حتّى لا يطير الدخّان

زكي رضا

قبل الدخول في تفاصيل المقالة، أودّ أن أشكر واضعي الدستور العراقي رغم علّاته على جعل منصب رئيس الجمهورية بروتوكوليا على الرغم من بعض الصلاحيات التي منحت له، بجعلهم نظام الحكم بالعراق نظام برلماني وليس برئاسي. كما وأنّ انتخاب رئيس الجمهورية العراقية بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان يعني أنّ الموافقة عليه لا تتم الا عبر صفقات سياسية، وهذا يعني أنّ الرئيس يكون تحت رحمة القوى السياسية المهيمنة على المشهد السياسي غير المستقر اصلا في العراق، وبالتالي فهو ينفّذ ومن أجل أستمراره بمنصبه أهداف وسياسات هذه القوى، ويقدّم لها ما تريد من خلال إستغلال الصلاحيات الممنوحة له دستوريا.

تنص المادة 27 أولا من قانون المخدّرات والمؤثّرات العقلية رقم 50 لسنة 2017 على أنّ ” يعاقب بالأعدام أو بالسجن المؤبّد كل من أستورد أو جلب أو صدّر مواد مخدرّة أو مؤثرات عقلية أو سلائف كيميائية بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون”. ولأنني مواطن عراقي كوردي كما السيد رئيس الجمهورية برهم صالح، فأنني توجهت الى بعض المختصّين باللغة العربية لأسألهم عن تفسير هذه المادة كون العربية ليست اللغة الأم عندي. فكان جوابهم من أنّ المادة لا تحتاج الى تفسير فهي ليست قرآن كريم ليختلف الفقهاء تبعا لطوائفهم في شرحها، وهي واضحة كما الشمس في رابعة النهار!!

أنّ منصب رئاسة الجمهورية اليوم هو محل شدّ وجذب بين معسكرين سياسيين، كل منهما يعتبر نفسه الفئة الناجية التي سَيُدْخل العراق بها الجنّة الموعودة، كون الدستور منح رئيس الجمهورية صلاحية تكليف ممثل الكتلة الأكبر لتشكيل مجلس الوزراء، وفق المادّة 76 أولا والتي تنصّ على ” يكلّف رئيس الجمهورية مرشّح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ أنتخاب رئيس الجمهورية”.

أنّ الصراع على منصب رئاسة الجمهورية بين الحزبين الكورديين، يعود أساسا الى وقوفهما في خندقين متقابلين. فالأتحاد الوطني الكوردستاني اليوم هو في معسكر المالكي وما يسمّى بدولة القانون والأطار الشيعي، فيما يقف الحزب الديموقراطي الكوردستاني في معسكر الصدر والحلبوسي. ولازال الصراع بين الفريقين قائما حول تسمية الكتلة الأكبر في البرلمان. وتبعا لهذا الصراع فأنّ كلا الفريقين يريدان أن يكون منصب رئاسة الجمهورية والمتعارف عليه أنّه من حصّة الكورد، من نصيب الطرف الكوردي المتحالف معه. والأمر للآن طبيعي، كونه صراع مصالح حزبية وفئوية ومافيوية، لأن الصراع من أجل مصالح الناس ورفاهيتهم ليس في سلّم أولويات قوى المحاصصة هذه.

هل علينا كمواطنين أن نحترم القانون؟ لا أظنّ أنّ السؤال بحاجة الى صعوبة للأجابة عليه، فالقانون ليس تلك الآلة الموسيقية التي يُعزف عليها، بل هو أساس لبناء الدولة، وعليه فأنّ تطبيقه والعمل به يكون ملزما لجميع أبناء الشعب بغضّ النظر عن الجنس واللغة والدين والعرق والمهنة والمستوى التعليمي والأختلاف الفكري والآيديولوجي، وعندما نقول الجميع فأننا لا نستثني الطبقة السياسية الحاكمة والتي عليها أن تكون قدوة في تطبيق القانون وروح القانون. فهل السيد رئيس الجمهورية برهم صالح، طبّق القانون وأعاره الأحترام الذي يليق به أي القانون، وهو يرشي دولة القانون لأبقاءه في منصبه؟

لقد نقلت أخبار بغداد غير السارّة كعادتها منذ عقود، خبرا أن صحّ فسيكون كارثيا بمعنى الكلمة، على الرغم من أننا نعيش الكارثة بكلّ تجلياتها وتفاصيلها، فقد تناولت وسائل التواصل الاجتماعي مرسوما جمهوريا موقّعا من قبل السيد رئيس الجمهورية يعفو فيها أستنادا الى أحكام البند (أولا) من المادّة (73) من الدستور والفقرة (1) من المادة (154) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969، وبناء على توصية رئيس مجلس الوزراء. رسم بما هو آت:

أولا يُعفى المحكوم ( جواد لؤي جواد) عمّا تبقّى من مدّة محكوميته في الحكم الصادرعن محكمة جنايات الكرخ في الدعوى المرقمّة (283/ج/2018).
ثانيا: على وزير العدل تنفيذ هذا المرسوم.
ثالثا: يُنَفّذ هذا المرسوم من تارخ صدوره.
كتب ببغداد في اليوم السابع من شهر جمادى الآخرة لسنة 1443 هجرية
الموافق لليوم العاشر من شهر كانون الثاني لسنة 2022 ميلادية
التوقيع برهم صالح رئيس الجمهورية..

السيد رئيس الجمهورية، أن مرسوكم هذا يعني انكم وكونكم حامي الدستور والقانون، فأنكم تجاوزتم على القانون بشكل واضح وسافر من أجل مصالح شخصية، وهذا ما لا يليق برجل دولة مثلكم. وأنّه يعتبر وكما ذكرت قبل قليل من أنّ مرسومكم بأطلاق سراح المجرم وتاجر المخدرات جواد الياسري أبن محافظ النجف السابق وعضو حزب الدعوة الاسلامية ودولة القانون وليس المحكوم كما جاء في المرسوم الرئاسي، ليس سوى رشوة سياسية لضمان تصويت الأطار الشيعي لكم لتوليكم منصب الرئاسة لدورة ثانية، وتكليفكم الكتلة الأكبر “التي تعملون على ان تكون للمالكي وحلفاءه” التي لم تحسم لليوم لتعيين رئيسا للوزراء.

السيد رئيس الجمهورية، أنكم بمرسومكم هذا لم تضربوا القانون العراقي النافذ في مثل هذه الحالات عرض الحائط فقط، بل أنّكم تساهمون بأغراق البلاد بالمخدّرات، وهذا يعني من أنّكم شركاء في هذه الجريمة التي تجعل العراق “غرزه” كما يقول أخواننا المصريون، غرزه مغلقة لا يطير منها الدخان بل يبقى جاثما على أرواح وأجساد شباب العراق لتدميرهم وعوائلهم، وتدمير الوطن.

حتّى لا يطير الدخّان* عنوان فلم مصري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close