شارع الأميرات.. عطرٌ ورونقٌ مسلوب

شارع الأميرات.. عطرٌ ورونقٌ مسلوب

 عبد الجبار العتابي
 لم يبقَ من (شارع الاميرات) سوى الاسم الذي ما عاد يتردد كثيرا بتلك الأبَّهة التي كان عليها، وإن ذكرَ في مكان ما فلن يوحي بكونهِ بغدادياً او عراقياً حتى، فقد أصبح صاخبا في نهاراته ولياليه. وربما اجزم أن الأقدام التي تمشي على أرصفته في يوم أكثر من الاقدام التي مشت على الأرصفة ذاتها منذ نشوئه، فكل شيء فيه تغير وتحول الى شارع تجاري صاخب، فضلا عن عدم النظافة التي هي أبرز ملامحه وتشعره مكفهرا من أثر الأسى الذي ناله، والطريق ممرٌ سهل للعبور الى الجهة الاخرى، تفاديا للزحامات في شوارع المنصور القريبة منه، بينما الناس يشكون من تشوهات طرأت عليه، بل سمعت أن ما حدث للشارع أصاب عيون الاميرات بالرمد!
تعبيرٌ قاسٍ جدا، أذكره وأنا أمشي فيه، معاينا تفاصيله التي لم يعجبني منها شيء، وكنت استوقف خطواتي لأعاين المكان واستذكره انه الآن يشبه اي شارع محطّم خانته الازمنة وتركته نهبا للمتغيرات، وحين بحثت وسألت قيل لي إن (هيئة الاستثمار منحت قصر الاميرات الى مستثمر حوله الى مطعم)، بيد أنني سمعت هناك أن العديد من بيوتها بيعت وهجرها أهلها بعد العام 2003 .
شارع الاميرتين
لم تكن مدينة المنصور في الاربعينيات من القرن الماضي الا مساحات خضر تتخللها السواقي، التي تأخذ مياهها من نهر (الخر)، الذي يقع خلف القصر الملكي في الحارثية، ولكن مع خطط توسيع مدينة بغداد، مطلع الخمسينيات، كان قرار استحداث محلة كبيرة في هذا المكان الذي افتتح فيه سنة 1952 ملعب سباقات الخيل (ريسز المنصور)، وكان الأكثر شهرة آنذاك، وكان تابعا لشركة المنصور التي تولت ببيع قطع الاراضي السكنية، ومع بدء النشاط عام 1954 اشترى الوصي على عرش العراق عبد الاله بن علي قطعتي ارض متقابلتين لسكن شقيقتيه لقرب المكان من القصر، الذي تسكنه الأسرة المالكة (قصر الرحاب)، وهما الاميرة بديعة (1920)، وهي زوجة (الراحل ) الشريف حسين بن علي، والاميرة جليلة (1922 – 1955) زوجة ابن خالها الشريف حازم بن سالم بن عبدالله، وتم بناء دار كبيرة للاميرة بديعة وقد تولى الدكتور محمد مكية، المعماري المشهور عندما كان يعمل في مجال المقاولات حينذاك، تنفيذ بناء الدار، وتولى التصميم المهندس نيازي فتو وأشرف على الكهرباء المهندس عبد القادر رانية الذي كان له دورٌ في انقاذ عائلة الاميرة بديعة في احداث 14 تموز 1958، وبنيت الداران، وهما أول المساكن التي بنيت في المنصور ، وهما ليستا قصرين حقيقيين كما كان يشاع، ويبدو أن مفردة (الاميرات) لا بدّ أن ترتبط بمفردة (قصر)، وانما سميت بذلك مجازا واصطلح اهل بغداد على تسميتها قصورا.
الأميرة جليلة
كان تمويل البناء والاثاث لبيت بديعة من أموال زوجها الشريف حسين، حيث استلم حصته من (قصر شبرى) في مدينة الطائف الذي تم بيعه للملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، عندما كان اميرا وتمَّ فرش هذا القصر من أسواق هارودز في لندن ومحال فنتر مولي في مصر، اما بيت الأميرة جليلة فقد كان بيتا بسيطا لا يختلف عن بيوت بغداد العادية، لأن زوجها لم يصرف شيئا على البيت، فقد كان معروفا بالبخل وعلى الرغم من أن ثمن أرض هاتين الدارين تمَّ دفعه من أموال الامير عبد الاله، فقد تمَّ تسجيل دار الاميرة بديعة في دائرة التسجيل العقاري باسم زوجها الشريف حسين، الذي طلب تسجيله باسمه كونه ليس من العائلة المالكة، وفي حالة حصول انقلاب على الملكية فإنَّ الدار لا تصادر لأن الشريف ليس من العائلة المالكة، لذلك عندما حصلت ثورة  14 تموز سنة 1958، تمت مصادرة المنقولات ولم تتم مصادرة الدار.
وسرعان ما قا مت البيوت على مساحات الأرض الخالية، وهي تتباهى بالمكان القريب من سكن الاميرتين، وقد كان تخطيط الشارع قائما وأخذ الناس يقيمون علاقات حب مع الشارع، الذي يربطونه بالاميرتين الهاشميتين، وكما يحكي الكاتب جبرا ابراهيم جبرا، الذي يرسم صورة له في بداياته: (قامت علاقة حب بيني وبين شارع الأميرات في حي المنصور، ما زلت أتمتع بنبضها وإيحاءاتها.. فقد كان هو الشارع الموازي للشارع الذي اخترت عام 1956 ان أشتري أرضا، لكي أبني فيها بيتا على قدر حاجتي العائلية)، واضاف: (.. كان الشارع مرصوفا رصفا بدائيا وتنتشر فيه الصرائف وتسرح فيه الأبقار والأغنام.. لكني وجدت في ما بعد أن بيوتا متباعدة أخذت تنهض على جانبيه بسرعة واشجار النخيل المتساوقة في خطين طويلين، قد نمت واكتملت على حافتي الرصيف العريضتين.).
شعبيَّة مكتسبة
يقع شارع الاميرات وسط المنصور، ضمن محلة رقم 601 / المنصور في الترقيم الجديد لأمانة بغداد، على مقربة من قصر الملك (قصر الرحاب)، فلا يفصل بين الدارين والقصر من جهة الشرق سوى نهر وجسر الخر، كما يحده معرض بغداد الدولي، طوله نحو كيلومتر واحد او أطول بقليل، يمتد من (شارع المنصور) الى (شارع بيروت) وهو موازٍ لـ (جامع الرحمن)، الذي بدأ العمل فيه عام 1999 المتوقف منذ عام 2000 ، وهو المكان السابق لموقع سباق الخيل (الريسز) من جهة الغرب، حيث هناك شارع موازٍ آخر، ضمَّ مداخل ساحة سباق الخيل ومداخل نادي المنصور.. وكان سباق الخيل يُقام في أيام الجمعة والأحد والأربعاء من كل أسبوع.. طبعا أيام الجمع كانت هي الأكثر ازدحاما, وتتنافس فيه أحسن الخيول!، بينما كانت (الطوايل) تضمُّ بالمناطق المحيطة بها دورا لسكن معظم مالكي الخيول.
وشارع الأميرات اكتسب شعبيته من اسم الأميرتين الهاشميتين الأميرة بديعة والأميرة جليلة ابنتي الملك علي، واشتهر الشارع باسم شارع الاميرتين او شارع الاميرات، كما شاع في المنصور وفي بغداد والعراق، وقد زاد من هذا الاسم شهرة، اي شارع الاميرات، حينما حرقت الاميرة جليلة نفسها في بيتها وازداد اسم شارع الاميرات شهرة بعد أن كان سبباً في خلاص الاميرة بديعة وعائلتها من الموت صبيحة 14 تموز 1958 يوم الاطاحة بالنظام الملكي واعلان الجمهورية، حيث تمَّ قتل جميع العائلة المالكة في القصر الملكي (قصر الرحاب)، اذ حصل الهجوم على هذا القصر وارتكاب المجزرة، وكانت الأميرة بديعة الناجية الوحيدة من العائلة المالكة، لكونها سكنت في بيتها في شارع الاميرات، ولم تكن في قصر الرحاب الملكي)، ويقال إنَّ تاجرَ إغنامٍ شهيراً اشترى بعد ثورة 14 تموز 1958 الدار الكبيرة وتحولت الدار الأخرى الى محل للمزاد العلني!.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close