الكفاح من اجل التحرير والديمقراطية

د.ماجد احمد الزاملي

لتوضيح المفاهيم الأساسية المتعلقة بالكرامة من جهة والمقاومة من جهة أخرى، فيما يتعلق بمفهوم الكرامة الإنسانية، كانت هناك صعوبة في تحديد مفهوم الكرامة الإنسانية، حيث إن أغلبية المراجع كانت تأخذ هذا المفهوم بمعناه وفق القانون الدولي، من دون توضيح للأصل الفلسفي للمعنى، ولتحديد هذا المفهوم فإنَّ كلٍّ من المفكرَيْن “كانط” و”سارتر”، فكانط في كتابه “أسس ميتافيزيقيا الأخلاق”، يرى أن كرامة الإنسان تحقق بقدرته على تشريع القوانين، والخضوع لتلك القوانين خضوعًا حرًا، والقدرة على التشريع تأتي من امتلاك الإنسان إرادة حرة، هذه الإرادة الحرة عندما تُشرِّع القوانين، التي ستخضع لها، أن تجعل الإنسان غاية بحد ذاته، وهذا ما يحقق كرامة الإنسان، أي أن حق الإنسان في تقرير مصيره واختيار شكل النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي يحكمه؛ وسارتر يناقش فكرة الوجود الإنساني للسعي نحو الحرية في كتابه “الوجود والعدم “، ويرى أن الحرية تتمثل في قدرة الإنسان على الاختيار، وأن الإنسان يُعبِّر عن وجوده بمقدار ما يمتلكه من حرية على الاختيار، أي حق تقرير المصير، ويربط تلك الحرية بالاختيار بتحقيق غاية سامية وهي الحرية، أي أن الغاية من الاختيار لا يجوز أن تكون قيدًا على الحرية بحد ذاتها، لأن سارتر يرى أنها هدف يتحقق من خلاله معنى الوجود الإنساني، وبالتالي نحن ندور في حلقة متكاملة، الوجود الإنساني تعني الحرية على الاختيار، وهذا الاختيار لابد أن يحقق غاية سامية هي الحرية لتحقيق الوجود الإنسان، ويرى أن الإنسان يحقق وجوده بمقدار سعيه لحريته، وهذا يعني أن الكرامة الإنسانية التي يُعبر عنها سارتر بقوله الوجود الإنساني يتحقق من خلال الاختيار الحر وجعل الحرية هدفًا ساميًا يسعى له هذا الاختيار، والمفهوم الفلسفي للكرامة الإنسانية، لربطه بالسبب الذي يجعل الاستعمار/الاستبداد، سببًا في امتهان الكرامة الإنسانية، وأما الأدبيات المتعلقة بمفهوم الاستعمار/الاستبداد والعالم الثنائي، وفانون في كتاب “معذبو الأرض” والتي يوضح فيها فانون أن الاستعمار يخلق عالمًا ثنائيًا، عالم المستعمِر وعالم المستعمَر، ويتفاوت العالمان في الوقائع الاقتصادية، والأوضاع المعيشية، ويصل الأمر إلى تجريد المستعمَر من إنسانيته، ويعتقد المستعمَر أن الوصول لتطبيق شكل عالم المستعمِر، هو ما سيجعله يسترجع حريته وكرامته الإنسانية المسلوبة، وهذا ما يسميه فيصل درّاج في مقالته “الإبداع والوعي والتقليد “، وخلق حالة تماهي مع الاستعمار، وهذا يعني إنهاء العالم الثنائي الذي ينشأ عن هذه الحالة، فيطرح فانون نظرية “العنف الثوري” في كتابه “معذبو الأرض” لإنهاء هذا العالم الثنائي الذي نتج عن عنف من المستعمِر على المستعمَر، يرى فانون أن على المستعمَرين اللجوء إلى ذات العنف.

إن أغلبية منظري الثورة لا ينظرون إلى مدى التغيير الذي تحدثه الثورة في أثناء مدة زمنية معينة، بل ينطلقون مما تحمله الثورة من عنف، أي أنهم لا يراقبون ما تؤدي إليه الثورة ويربطون نجاحها أو فشلها بحدوث تغيير بغض النظر عن هذا التغيير وما يليه من تغيير على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا بحدّ ذاته يجعل استخدام أي وسيلة في الثورة مسموحًا ومجازًا، حيث لا يوجد تركيز على الهدف، أي أن التركيز على الفعل الثوري وليس على نتائجه، وقد ناقشت آرنت ليبهارت هذه النقطة “إذا وضعنا في اعتبارنا أن الهدف النهائي للتمرد هو التحرر، في حين أن هدف الثورة هو إقامة الحرية، فسيعرف عالم السياسة كيف يتجنب المنزلق الذي يُركز معظم جهده حول المراحل العنيفة الأولى من التمرد وحول فكرة التحرر في الانتفاضة ضدّ الطغيان، وذلك لأن كل العناصر الدرامية في حكايته تبدو متضمنة في المرحلة الأولى، وربما أيضاً لأن الاضطراب الذي يُلازم التحرر كثيرًا ما أدى إلى ضرب الثورة نفسها” (1). أن استخدام العُنف في التحرر يعود بنتائج سلبية كبيرة إلى مستقبل الشعب الذي يلجأ إلى تلك الطريقة في التحرر وهذا ما يبينه لدل هارت في دراسة له عن المقاومة السرية تحت الاحتلال النازي فقال “إن من أتعس

نتائج المُقاومة العنيفة كانت تشجيعًا لللأخلاقية وإطلاق العنان للمجرمين، والأوغاد للقيام بأعمال إجرامية تحت ستار الوطنية وتشجيع الشبيبة على انتهاك القانون والنظام إلى درجة استمرت لما بعد القضاء على النازية، وجعل من الصعب على حكومات التحرير أن تُعيد بناء الوطن” (2). أي إن اللجوء إلى استخدام العنف في المقاومة رغم إنه يعطي نتائج سريعة نحو التحرر إلا إنه يؤثر سلبيًا على طبيعة الشعب ويقوده إلى حالة من الفوضى واللانظام، ويصبح عدم احترام القانون واللجوء إلى أساليب عنيفة في حلّ المشكلات الاجتماعية جزءًا من تصرفات الأفراد داخل المجتمع، وهذا يؤدي غالبًا إلى المزيد من كبت الحريات، هذا بالإضافة إلى إثارة الخوف والكره والعنف في الطرف المقابل، بالإضافة إلى أن استخدام أسلوب الكفاح المُسلح كوسيلة وحيدة يضعف ارتباط المقاومة بأهدافها وقضيتها. والسؤال حول الكرامة الإنسانية هنا، يتعلق بمدى قدرة الشعب الذي تم سلب حريته وبالتالي كرامته الإنسانية، على السعي نحو تحقيق الكرامة الإنسانية، والتأكيد على ذلك، ضمن شروط متعلقة بالأسلوب، هو بحد ذاته تحقيق للكرامة الإنسانية، وما يهمنا هو “المقاومة الفلسطينية” ومدى اقترابها/ ابتعادها عن تحقيق الكرامة الإنسانية سواء في أثناء السعي نحو التحرر، أو في النتائج التي كانت محصلة هذا السعي. الدولة ليست هي التي تحقق كرامة الإنسان، وما أقصده أن ما يمر به الوضع الفلسطيني الآن من عدم استقرار، واستمرار انتهاك حريته، ومحاولة نفيه واستبعاده من أي حق له في تقرير مصيره، لا يعني أن الكرامة الإنسانية لم تتحقق لهذا الشعب، أن الاستمرار في المقاومة بمختلف الوسائل، هو بحدّ ذاته تحقيق للكرامة الإنسانية؛ وحتى نتمكن من فهم ما حققته المقاومة الفلسطينية على صعيد تحقيق الكرامة الإنسانية لابد من إعادة تلخيص المراحل التي مرت بها المقاومة، وإعادة النظر في اقتراب /ابتعاد المقاومة عن الكرامة الإنسانية على مختلف الأصعدة. لايمكن تصور مجتمع متحضر ومتطور دون أسس من الحقوق الدستورية للمواطن يرجع لها في كل حركة أو قرار يُتخذ في المجتمع، حيث أن مفهوم الدستور نفسه (كأعلى قانون في المجتمع والدولة) يكون هيكلاً فارغاً من أي محتوى إذا لم يتضمن حقوق المواطنة.

أن سبب المحنة العربية، على الرغم من جميع العيوب، التي تنخر في جسم المجتمعات العربية وثقافتها القديمة والراهنة، ومرجعياتها الفكرية، هو الدولة نفسها، وليس المجتمع. أن الخروج على الدولة والردة عليها، كما تجسده حركات وتيارات إسلاموية وغير إسلاموية، عديدة، ليس خروجاً على دولة تمثل إرادة الأمة، وتعمل على تحقيق غاياتها وأهدافها، أي ليس ضد ما تمثله من قيم الحداثة، وإنما هي ثورات ضد دولةٍ، انقلبت على الأمة، فصارت دولة ضد الأمة، وسلطنة لا تعيش ولا تستمر إلا بتفكيك المجتمع وإخضاعه، ونزع الوعي الوطني والإرادة عنه، وحرمانه من أية فرصة للتكون، كشعب متفاهم، ومن باب أولى، كأمة حرة، تستمد مشروعية وجودها ,ومبرره الأخلاقي من تحقيق الحرية والكرامة للفرد، ومن وراء ذلك، للجماعة الوطنية كلها. ومن الواضح أن المخرج الديمقراطي ليس هو المخرج الوحيد المنتظر بالضرورة لانهيار نظم التسلطية أو تفككها، وما حصل في العراق وما يحصل في العديد من البلدان العربية الأخرى يدل على أن الديمقراطية ليست بالضرورة المخرج الأكثر احتمالا، وأنه إلى جانب مخرج الفوضى والحروب الأهلية هناك أيضا مخرج ثالث هو الإنهيار المتزايد لنظام لا يعرف كيف ينتهي ولا كيف يصلح، كما هو الحال في الكثير من البلاد العربية اليوم، بالرغم من أن تعفن النظام مع بقائه لا يمكن أن يشكل مخرجا مستقلا بقدر ما هو تعبير عن استمرار الأزمة بسبب تضارب العوامل والمصالح الداخلية والخارجية. إن ما نشهده في العالم العربي اليوم هو اكتساح حقيقي من قبل الفكرة الديمقراطية للفضاء الأيديولوجي السياسي العربي بأكمله، وعودة الاهتمام إلى مصطلحات المواطنة والحرية والمشاركة السياسية والعلمانية والفردية وكل ما ارتبط بفلسفة الليبرالية والديمقراطية عموما من مفاهيم ونظريات.

المشاركة السياسية قد تعني أي عمل تطوعي من جانب المواطن بهدف التأثير على اختيار السياسات العامة وإدارة الشؤون العامة أو اختيار القادة السياسيين ,تجمع مؤلفات (المشاركة السياسية) علم الاجتماع السياسي

مستوى حكومي أو قومي. على أن المشاركة هي جهود مشتركة للأفراد والجماعات لتحقيق الحاجات الضرورية إلا أنها تختلف في تحديد أسس وأسباب اشتراك هذه الجهود، فالبعض اعتمد على فكرة التنظيم الرسمي المبني على التخطيط المسبق للأهداف، والآخر اعتمد على الجانب الشخصي والنفسي للمشاركة باعتبارها تعاون قائم على الشعور المشترك بالمسؤولية والتعريف الممتاز للمشاركة في مجال علم الاجتماع ذلك الذي يحددها: بالسلوك الرسمي أو غير الرسمي المنظم أو العفوي للأفراد والجماعات، من أجل القيام بمجموعة من الأنشطة التي تهدف إلى تحقيق الصالح العام وتحقق المشاركة للأطراف التي تتبنى هذا السلوك نوع من الإشباع والرضا، وذلك من خلال الوصول للأهداف المراد تحقيقها. أصبحت المشاركة السياسية تمثل موضوعا محوريا من موضوعات علم السياسة وذلك انطلاقا من عدة اعتبارات وبصفتها تمثل إسهاما حقيقيا في انشغال المواطن بالمسائل السياسية داخل نطاق مجتمعه سواءً كان هذا الانشغال يتم عن طريق التأييد أو الرفض.ان المشاركة السياسية هي من أهم القضايا التي ركز عليها علم الاجتماع السياسي في الوقت الحاضر وبأنها العملية التي يلعب من خلالها الفرد دوراً في الحياة السياسية لمجتمعه وتكون لديه الفرصة للمشاركة في وضع وصياغة الأهداف العامة للمجتمع وبالتالي إيجاد أفضل الوسائل لتحقيق وإيجاد هذه الأهداف كما أنها عملية يلعب الفرد من خلالها دوراً فعالاً في الحياة السياسية، وأن يشارك في صنع الأهداف العامة لمجتمعه، كما ينظر للمشاركة السياسية من خلال الغاية أو الهدف التي أتت من خلاله المشاركة السياسية، وتتمثل هذه الغاية في عملية التصويت في الانتخابات.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close