الألغام.. إرث مرير في باطن أرض العراق يعيق الحياة والاقتصاد

1
اعتبرت مجلة “فورين بوليسي” الامريكية، يوم السبت، ان آلاف الالغام والقذائف غير المنفجرة في مختلف مناطق العراق، تعيق قدرته على استعادة عافيته الاقتصادية واعادة اعمار بنيته التحتية التي دمرتها سلسلة من الحروب والاحتلالات والنزاعات المسلحة خلال العقود الماضية.

وتحدثت المجلة في تقرير تحت عنوان “لا يزال الارث المرير للحرب مختبئا تحت الارض في العراق”، عن جهود نزع الالغام والقنابل في احد مناطق بيجي حيث جرى نزع نحو 700 عبوة ناسفة من حقل قاحل من جانب عمال منظمة “هالو تراست”، مشيرة الى ان “ذلك لا يشكل سوى جزءا بسيطا من عشرات ان لم يكن مئات الالاف من العبوات الناسفة التي زرعها تنظيم داعش في مختلف انحاء العراق”.

وفي اشارة الى حقل عبوات ناسفة استغرق تنظيفه عشرة اشهر بالقرب من مصفاة نفطية كبيرة في بيجي، قال رئيس فريق “هالو ترست” عمر حسام “زرعوا العبوات الناسفة كل ثلاثة الى خمسة امتار بعيدة من بعضها البعض..هناك العديد والكثير من المناطق بنفس الكثافة الموجودة هنا”.

ولفتت المجلة الامريكية الى ان هذه الاسلحة العشوائية بالاضافة الى القذائف غير المنفجرة وحقول الالغام من الحروب الماضية، جعلت العراق احد اكثر دول العالم انتشارا في العالم.

كما اشارت المجلة الى ان الحرب الايرانية العراقية، وحرب الخليج العام 1991، والغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، خلفت العديد من حقول الالغام القديمة والذخائر العنقودية غير المنفجرة منذ الثمانينيات، مضيفة ان هذه المشكلة تفاقمت بسبب الاستخدام غير المسبوق للعبوات المتفجرة اليدوية الصنع من قبل تنظيم داعش في مناطق الشمال، الى جانب عدد كبير من قذائف الهاون والمدفعية التي اطلقتها كل من القوات العسكرية سواء “الجهادية” او الحكومية.

وبعدما اشارت المجلة الى ان التهديد الكبير الذي تمثله هذه الالغام والعبوات على حياة السكان المدنيين وعلى استقرارهم، تابعت ان استمرار وجودها يعيق التنمية الاقتصادية وعودة اللاجئين، ويتسبب في عرقلة الوصول الى خدمات الصحة والتعليم والخدمات الاساسية الاخرى.

واوضحت ان اكثر من ربع هذا التلوث بالقنابل المتفجرة تم تسجيله في المناطق الزراعية في مختلف انحاء العراق، وهو ما يمنع المزارعين من الاستفادة من اراضيهم او كسب لقمة عيشهم. كما ان خمس هذه المواد غير المنفجرة، تم العثور عليها مزروعة في منشآت للبنى التحتية، وهو ما يعيق جهود اعادة الاعمار ومحاولات اعادة اطلاق عجلة الاقتصاد.

وبالاجمال، اشارت المجلة الى انه تم تسجيل ما مساحته حوالى 1700 كيلومتر مربع من الاراضي الملوثة بالمتفجرات حتى الان، وفقا لخدمة الامم المتحدة لمهمة نزع الالغام، مضيفة ان جزءا صغيرا من تلك الاراضي جرى مسحها حتى الان، لكن الحجم الحقيقي لذلك ليس معروفا ومن المرجح ان يكون اكبر من ذلك بكثير.

وتابعت المجلة ان العدد الاجمالي للضحايا ليس معروفا بشكل واضح، بالرغم من من ان تقديرات الباحثين تشير الى ان عدد القتلى يتخطى ال 10 الاف حالة وفاة ونحو 24 الف جريح خلال العقدين الماضيين.

واعتبرت ان الحجم الضخم لهذه الازمة يتخطى بكثير موارد المختصين بازالة الالغام حاليا.

ونقلت المجلة عن مدير برنامج “هالو تراست” جيف موينان، قوله ان “العراق يعتبر حالة فريدة من حيث انه يتضمن على مجموعة كاملة من هذا التلوث”.

دمر داعش حياة عتاب جلوي (33 سنة) وهي تعرف تماما معنى الرعب الذي تمثله هذه الاسلحة، ففي يناير/كانون الثاني العام 2015، قررت هي وعائلتها الهروب من احتلال داعش لبيجي، وخلال توجههم الى طريق وعرة وصحراوية لتجنب المسلحين، فاصطدمت سيارتهم بعبوة ناسفة ، مما اسفر عن مقتل اثنين من اطفالها الصغار.

وفي المستشفى، ابلغها الاطباء ان شظية مزقت عينيها، مما الحق اضرارا خطيرة بكل بشبكية العين والعصب البصري، واصبح بصرها ضبابيا بشكل متزايد حتى اختفى تماما. ولم تكن الاسرة الفقيرة قادرة على تحمل تكلفة العملية التي ستغير حياتها برغم ان الاطباء قالوا انه يمكن لها الحفاظ على بصرها.

ونقلت المجلة عن جلوي قولها “كان اطفالي يبكون كلما راوني. لم يقتربوا، ولم يتمكنوا من النظر الى وجهي. لا احد يستطيع ذلك”.

واشارت المجلة الى انه بعد طرد داعش من بيجي، عادت الاسرة الى مجتمعها المدمر، لكن بالنسبة لجلوي فانها تقول “لقد حرمت من رؤية اطفالي ووالديّ وبيتي. اريد فقط استعادة حياتي”.

وتابعت “دمر داعش حياتي، لقد دمروا مستقبلي”.

واوضحت المجلة ان الامر لم يقتصر على قيام داعش بزرع الالغام في الاراضي، فان الارهابيين قاموا بفعل من اعمال العبثية الطلقة لانهم حسروا الارض، حيث قاموا بتفخيخ البنية التحتية المدنية، كالمدارس والمنازل والمستشفيات، وحتى برطمانات الكبيس المخلل والهواتف المحمولة والعاب، والتي ما زال العديد منها لم ينفجر حتى يومنا هذا.

واشارت الى ان الاطفال الذين يميلون عادة الى حمل مخلفات المتفجرات واللعب بها، يشكلون نحو نصف عدد الضحايا المدنيين لهذه المتفجرات خلال العام الماضي، مضيفة ان بيجي تمثل اليوم الماساة الشرسة لحرب المدن.

ونقلت المجلة عن “مرصد الالغام الارضية والذخائر العنقودية” قوله انه “عندما يجري استنزاف الانظمة الطبية بسبب تكلفة رعاية ضحايا الالغام والمتفجرات من مخلفات الحرب، وعندما يتحتم على الدول ان تنفق الاموال على ازالة الالغام بدلا من دفع اكلاف التعليم، فانه من الواضح ان هذه الاسلحة لا تسبب معاناة بشرية مروعة فقط، بل انها تشكل ايضا عائقا مميتا امام التنمية واعادة الاعمار بعد الصراع”.

وذكرت انه برغم تزايد عدد الضحايا، فان تقليص المساعدات يستنزف خزائن الاموال المخصصة لازالة الالغام في العراق، موضحة انه عامي 2014 و 2015، ازداد التمويل الغربي لنزع الالغام والتوعية بالمخاطر ومساعدة الضحايا، باكثر من 40 % بعد صعود داعش، حيث ارتفع الملبغ من 36 مليون دولار الى ما يقرب من 52 مليون دولار.

ثم بلغت هذه المساعدات ذروتها في العام 2017 ووصلت الى 203 ملايين دولار، لكنها بدأت في الانكماش منذ ذلك الوقت، حيث انه وفق اخر التقديرات، فان المبلغ وصل الى ما يقرب من نصف هذا المبلغ.

ونقلت المجلة عن السفير الهولندي في العراق ميشيل رنتنار الذي تعد بلاده من بين الجهات الرئيسية المانحة للعمل ضد الالغام ، قوله “المساعدات للعراق اخذة في التناقص بشكل عام، وليس فقط من حيث ازالة الالغام. هناك امتناع عام عن الاستمرار في القيام بذلك لفترة طويلة”.

وبحسب المجلة، فان خبراء ازالة الالغام يشعرون بالقلق من ان بغداد لن تغطي الفجوة المتزايدة، مضيفة ان من بين مجموعات المساعدة التي تقوم بعمل مماثل في العراق، المجلس الدنماركي للاجئين، اللجنة الدولية للصليب الاحمر، المجموعة الاستشارية للالغام، وهي جميعها تشير الى تراجع التمويل.

ولفتت الى ان الحكومات الاجنبية تعتبر ازالة المتفجرات عملا مكلفا، ولهذا فان السياسيين الحريصين على ارضاء جمهورهم المحلي في الدول الغربية المانحة، قد يلجأون بدلا من ذلك الى اختيار تمويل مدرسة او مركز صحي او مشروع صرف صحي في الخارج، والذي يبدو كأنه مفيد بشكل مباشر واسرع اكثر من مشروع ازالة الالغام.

وقال السفير الهولندي ان من النقاط الرئيسية التي تجري المناقشة حولها مع السلطات العراقية مسألة تعزيز دورها في تمويل نزع الالغام، موضحا “المجتمع الدولي لن يمول الى ما لا نهاية، دولة تضخ مليار دولار من النفط من باطن أرضها كل اسبوع”.

كما نقلت عن السفير الامريكي في بغداد ماثيو تولر قوله “هناك انفاق اقل من جانب المانحين الاخرين وربما من الحكومة العراقية ايضا، وبالنسبة للولايات المتحدة، فاننا ما زلنا نعطي الاولوية بدرجة كبيرة للتعامل مع هذا التلوث في المناطق المحررة من داعش”.

وتحدثت المجلة عن جدل يدور يعتبر ان على واشنطن وحلفاءها تحمل مسؤولية تاريخية من اجل ازالة المتفجرات، اذ ان طائراتها الحربية القت هذه الاسلحة بكميات كبيرة على الموصل، عندما قصفت المدينة بمتوسط 500 قنبلة في الاسبوع في اذار / مارس العام 2017 .

كما ان الولايات المتحدة، بدأت حربا في العام 2003 ساعدت في ظهور التنظيمات المتطرفة، مما مهد الطريق للفوضى الحالية.

لكن السفير الامريكي ينفي ان يكون الشعور بالذنب هو الدافع وراء عملية التطهير من الالغام والمتفجرات، قائلا “نحن لا نجلس ونجري مناقشات حول الركام الذي خلفته الذخائر الامريكية التي شاركت في هزيمة داعش. نحن نقوم بذلك لان الجواب هو مساعدة العراق على الوقوف كدولة قوية ذات سيادة”.

وختمت المجلة بالاشارة الى ان عدم الاستقرار السياسي والروتين واندلاع العنف المتقطع تتسبب في تعقيد الاوضاع اكثر، بالاضاقة الى التحديات التقنية المتمثلة في التعامل مع عبوات ناسفة وافخاخ متفجرة في المناطق الحضرية.

ولفتت ايضا الى قضية اخرى هي ان السلطة الوطنية لمكافحة الالغام في العراق، تتعرض للتهميش لانها تقع ضمن صلاحيات وزارة الصحة التي تفتقر الى نفوذ الادارات الاخرى، مثل وزارة الداخلية او الدفاع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close