قضية إختطاف الأطفال في السويد: تضليل الحقائق في الإعلام السويدي

قضية إختطاف الأطفال في السويد: تضليل الحقائق في الإعلام السويدي

إيهاب مقبل

عندما ينحرف رجال الدولة تسعى السلطات والقوى القانونية بجهد لإصلاح هذا الإنحراف وإعادة الثقة وتحقيق العدالة. ولكن عندما تكون هناك رغبة في شرعنة هذا الإنحراف، حينها يختل ميزان العدالة وتُكرس الأفكار المُنحرفة في المجتمع.

هل صحيح حقًا إن جميع الآراء يمكن التعبير عنها في «المُجتمعات الحُرة»، أم يوجد مُحرمات وحالة من الاكتئابِ ضد بعض الآراء والأفكار؟ يقول البروفسور روبرت دبليو ماكنزي في مقالة نشرها في مجلة جورنال رقم 12 صفحة 63 سنة 2000م: «كما كتبَ جورج أورويل في مقدمة كتابه – مزرعة الحيوانات – غير المنشور أن الرقابة في المُجتمعات الحرة أكثر دقة وعمقًا من الديكتاتوريات، وذلك لأن الأفكار التي لا تحظى بشعبية يمكن إسكاتها وحجب الحقائق المزعجة من دون أن يكون هناك حاجة لأي حظر رسمي».

مجموعة من العائلات العربية والمُسلمة نشرت مؤخرًا فيديوهات على شبكات التواصل الإجتماعي يظهر فيها حجم المأساة التي يتعرض لها أطفالهم المُختطفين في السويد، وخرجوا بمظاهرات في ساحات ستوكهولم ومالمو وغوتنبرغ، وأجروا مُقابلات مع وسائل الإعلام، لإدانة عمليات إختطاف دائرة الشؤون الإجتماعية السويدية المعروفة بإسم «السوسيال» لأطفالهم، ومطالبين بالوقت نفسه إعادة أطفالهم إليهم. وبدلًا من أن تدعوا الحكومة السويدية لفتح تحقيقًا مع هذه المؤسسة الحكومية للتحقق من صحة آراء العائلات وقضاياهم، واجهتهم بالتخويف والإرهاب في وسائل الإعلام السويدية، وأعتبرت ما جاءَ في وسائل الإعلام العربية من تغطيات لمثل هذه القضايا بمثابة «هجمة إرهابية لإسلاميين متطرفين»، كما أتهمت القائمين على تغطيتها بأنهم ينشرون معلومات مضللة باللغة العربية بهدف تشوية صورة السويد في الخارج، وتقسيم المجتمع السويدي لإنشاء مجموعة مضادة داخل المجتمع السويدي نفسه.

وفي الحقيقة، تعمل الحكومة السويدية ووسائل إعلامها بجهد ونشاط على تضليل المعلومات، وذلك لإن القضية أكبر مما يعتقدها الكثيرين، إذ يقف خلفها كِبار المسؤولين السياسيين، وتتداخل فيها الأهداف التجارية والسياسية والثقافية والدينية، فالمُستهدف هنا جميع الأطفال، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، ولكن شهية الإختطاف تكون أكبر للأطفال العرب والمُسلمين في السويد.

وبدورها تمارس وسائل الإعلام السويدية طُرقًا متنوعة في العبث بالحقائقِ والإستنتاجاتِ، عند الحديث عن قضية إختطاف الأطفال في السويد من قبل مُنظمة حكومية، ولكن ساحاول إختصارها في ثلاثة نقاط:

· إظهار وإخفاء المعلومات: ويعني إظهار ما هو في مصلحة السياسة المحلية، وإخفاء ما يخالفها. مثلًا، يظهر الإعلام السويدي اللقاءات التي تنصب لمصلحة دائرة الخدمات الإجتماعية «السوسيال»، وبالمقابل يخفي عرض الإنتقادات الموجهة لهذه المؤسسة من قبل الأسر المتضررة. وفي مقابلة اجراها الراديو السويدي مع مواطنة سويدية تُدعى «جيسكا»، إختطف السوسيال طفليها، وكانت بين المتظاهرين بجانب العائلات العربية والمُسلمة أمام البرلمان السويدي في ستوكهولم في السابع من فبراير شباط الجاري، تقول فيها: «أعلم اليوم أن الأعمال الإجرامية تحدث في مكاتب السوسيال. لا أحد يستطيع أن يقنعني بغير ذلك، وذلك لأنني شاهدت بعيني الإجرام عند الأفراد. أنا لا أشمل الجميع، ولكن الكثير من الأفراد يجلسون على كراسي السلطة ولا أحد يدقق في عملهم. أنا هنا اليوم في المظاهرة لأنني لا أعتقد إنهم إسلاميين». فماذا فعلَ الراديو السويدي؟ أخفى الراديو السويدي مقابلته مع جيسكا، ولم ينشرها بتاتًا، ولكن لسوء حظهم سجلها شاب عربي كان يقف بجانب مراسلة الراديو السويدي بكامرته، فعمل على ترجمة المقابلة ونشرها باللغة العربية ويظهر فيها ميكرفون الراديو السويدي.

· التضليل المباشر: ويعني تقديم معلومات مُركبة للجمهور بطريقة مباشرة كجزء من حملة التضليل ضد مطالب الأسر المُختطف أطفالها. مثلًا، قابلت صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» الحلاق جورج توما، وهو شاب مسيحي سوري، كان قدْ أجرى مقابلة مع أسرة مُسلمة سورية إختطف السوسيال أطفالها الخمسة، ثم نشرَ فيديو المقابلة في وسائل التواصل الإجتماعي باللغة العربية. نشرت الصحيفة السويدية المُقابلة مع جورج توما في عددها الصادر في الحادي عشر من فبراير شباط الجاري، ويظهر فيها الزعم إن جورج توما نادمًا على تسجيله الفيديو، وإنه لم يكن يعرف بإن وراء هذه «الحملة» إسلاميين متطرفين أو إنهم يستخدمون مقابلته مع الأسرة المُسلمة في «الحملة المناوئة»! والحقيقة يذكرها جورج توما نفسه، بإن الإعلام السويدي يكذب كما يتنفس، وإنه تحدث لهم عن معاناة الأسر ومطالبهم بإعادة الأطفال لأحضانهم، بل هو نفسه من بين المتظاهرين المطالبين بإعادة الأطفال لأسرهم ليومنا الحالي.

· التضليل غير المباشر: ويعني تقديم معلومات مُركبة للجمهور بطريقة غير مباشرة كجزء من حملة تضليل مُفتعلة ضد الأسر العربية والمُسلمة. ولعل ابرز ما تناقلته وسائل الاعلام السويدية خلال المدة الأخيرة هو تصويرها ضمنيًا لدائرة الشؤون الإجتماعية «السوسيال» بانها المسيح المُخلص من «دكتاتورية وظلم وجهل العائلات العربية والمُسلمة».

وقدْ يعتقد القاريء العزيز أن الإعلام السويدي لم يمارس سابقًا طرق العبث بالحقائقِ والإستنتاجاتِ إلا مع هذه القضية. والحقيقة إنه يمارسها منذ عقود، فقدْ مارسها تجاه العديد من البلدان العربية وفي مقدمتها فلسطين والعراق. وهذه أمثلة إضافية تثبت وجود وممارسة هذه الطرق الملتوية منذُ زمن:

· مثال على إظهار وإخفاء المعلومات في الإعلام السويدي: في سنة 1991م، هاجمَ مجموعة من المتظاهرين الأكراد مبنى السفارة العراقية في ستوكهولم في ظل تقاعس مذهل للشرطة السويدية في حماية مبنى دبلوماسي، فرد ضابط أمن عراقي بإطلاق الرصاص في الهواء لتفريق المهاجمين من دون وقوع اية اصابات بينهم، فتناقلت الخبر آنذاك غالبية وسائل الإعلام السويدية، ووجهت اللوم على السفارة العراقية، بينما في سنة 1999م هاجمَ مجموعة من المتظاهرين الاكراد مبنى القنصلية الإسرائيلية في برلين فردَ عليهم الأمن الاسرائيلي بالرصاص مما ادى إلى مقتل أربعة متظاهرين عمدًا، فلم يحضى هذا الخبر باهتمام يُذكر في وسائل الإعلام السويدية.

· مثال على التضليل المباشر في الإعلام السويدي: ولعل ابرز ما تناقلته وسائل الإعلام السويدية نقًلا عن وسائل الإعلام الامريكية قصة حاضنة الأطفال في الكويت خلال سنة 1990م، والتي تبين فيما بعد بانها كانت جزء من حملة إستخباراتية غربية مضلله لجر عاطفة الناس نحو تقبل فكرة شن حرب الخليج الثانية سنة 1991م.

· مثال على التضليل غير المباشر في الإعلام السويدي: ولعل ابرز ما تناقلته وسائل الاعلام السويدية لمدة سنة كاملة قبل حرب الخليج الثالثة سنة 2003م هو تصويرها امريكا ضمنيًا بانها المسيح المُخلص من «دكتاتورية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين»، في حين كانت الحرب صهيونية باحتراف بعد نشوبها ضد بلد عربي مُسلم وسكان عُزل وبنى تحتية مدنية. وهنا لن تفلت مني الفرصة بذكر الدبلوماسي السويدي رولف إكيوس، رئيس لجنة التفتيش التابعة للامم المتحدة للبحث عن أسلحة العراق وتدميرها بعد حرب الخليج الثانية، وتقاريره الكاذبة والمفبركة بان بغداد تمتلك الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وما الى آخره من حملات تضليلية، والتي أدت لاحقًا لغزو العراق.

إنتهى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close