أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ التَّاسِعةُ (٢٧)

نــــــــزار حيدر

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

ضعيفُ الإِرادةِ والهِمَّةِ جامِدُ العقلِ كارِهُ التَّجديدِ والتَّحديثِ والتَّطويرِ يتلفَّت إِلى الوَراء كثيراً فينشغِل بالماضي ويلهُو بالتَّاريخ، لأَنَّهُ ليسَ جُزءاً منهُ وهوَ لم يصنعهُ كما أَنَّهُلا يقدَر على تغييرهِ!.

ومثلهُ ليسَ لَهُ بصمةً في صناعةِ الماضي ولن تكونَ لهُ بصمةً في صناعةِ المُستقبلِ!.

أَمَّا قويُّ الإِرادة وعالي الهمَّة فيركِّز نظرهُ على المستقبلِ انطلاقاً من الحاضرِ ومُستفيداً من تجاربِ الماضي ودرُوس التَّاريخ.

لنقرأَ بدقَّةٍ قولَ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) وهو يصفُ القُرآن الكريم.

يقولُ (ع) {ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ}.

إِنَّ فيهِ الماضي والحاضِر والمُستقبل، وإِنَّ كُلَّ يومٍ يمضي فهوَ ماضي لا ينبغي الإِنشغال بهِ على حسابِ [عِلْمِ] ما يأتي بقاعدةِ الحاضر الذي نعيشهُ و [النَّظْمِ] الذينحتاجهُ لهُ والذي يضمِنهُ لنا القُرآن الكريم.

نحنُ، إِذن، بحاجةٍ أَوَّلاً إِلى أَن نتسلَّح بإِراداتٍ قويَّةٍ وهِمَمٍ عاليةٍ نتمكَّن بها مِن الإِنتقال من التَّفكيرِ بالماضي إِلى التَّفكيرِ بالمُستقبلِ لنُساهِمَ في صناعتهِ أَو على الأَقلفي تثبيتِ أُسُسِهِ وتبيانِ قواعدهِ السَّليمةِ.

ولذلكَ نلحظ في القُرآن الكريم الكثير من الآيات التي تخلُق في نفوسِنا قوَّة في إِرادةٍ وعزيمةٍ وهِهَمٍ عاليةٍ، كما في قولهِ تعالى {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَاوَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.

إِنَّ مُشكلة الإِنسان تبدأ عندما لا يثقُ بنفسهِ ولا يعتقِدُ بقدراتهِ، فيستصغرَها دائماً ولا يُحدِّث نفسهُ على الأَقل بأَنَّهُ قادِرٌ بالفعلِ وليسَ عاجزاً، وأَنَّهُ يُمكن أَن يتقدَّم ويتطوَّرويُبدع ويُقدِّم ويُساهم وليسَ كما يقولُ عنهُ البعض بأَنَّهُ عاجِزٌ وفاشِلٌ ولا يقدر على فعلِ الخَير.

إِنَّ التحدِّي مع النَّفس أَحد وسائِل النَّجاح أَو الفشَل، فإِذا حدَّثَ المرءُ نفسهُ بطريقةٍ إِيجابيَّةٍ كأَن يُخبرها بأَنَّهُ قادرٌ على الفعلِ والإِنجازِ وقادرٌ على النَّجاحِ، فإِنَّهُ بالتَّأكيدسيزرع فيها الطَّاقة الإِيجابيَّة التي تحتاجَها النَّفس للنَّجاحِ، والعكس هو الصَّحيح، فإِذا كانَ يُحدِّثها بطريقةٍ سلبيَّةٍ، كأَن يُخبرها دائماً بأَنَّهُ فاشلٌ وعاجزٌ وليس بإِمكانهِ أَنيُحقِّق طمُوحاتهِ وأَنَّهُ أَعجز مِن أَن يبلُغَ مُناه، فعندَ ذلكَ سيفشل بالتَّأكيد لأَنَّهُ سيسجُن نفسهُ بهالةٍ ضخمةٍ من الطَّاقةِ السلبيَّة القادِرة على تدميرِ كُلِّ ما هوَ خَير وحَسن فينفسهِ.

ولذلكَ يوصي المشرِّع وعُلماء التَّربية والنَّفس بأَن لا يُسمع الأَب أَولادهُ أَيَّة مُصطلحات تُساهم في زراعةِ الطَّاقةِ السلبيَّة في نفوسهِم منذُ الصِّغَر، كقَولِ الأَب لإِبنهِ [أَنتَمابيك خَير] [أَنت فاشِل] [أَنت غبي] وغيرِها من العِبارات والمُصطلحات التي تُدَمِّر نفسيَّتهِ فيشبَّ وهو يحمِل في لاوعيهِ طاقةً سلبيَّةً مُدمِّرة.

أُنظرُوا ماذا يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ}.

فالصِّفات الإِيجابيَّة التي هي تربية وزراعة وتنشِئة في النَّفس البشريَّة تحتاج إِلى أَن نرعاها باستمرارٍ لنُثبِّتها كحجرِ زاويةٍ فلا نغفلَ عنها ولا ندعَها تفلِت منَّا.

وإِنَّ من أَسوء الذين يتحصَّنُونَ بالماضي فتتوقَّف عندهُ عقارِب ساعاتهِم، ثلاث؛

الأَوَّل؛ هو الذي يوظِّف الماضي لعرقلةِ حركةِ الأَجيالِ، فهو يحوِّل التَّاريخ إِلى مادَّةِ صِراع من خلالِ تكرارِ السُّؤَال الأَزلي {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ}.

الثَّاني؛ هو الذي يوظِّف الماضي لصدِّ حركةِ التَّجديدِ العقَدي والفِكري تحتَ لافِتة {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ} و {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّاقَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} و {إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ}.

هؤُلاء وبذريعةِ حِماية التُّراث من العَبث يتصدُّونَ لِكُلِّ حركةٍ تجديديَّةٍ في الفكرِ من خلالِ تجييشِ الهمَجِ الرُّعاع، لإِثارةِ الشُّبُهات والطَّعن بالمصداقيَّة والتَّشكيك بالنَّوايا وماإِلى ذلكَ.

الثَّالث؛ هو الذي يوظِّف الماضي لتمزيقِ الأُمَّة من خلالِ إِثارةِ المُختلَفِ عليهِ والإِعتياشِ عليهِ والإِتِّجار بهِ بذريعةِ القُدسيَّة وغضِّ الطَّرف عن الحقائِق الأَساسيَّة التييحتاجها الحاضِر والمُستقبل من الماضي.

السؤَال هُنا؛ هل أَنَّ كُلَّ مَن يُواجهك بالتَّاريخ وإِثاراتهِ السلبيَّة والتدميريَّة يلزمَك الردُّ عليهِ؟!.

هل أَنَّك تحتاجُ إِلى أَن تنشغلَ بإِثاراتهِ كُلَّ الوقت وتترُك الأَهم المُتمثِّل بالحاضرِ والإِستعدادِ للمُستقبلِ؟!.

بالتَّأكيد لا، فعندما تعرِف أَنَّ في المُجتمع عِصابات و [ذُباب إِليكترُوني] و [أَبواق وذيُول] همُّها إِشغالكَ بإِثاراتٍ لا ناقةَ لكَ بها ولا جمَل، وأَنتَ غَير قادر على الردِّ عليهالأَنَّهم بالأَساسِ يثيرُونها ليسَ من أَجل الحصولِ على الجوابِ المُقنع أَو ليستفيدُوا من الأَجوبةِ المُحتملةِ، أَبداً، وإِنَّما من أَجلِ صناعةِ شرانقَ من الأَسئلةِ التي لها بِدايةٌوليسَ لها نهايةٌ كَون الغرَض منها هوَ الإِشغال والإِلهاء وليسَ البَحث والتَّنوير.

تعالُوا نقرأ حِوار نبيَّ الله إِبراهيم (ع) مع الذي حاجَجهُ فهو صورةٌ جميلةٌ من صُور الحِوار الذي أَدارهُ (ع) بصورةٍ رائعةٍ يلزمنا أَن نستحضِرها دائماً لنحوِّل السَّفسطةفي الحِوار إِلى حقائق منطقيَّة وعقليَّة وعلميَّة.

يقولُ تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِمِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

أُنظر كيفَ تجاهلَ نبيَّ الله إِبراهيم (ع) لجاجة وعدم منطقيَّة المُحاجج ليفحمهُ بالإِنتقالِ إِلى حُجَّةٍ ثانيةٍ غَير قابِلة للسَّفسطةِ فلم يستطِع الآخر أَن يلتافَ عليها أَو يفلِتَمنها ولذلكَ {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ}.

٢٧ نيسان ٢٠٢٢

لِلتَّواصُل؛

‏Telegram CH; https://t.me/NHIRAQ

‏Face Book: Nazar Haidar

‏Skype: live:nahaidar

‏Twitter: @NazarHaidar5

‏WhatsApp, Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close