قراءة في رواية أمجد توفيق ( ينال)

قراءة في رواية أمجد توفيق ( ينال)

بقلم : ناطق خلوصي

تشكّل رواية ” ينال ” إضافة نوعية للمنجز الإبداعي للقاص والروائي أمجد توفيق ، وتاتي في نسق سردي تصطف به إلى جوار رواياته الست : ” برج المطر ” ، ” طفولة جبل ” ،” الطيور الحرة ” ،” الظلال الطويلة ” ، ” نصف السماء ” و ” الساخر العظيم ” ،التي كانت قد سبقتها وصدرت بين عامي 2000 و2018 .
صدرت هذه الرواية مؤخراً ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق وتقع في174 صفحة تغطي سبعة فصول يقوم الأول منها ، وهو فصل تمهيدي ،بمهمة التعريف بالشخصيات والمكان، تسبقه المقدمة التي كتبها الدكتور اسماعيل عبد الوهاب اسماعيل وجاء فيها أن ” كل شيء في هذه الرواية غريب وجميل حتى اسمها ( ينال) فهو فعل وليس اسماً ، أي ينال نصيبه من هذه الحياة الصعبة الشاقة المتعددة المتناقضات ” ، وقد ثبت بأنه قادر على أن ينال مايريد فعلاً . لكننا نعتقد ان اختيار هذا العنوان له دلالته الخاصة أيضاً فهو يومىء إلى زمن الأحداث ذلك ان المضارع هو فعل الزمن الحاضر ، وبذلك تكون أحداث الرواية وليدة الحاضر، حاضرنا ، بكل ما ينطوي عليه من مآس تناولها الروائي بصراحة ووضوح على الرغم من أنه حاول التعتيم على هذا العنوان بالقول بأنه مستعار من اسم شخص في اللغة الأرمنية يعني ” الفارس ” أطلقه الأب على ابنه بطل الرواية اعتزازاً بعلاقته بصديق له أرمني .
يعتمد أمجد توفيق في بناء نصه السردي على مبدأ التداخل الروائي ، إن جاز لنا القول ،حيث نجد انفسنا ازاء روايتين متداخلتين وراويين : الراوي المباشرالذي هو الروائي نفسه ويشي بذلك قول زوجته: ” قلت لها بأنك رجل متقاعد وأنك أديب كتبت رواية ” (ص14 ) ، ثم (ينال ) الذي تشكّل أوراقه مادة أغنت النص ،وهي إحدى عشرة ورقة قال عنها كاتبها ” أوراق مبعثرة لم أمتلك يوماً القدرة على اتلافها “( ص 25 ) ، وتنطوي على اعترافات صريحة ومباشرة نتعرف من خلالها على جوانب مهمة من سيرة حياة بطل الرواية الذي مالبث أن تحمس للكتابه فأردفها بحزمة من الأوراق كمادة لمشرو ع رواية .
يلقي الراوي الضوء على جوانب من سيرته الشخصية تفصح عن أنه على تضاد مع شخصية بطله حيث يقول عن نفسه ” أدرك أني من طبيعة صعبة الارضاء داخلياً، سهلة الاقتناع خارجياً ، سافرت كثيراً ، واطلعت على مشاهد وثقافات لشعوب وبلدان ، لكن أياً منها لا أعده بديلاً عن ارتباطي ببلدي ومدينتي . ” (ص 14 ) .أما بطل الرواية ،وهوعلى حظ من الثقافة وقد درس اللغة الانكليزية في كلية الآداب ، فقد كان يعمل مترجماً في إحدى القنوات التلفزيونية حين تم اختطافه وتعذيبه وفصله من وظيفته بتهمة ملفقة ما لبث الهدف الكامن وراءها أن تكشّف ليتبين أنه يتمثل في الاستحواذ بصورة غير مشروعة على البيت الذي كان قد ورثه عن أبيه، فشعر كأنه فقد وطناً وليس محض سكن وآثر الهجرة إلى أسبانيا.لقد أثار ما كان قد تعرض له روح الانتقام لديه منتقلاً من حياة السكينة إلى فورة التمرد مدفوعاً بروح الرغبة في الثأر لنفسه ليتحول إلى أحد كبار تجار الأسلحة .صحيح أنه لم يمارس القتل لكنه كان ييسر أداة ممارسته .ولعله لم يكن مقتنعاً بما كان يفعله فقد أنهى حياته في آخر المطاف .
يوظف الروائي عنصر المصادفة توظيفاً تلقائياً للجمع بين شخصيتيه : الراوي والمروي عنه. كان الراوي في زيارة لمدينة أسبانية يزور خلالها ابنه الذي يعمل طبيباً في إحدى مستشفياتها ، حيث يلتقي بطله عن طريق المصادفة ثم يجتمع به في مزرعته ألتي يقول عنها الراوي أنها هرم عملاق وما تلبث علاقة أسرية أن تنشأ بين الطرفين ولتبدأ عملية إلقاء الضوء على الجوانب المعلنة والخفية من سيرة حياته مع التوقف طويلاً عند علاقاته الخاصة بالنساء وزواجه من ليلى التي أنجب منها بنتاً اسماها ” تنال ” ليكون هذا الإسم امتداداً لإسمه .وليلى هذه هي ابنة وزير تونسي سابق تلاحقه شبهات الفساد وهو الذي فتح له الباب للدخول إلى عالم تجارة الأسلحة ليلقي الروائي بذلك الضوء على استشراء الفساد فيبلغ ذروته لدى كبار المسؤولين في أي مكان وليس في العراق وحده.وحيث أنهى الروائي حياة بطله فإنه عمد إلى تبييض صفحته في آخر المطاف حين كشف عن وصية له رصد فيها مبلغاً كبيراً من المال لإنشاء دار للأيتام ومدرسة ملحقة بها على أن يكون الراوي الوصي عليها والآمر الوحيد بالصرف .لقد رد الروائي الإعتبار لبطله في آخر مطاف هذه الرواية الكبيرة في محتواها ومغزاها والتي تنقل القارىء إلى أجواء حياة ترف باذخ حافلة بالملذات عاشها بطلها لكنها انتهت بمحض طلقة يتيمة ورخيصة في الرأس .
إشارة : لوحة غلاف الرواية للفنان ستار كاووش .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close