارتفعت بسبب الظروف المتمثلة بجائحة كورونا والازمة الاقتصادية وتداعيات داعش”.

ومن ظواهر الفساد الاقتصادي والاداري هو :عدم السيطرة على المنافذ الحدودية في جميع أنحاء العراق والتي هي تابعة للأحزاب السياسية من حيث الواقع.

وأدت العوامل الانفة الذكر أعلاه بمسخ العلاقات الاجتماعية وانحدارها الى الحضيض بسبب الفساد السياسي والاداري  في البلد وهذا الذي سوف نتناوله في المقالة القادمة.

مصادر المقالة:

–  المؤشرات الاقتصادية للعراق (Trading Economics 2022).

– منظمة اليونيسف العراق، البنك الدولي، مبادرة أكسفورد للفقروالتنمية البشرية ووزارة التخطيط في العراق، تموز/يوليو 2020.

– وزارة التخطيط العراقية، “تجربة الصندوق الاجتماعي” ، 2021.

– إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق في الفترة بين العامين 2018 و2019.

{ استاذ دكتور

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close