صراع المواقع وغفلة بناء الدولة   

                                    الحقيقة أن ما شهدناه على مدى السنوات التاسعة عشرة الماضية في العراق  من إصرار على بقاءه كدولة ضعيفة برمتها ” لا ان تكون بمؤسسة إدارية سياسية كبيرة ذات صبغة مدنية؛ وليست سلطة ذات طابع عسكري يديرها رجال المؤسسة العسكرية الكبار كما هو الحال في العديد من بلدان العالم، والمواجهة بين شخوص العملية السياسية في العراق يعتبرتناقضًا مستعصيًا ، ناجم عن عدم توافق آراء هؤلاء الناس ، وتباعد مصالحهم ، وتباين الأهداف والاحتياجات و يعتبر هذا النوع الموصوف من المواجهة هو الأكثر شيوعاً. يتجلى في ظروف مختلفة بشكل مختلف. لذلك ، يمكن إثارة المواجهة الشخصية من خلال الصراع على الموارد، مما تجعل  هذه المرحلة هي الحلقة الأضعف في سلسلة شكل الدولة  ومحطات بنائها الحديث يعتمد على كيان واسع الطيف يتركب من مجموعة من الأجهزة الإدارية أو الوزارات تعمل وتنشط لممارسة جملة من الوظائف ذات الطابع المدني أو السياسي أو المختلط ، يتولى تنظيم تشريعاتها السلطة التشريعية وتعمل السلطة التنفيذية على تفعيلها بموجب اللوائح القانونية بينما تحمي السلطة القضائية تطبيقاتها وتحافظ عليها من العبث والاعتداء من قبل الجهلة والعابثين مما يتطلب وضوحا وجلاء كبير الاستحقاقات هذه المرحلة والتي يؤكدها علم تخطيط وبناء القيم والهوية، بحتمية إنجاز مشروع لبناء الهوية الوطنية الواحدة والجامعة لكافة مكونات المجتمع كأساس وخطوة أولى في بناء الدولة الحديثة” وأن هذا البلد يتعرض إلى عملية مخاض كبرى والعديد من التحديات الجسام التي تعترض طريقه بشكل طبيعي وتلقائي بحكم طبيعة المخاض والتحول الذي أراد له الغير لتفكيك وحدته المجتمعية ، يأتي في مقدمتها تحدي التفكك العرقي والمذهبي والذي يفكك ويقسم الدولة إلى طوائف دينية وسياسية تجعل من المجتمع مجموعة من الجزر المنعزلة متعددة البواصل الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والتي تتقاطع في أهدافها وتطلعاتها وطموحاتها السياسية.

الدولة المدنية الصالحة هي تلك التي تنحصر مهامها في إتاحة امكانية الحصول على الحقوق والحريات العامة والخاصة لجميع المواطنين مقابل إنجاز وظائفهم المكلفين بها اتجاه بعضهم البعض واتجاه نظام الدولة العام بدل استقواء القوى السياسية بقوة خارجية كانت لها اليد السلبية خلال هذه السنوات ولها باع طويل في المساهمة في هدم الصالح واثارة النعرات الطائفية  بكل قوة ودعم المجموعات الإرهابية في السيطرة على مساحات واسعة من أرضه لاشغاله عن البناء لتجعله خاضعاً لسياسات تلك الدول ، و ان يعيش  بسلسلة من التوترات والحروب الأهلية  التي يفجرها تنافس مقيت على تقاسم النفوذ بين قواه السياسية في الوقت الحالي،وتغذيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، ما جعل التاريخ نفسه موضع نزاع ومستقبل الوطن رهناً بتوازنات خارجية بالدرجة الأولى.

ليس غريباً في تمتين العلاقات  بين الدول، خاصة في المناطق التي تشكو من عدم الاستقرار، كالشرق الأوسط، ومع دولة كالعراق، لم تكن تتروي حكوماتها طويلاً قبل اعتماد سياسات متشنجة، والدخول في صراعات السياسيات المنفلتة والغير مستقرة في جميع الجوانب، مما يجعل الدول المجاورة على  التفكير في أمنها القومي، الذي ترى أبعاده في ضعف العراق وإبقائه مشغولاً بجراحاته الذي سوف يؤثر على الأوضاع الداخلية لها ويبقى حدودها غير آمن. ان التوجهات المتعلقة بالسلطة والمال والسلاح يمكن تحقيقها بجهد معين، لكن ليس بالجهد نفسه يمكن الحفاظ عليها كإنجاز ضيق أو كمحصول لا بد أن ينتهي يوماً ما أو أن تتقاطع المصالح حولها فتقع الخلافات لتبدأ الصراعات بشتى أنواعها من دون أن تستبعد أسوأ ما فيها وهو شكل المواجهات العنيفة، ولا يظن أحد أن هناك خط رجعة عن هذه الخلافات بخاصة إذا انتقلت إلى صراعات، وهي الآن كذلك، لكن القصد أن هناك خشية جدية من أنها تتطور نحو حرق اليابس والأخضر فتنعكس على أمن العراق وشعبه واستقراره  ومفهوم الدولة الحديثة ويعني أن السلطة مصدرها المجتمع، الأمر الذي يعني أنه من حق الأمة أو الشعب أن يتخذ التدابير الأكثر ضمانة بهذه الحالة في تحقيق مصالحه وحمايتها، وتجفيف منابع الاستبداد وتفكيكه، وتقليم أظافر السلطات حتى يأمن تغولها.. مظاهر ضعف الدولة، ما يلهب حالة الصراع وربما يصل به إلى الاقتتال الداخلي وأن هذه الصراعات الداخلية لها كلفة واقعية وكبيرة على واقع التنمية بشكل خاص والذي يبدأ ناعما وينتهي صلبا ليدمر مقدرات المجتمع فتضيع فرصة ولادة وبناء الدولة الجديدة الحديثة و يتجلى في تفشي الفساد في أوصالها على نطاق واسع، وتفكك نخبها السياسية، وتوظيف آليات غريبة لتحقيق المنافع، والتخلي في أحيان كثيرة عن الدستور، والرجوع إلى التوافقات بين زعماء الكتل السياسية، بديلاً عن الالتزام به. أما على المستوى التنفيذي، في تقييد أيدي رئيسها بسبب قوة بعض النخب خارجها، لا يقتصر على التدخل في صناعة القرارات، بل يتجاوز ذلك إلى إضعاف قدرات الدولة وأجهزتها الأمنية،

عبد الخالق الفلاح

 

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close