إنموذجية ثقافة جيل الستينيات والسبعينيات للقرن الماضي

إنموذجية ثقافة جيل الستينيات والسبعينيات للقرن الماضي

حسن كاظم الفتال

تتداول الأيام بين الأجيال وتتعاقب فيما بينها وجيل يخلف آخر ومنهم من يترك في سجل التأريخ بصمة واضحة بارزة تستحق التدوين ومنهم من هو ليس كذلك.

والأمم تفخر وتعتز بثقافاتها التي تميزها خيرَ تمييز وتُحسِنُ صورتها بأبهى زينة. وثمة فتراتٌ زمنية تكاد لا تغادر أذهان الأجيال والشواهد كثيرة.

فضلا عما مضى من العقود الأولى في صناعة المشهد الثقافي ورفدِه خيرَ رفدٍ إنما لا يخفى على أحد بل لا ينكرُ احدٌ ولا يشك أن جيل مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عاش حالة توهج الثقافة والإبداع وانبثاق الطاقات والمواهب وابتهاجها. كان الجيل محاطاً بهالة الثقافة والأدب والتأدب ملما بمفاصلَ متنوعة ومتغايرة . كان الشباب في تلك المرحلة كأنهم لم يدانِهم دورُ المراهقة ولم تشغلْهم الملذات رغم حياةِ العوز والكفاف التي كان معظمهم يعاني منها . كانت عقولهم مصنعا للنتاجات الأدبية التي هي غاية في النضوج بكل صنوفها والفن بكل أنماطه واشكاله وتشعباته فضلا عن الصحافة والإعلام . عقول بعضهم سابقة لزمن أعمارهم متوهجة بفكر متبلور مؤهلٍ لصياغة المنجز الإبداعي .

شباب يقتنصون المعلومة اقتناص المتهلف الظمآن بالمطالعة والمتابعة والمراجعة يحاولون أن يُخرجوا ما في الجحور مما ينفعهم .

لتكون نتاجاتُهم غزيرةً بالمحتوى والمضمون الموضوعي الجاد والنافع.

كان بعض الشباب وهم في مراحل متقدمة من العمر حتى في المرحلة الإبتدائية يصدرون ما يسمى بالنشرات المدرسية وهي عبارة عن كراسات تحمل مواضيع علميةً ثقافية أدبيةً يدونونها بأقلامهم دون الاستعانة بأحد وليس بطريقة النسخ واللصق إذ أن هذه الطريقة لم تكن تتوفر بعد.

وكان للمعلم والمدرس الدورُ الفاعلُ في تنمية المهارات.

يبحث الشاب الأديب عمن يفحص له نصه الأدبي ويتمعن بالتمحيص فيه ليصوبه ولينزهَه من الأخطاء إن وجدت .

الأدباء الشباب رغم بلورة الموهبة ورغم توفرهم على بعض الملكات وامتلاك بعضهم لأدوات التأليف والصياغة وفي أي مفصل من مفاصل الثقافة إنما كان الأديب الشابُ بكل أريحية دون أن يعتصم بالأنا والنرجسية يعرض نتاجَه على كبار الأدباء من ذوي الاختصاص بل كان يزداد سرورا وحبورا حين يجد أن الأديب الكبير قد مرر قلمه على النص لتشذيبه ويكون شاكرا له عند ذاك يطرح نتاجه الأدبي مطمئنا بأنه خالٍ من التشوهات . لذا يَكُنُ تمام الاحترام والتقدير للكبار الذين يعرض عليهم نتاجه بعيدا عن الغرور والإعتداد بالنفس والعجرفة الفارغة.

فكم من حامل للثقافات المتنوعة والشاملة إنما لم يكن يجرؤ لأن يعلن عن نفسه بأنه مثقف بارع وإعلامي وصحفي أو من الطراز الأول ولم يبين ذلك لأحد .إلا أن نتاجه هو الذي يثبت ذلك .

كان معظم العاملين في الوسط الأدبي الثقافي يعملون بصمت دون مجاهرة يتسمون بالأدب والتأدب ويحملون عمق القيم والمبادئ رغم أن نتاجات الكثير منهم تبهر الفاحصين بل يعدها الفاحصون بأنها سابقة لزمانهم .

ولا ينسى أحدٌ مدى شدة المعاناة التي كان يعيشها بعضهم . وكان إصدار أي مطبوع أو مؤلف لم يكن عملا يسيرا إذ هو يخضع لشروط وضوابط بعضها مملة وبعضها الآخر تعجيزي كما يقال حيث الرقابةُ المشددة فالمؤلف يضطر لأن يمر على الفاحصين والمراقبين إنما رغم ذلك كانت المكتبات تزين بنتاجات الشباب المطبوعة سواء من قبل دار الشؤون الثقافية أو على نفقة الأديب الخاصة .

لم يتسم أيُ منهم بالغرور أو التباهي أو التعالي على الآخرين وهم يعلمون أن الأديب أو المثقف الحقيقي مهما بلغ من المراحل فهو ما زال بحاجة إلى ما هو أفضل وأجمل وأكمل.

وكأنهم يتساوقون مع قول الشاعر :

ملأى السنابلِ تنحني بتواضع ٍ ** والفارغاتُ رؤوسُهن شوامخ سلاما لكل أديب وفنان وإعلامي مثقفٍ متواضع واعٍ يستحق هذه التسمية مع التمنيات بدوام التوفيق

حسن كاظم الفتال

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close