أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ  السَّنةُ التَّاسِعةُ(٢٢) 

                                                  نــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزار حيدر

   {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ}.

   إِذا وضعنا بجانبِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ قولَ رسولِ الله (ص) {أَنا مدِينةُ العلمِ وعليُّ بابُها فمَن أَرادَ العِلمَ فلْيأتِهِ مِن بابهِ} فسيتَّضح الأَمرُ جلِيّاً.

   السُّؤَال؛ كيفَ ندخُلَ البابَ؟! أَو كيفَ نقرأَ عليِّ بن أَبي طالبٍ لندخُلَ مدينةَ العلمِ هذهِ؟!.

   قبلَ كُلِّ شيءٍ يلزمَنا طردَ نَوعَين من القرَّاء لأَنَّ ضررهُما أَكثر مِن نفعهِما، وهُما اللَّذان ذكرهُما أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقولهِ المشهُور والمعرُوف {يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌوَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ} وفي صيغةٍ أُخرى {هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ}.

   لِماذا؟!.

   لأَنَّ أَيَّة قِراءة لعليِّ (ع) لا تعتمد العَقل والمنطِق والإِنصاف فستظلمهُ بِلا جدالٍ، فلقد سمِعَ (ع) رجُلاً من الحَروريَّة [الخَوَارج] [وهُم الذين خرجُوا عليهِ بحَرُوراء] يتهجَّد[يُصلِّي باللَّيلِ] ويقرأ، فقالَ (ع) {نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ}.

   وهوَ اليَوم حالُ الكثير ممَّن هُم في السُّلطة والحُكم ممَّن يدَّعي الإِنتماءَ لنهجِ عليٍّ (ع) إِلَّا أَنَّ فعلهُ فِعلَ الأَمويِّين بِلا مُنازعٍ، لأَنَّهُم واحدٌ مِن الإِثنينِ الَّذَينِ أَشار إِليهِماأَميرُ المُؤمنينَ (ع).

   وبرأيي فإِنَّنا نحتاج إِلى أَن نقرأَ أَميرَ المُؤمنينَ (ع) الإِنسان أَوَّلاً وقبلَ أَيَّ شيءٍ آخر لنتجاوزَ كُلَّ الأُطر [الدينيَّة والمذهبيَّة] التي رسمَها الجهَلة والمُغرضُون والطائفيُّونلإِبعادِهِ عن المعنى الإِنساني لعلُومهِ وبالتَّالي بناءِ جُدُرٍ صلبةٍ حالت بينهُ وبينَ البشريَّة للإِستفادةِ والتَّفاعُل مع علومهِ العظيمةِ ونهجهِ الإِنساني الخالِد.

   وإِنَّما اكتشفَ الأَديب اللَّبناني الرَّاحل جُورج جِرداق بعضاً من علومِ الإِمام (ع) في موسوعتهِ الأَشهر [الإِمامُ عليٍّ صَوت العَدالة الإِنسانيَّة] لأَنَّهُ قرأَهُ كإِنسانٍ فوجدَبهذهِ الطَّريقةِ الوَشائج الروحيَّة والعلميَّة التي تربطهُ بهِ (ع).

   وهوَ المنهجُ الذي يصِلُ بهِ إِلى عليٍّ (ع) كُلَّ مَن قرأَهُ بهذا المعنى.

   ومنهُم [هيئة الأُمم المُتَّحدة] التي أَوصت في تقريرِها الإِنمائي السَّنوي عام ٢٠١١ باعتمادِ عهدِ الإِمامِ (ع) للأَشترِ النَّخعي لمَّا ولَّاهُ مِصر، كقاعدةٍ لتحقيقِ التَّنميةِ فيالبُلدانِ التي تنشُد النُّهوض.

   أَمَّا المُحبُّ المُفرط فعندما يقرأُ عليّاً (ع) فإِنَّما يتخيَّلهُ أَوَّلاً أُسطورة أَو تُحفة تاريخيَّة لا تقدر على الإِستنارةِ بعلمهِ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكالِ، في الوقتِ الذي ردَّ (ع) علىمثلِ هذهِ الطَّريقةِ من التَّفكيرِ بقولهِ {أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَاتَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ} وهي دَعوةٌ مُلحَّةٌ مِنهُ (ع) للإِسترشادِ بعلمهِ وسلُوكهِ ونهجهِ.

   كما أَنَّ المُحب الغالي يُبرِّر كُلَّ ما لا يفهمهُ من سيرةِ الإِمامِ (ع) وعظمةِ علومهِ بالغيبيَّات لأَنَّ التَّفكير فيها بالنِّسبةِ لهُ بمثابةِ التَّجاوُز على المُقدَّس، فأَولى لكَ، برأيهِ، أَنتقفَ عندهُ من دونِ البحثِ والتَّفكير فيهِ حتَّى لا تتجاوز على المُقدَّس.

   وهيَ محاولةٌ لتبريرِ العجزِ الذَّاتي من جانبٍ آخر!.

   وكلُّ هذا للتهرُّب من أَيِّ التزامٍ تجاهَ الإِمام (ع) ونهجهِ، وهيَ مُحاولةٌ معروفةٌ لتبريرِ فِكرةِ القَبول بهِ كهويَّة ولكن ليسَ أَكثر من هذا! وهي النظريَّة التي تُسقط فِكرة أَنَّالإِمامَ حُجَّةٌ والحُجَّةُ هو مَن يحتجُّ بهِ الله على عبادهِ يومَ القِيامة، فإِذا كانَ الامامُ كذلكَ حسبَ رأيِ هؤُلاء فكيفَ يكونُ حجَّةً والله تعالى يقولُ {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ} ما يعني أَنَّهُ تعالى سيحتجُّ بالإِمامِ علينا في اليوم الآخِر، أَينَ كنتَ منهُ؟! وما هي المسافة التي احتفظتَ بها بينكَ وبينَ نهجهِ وسلوكهِ؟! وكم استفدتَ من علُومهِ؟!.

   وكُلُّ هذا ردَّ عليهِ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في أَكثر من خطابٍ وكلامٍ عندما كانَ يرى بعضاً من هذا النُّموذج يتجاوزُون الخطُوط الحَمراء في علاقتهِم معهُ وتعاطيهِم من سيرتهِ،فقالَ لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ مُتَّهِماً {أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ}.

   أَمَّا النَّوع الثَّاني مِن القُرَّاء وهوَ المُبغض القالي فهو نفسهُ عندما يقرأ القُرآن الكريم فلا يستنتجَ منهُ إِلَّا الإِرهاب والقتْل والذَّبح وسبي النِّساء والهدْم والتَّدمير فهوَ يقرأالقُرآن النَّاطق [علي (ع)] كما يقرأ كتابَ الله بجهلٍ وحقدٍ وكراهيَّةٍ لإِثارةِ الفتنةِ من خلالِ البحثِ عمَّا يُحقِّق مصالحهِ الذاتيَّة فقط.

   ولقد أَشارَ إِليهِ القُرآن الكريم بقولهِ تعالى {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَمِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.

   ولقد قَالَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً {دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَىنَفْسِهِ لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ}.

   وإِنَّ أَحقر القُرَّاء على الإِطلاقِ هُم الذين يجمعُون الصِّفتَينِ، فيكونُ أَوَّلاً مُحبُّ غالٍ ثم يتدهوَر حالهُ إِلى مُبغضٌ قالٍ وهو حال الكثير من الخوارِجِ الذين قرَأُوا علياً (ع) في البدايةِ بجهلٍ ثمَّ تحوَّلت إِلى قِراءةٍ بحقدٍ وبُغضٍ وكراهيَّةٍ حتَّى اتهمُوهُ بالكُفرِ.

   ولقد وصفَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) معاناتهِ معهُم في كلامٍ لهُ كلَّمَ بهِ الخوارِج حينَ اعتزلُوا الحكُومة و تنادَوا أَن لا حُكمَ إِلَّا لله {أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَلَا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ أَبَعْدَ إِيمَانِيبِاللَّهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّاشَامِلًا وَسَيْفاً قَاطِعاً وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً}.

   ٢٢ نيسان ٢٠٢٢

                                    لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar5

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close