وادي الارواح / رواية / الفصل الثاني عشر

وادي الارواح /رواية / الفصل الثاني عشر

ذياب فهد الطائي

ونحن نتقدم لمدخل الطائرة الامريكية التي ستقلنا الى نييورك ، كنت افكر بماري ، توقعت أن أراها في استقبال المسافرين بابتسامتها التي تملأ وجهها وتومض في عينيها متلألأة تدخل الطمأنينة في قلب من تتوجه اليه بالترحيب ، لكنها لم تكن عند المدخل ، كان هناك موظفا طويل القامة بمواصفات رياضي لمصارع يتقبل التهاني من المعجبين ، كانت ابتسامته الترحيبية تقف عند حافات فمه وهو يشبك كفيه كمن ينتظر الخلاص من واجب بروتوكولي ، الى جانبه فتاة شقراء قصيرة القامة بوجه عريض وعيون صافية الزرقة وشعر أشقر تشده الى الخلف ،كانت مرحة وتحاول أن تعطي كلمات الترحيب شحنة من المودة المجانية .

حين تم مفاتحة مكتب الخطوط الجوية بحجز مقاعد العودة اعتذروا عن توفير خمسة مقاعد في درجة رجال الاعمال بسبب الحجوزات المسبقة وأعلمونا بتوفر مقعدان فقط وعليه وافقنا ان تكون لمعاون المدير العام وللسيدة ذات الشعر البلاتيني الباهت وان نحجز لي وللرجل الذي يعبث بمفاتيحه وللسكرتيرة في الدرجة السياحية، كانت الطائرة ممتلئة ،في الجانب الايمن كنا نحن الثلاثة ، خلفنا سيدتان واحدة من الكويت والثانية من مسقط ، كانتا من نساء الأعمال كما اكتشفت لاحقا،ولكنهما يتحدثان بصوت مرتفع ،بعد أن اقلعت الطائرة تقدمت مضيفة بعربة المشروبات الخفيفة ، كانت ماري ولكن بسحنة أخرى ، متعبة ويبدو عليها اثار الاجهاد وقلة النوم ، كانت تضع طاقية الخطوط الجوية حتى حاجبيها الباهتين، لم تستغرب وجودي

-ماذا يريد السيد ؟

نظرت اليها باستغراب

قالت – السيد جاكوب ؟

قال الرجل الذي يعبث بمفاتيحة-حتى المضيفات !

قلت –حليب

قالت – أعرف إنك مستاء مني ….قد نتحدث لاحقا

بعد سبع ساعات طيران خفت الضجة في الطائرة ونام معظم المسافرين ومن بقي مستيقظا كان يتابع التلفزيون أمامه

قالت ماري يمكن ان تأتي الى مؤخرة الطائرة حيث الكانتين ، كان صوتها اليا دون الرنين الموسيقي الذي كنت أسمعه ، صوتا متعبا وممطوطا ،قال ابليس ، ثانية تأتيك الفرصة إنك محظوظ مع النساء ، لقد بقيت عشرات السنين ابحث عن إمرأة حتى عثرت على زوجتي الحالية ،وأنا سعيد انها ليست من أبناء غريمي ادم فقد كانت من عائلة محافظة من اصدقائي ، …نسيت أخبرك إنها من الجن !

قالت ماري –كيف هي أمورك ؟

-اموري عادية ، ولكن ماذا بشأنك ؟ لقد تغيرت كثيرا

-نعم …لقد تزوجت على عجل ، التقينا في صالة نوفا التي تعرفها وبعد يومين عقدنا القران …ومنذ الأسبوع الأول اكتشفت إنه يخونني ….هذا الزواج الثالث الذي اسقط فيه ….حين واجهته بدأ يعاملني بخشونة متناهية ولهذا فضلت أن أضاعف نوبات الطيران لأكون بعيدة عن البيت

-ولماذا لم تطلبي الطلاق ؟

-الامر ليس بهذه السهولة فنحن كاثوليك

بدأت الطائرة بالارتجاج وأستيقظ معظم الركاب ، اعلن كابتن الطائرة العودة الى المقاعد وشدالاحزمة لأنا نمر بمنخفظ جوي

كانت السيدتان العربيتان يتحدثن بصوت مرتفع ثم بدأتا بقراءة القران لبث الطمأنينة ، حين استقرت الطائرة بدأتا مبارات في نكت مصرية قديمة ، قالت الكويتية ،حينما كنت صغيرة كان أبي يدللني ويدعوني بيزة ،كنت أسمع رنينا قويا للكلمة فافرح ، وكان يسمي أختي التي تصغرني بعام ونصف (ليرة) ، كانت بيضاء ممتلئة وتتصرف بدلع وتتقرب من أبينا ….حين كبرت عرفت من زميلاتي في المدرسة إن البيزة عملة عثمانية كانت متداولة في الكويت وهي من المعدن الرخيص ذات لون بني يصدأ بسرعة وتمثل أدني قيمة في هرم العملة العثمانية ،في حين كانت الليرة من الذهب …..قالت العمانية من حسن حظي اني البنت الوحيدة بين اربعة صبية

شعرت بالنعاس …في مجموعة كانت تتعاطى مخدرا قويا كنت اجد نفسي غريبا ، انتحيت جانبا أتطلع نحوهم بمرارة ….الحياة البشرية صعبة والإنسان يملك طبيعة عدوانية يحد منها قليلا القوانين ….أن أجمع الفراشات لوادي الارواح أكثر إثارة وفي مجتمع الملائكة لا يوجد مثل هذا البحث عن الثراء او السلطة ، ولا توجد طائرات …كنا ننتقل من مكان قصي الى اخر دون ان نحسب الوقت ولا تعترضنا المنخفظات الجوية ،سمعت أصوات اشتغاثة وأدعية بعشرين لغة الى (القدير ) بأن ينجيهم من تطم الطائرة ، كان ذلك بين اليقظة والمنام ، كان الرجل الذي يعبث بمفاتيحة يتشبث بقوة بمساند المقعد ، قال، كيف تستطيع النوم ؟

قلت –غلب علي النعاس

-الوضع خطير

كانت سيدتا الاعمال العربيتان يستحلفان (القدير ) بجاه محمد فيما كان شيخ ايراني يستنجد بالحسين وأمريكي أسود يدعوا يسوع الى انقاذه فإمرأته الحامل بطفلهما الأول تنتظره ،الرجل الى جانبي كان يكزّ على أسنانه ويزيد من ضغطه على مساند المقعد ، لم تحضرني أية مشاعر خوف أو ترقب لما قد يحصل …فلم يكن هناك أي من الملائكة الذين يحملون الفراشات …سنعبر العاصفة قلت ذلك بصوت سمعه الرجل الى جانبي فيما كانت كمية الخوف تقلص عضلات وجهه ، قال كيف تعرف ذلك ؟

قلت –ظني لا يخيب

كفّت الطائرة عن التأرجح وانطلقت زغرودة من الكويتية ورائي وصفق الجميع واسترخت أعصابهم المستفزة ،وبدت ماري توزع المشروبات لتأكيد نجاة الطائرة من كارثة .

حياة البشر دائما مهددة واستذكار( القدير ) والقريبن منه يسيطر تماما على عقولهم بشكل يتناسب مع شدة الخطر المحدق بهم ، ولكنهم سرعان ما يعودون الى مشاكلهم اليومية حال زوال الخطر ،وعندها ينشط ابليس وعشيرته ، في لحظات الخطر يختفون تماما لأنهم لا يجدون فسحة في العقول يمكن أن يسكنوها ، يخرجون سراعا ولكهم يترقبون ، كنا في السماء لا نستشعر الخطر ف(القدير) معنا ولا نحتاج ان ندعوه،كما لا يوجد بيننا وسطاء،حياة سكان الكون الأرضي مليئة بالقلق والتوتر والخوف ، عندنا في السماء لا توجد الثقوب السوداء ولا هذه التقلبات الحادة في الطقس ، ليس لدينا أمور يومية تشعلنا ، وليس لإبليس وعشيرة من موقع بيننا ، في الكون الارضي لحظت إن مئات المواقع لهم حيث يتحركون منها ، وعندنا ليس من وجود للاستغلال فكلنا أمام (القدير ) سواسية ، لهذا ليس بيننا محللون استراتيجيون ولم يفكر أي من الملائكة باجراء بحوث ميدانية أو إحصائية،كما لا نعرف ادم سمث ولا ماركس ونحن بغير حاجة الى فرويد او بافلوف، حياتنا شيء مختلف ، أعني حياتي في السابق ، ومن الطريف أن أشير الى إنا لم نقم عزاء لأي ملاك لآنا لا نموت ، نحيط بالعرش منذ أن فكر( القدير) بمن يؤنس وحشته ، ولكن يبدو إن خلق أدم قد غير الحسابات وأخل بالمعادلة الساكنة والثابتة ،ولهذا في تقديري ( اتكلم الان كمحللي الأخبار في القنوات الفضائية ) أقسم (القدير) أن يعاقب الخطاة من البشر ولم يشر ولو إيماء الى الملائكة ، سكان الكون الارضي ثرثارون بطبيعتهم ويتحدثون عن تفاصيل حياتهم مع أول عابر سبيل يتعرفون عليه في المترو أو في صالات القمار أو صالات الالعاب الرياضية ، نحن نلزم الصمت ونشعر بالسكينة ….وأنا الان اشعر بالحنين الى حياتي الاولى !! حين كنت في حي الحسين اشرب شايا اسود مرّا كان النادل الذي يرتدي جلابية بلا لون معروف وعلى رأسه قطعة قماش حرص على لفها بعناية ، كان يسب ترامب وهو يضع الشاي أمامي

-رجل عصابات ،اقسم إنه لايفهم بالسياسة العالمية

كان التلفزيون يعرض مباراة للاهلي المصري مع فريق مونتيري وكان الفريق المصري ضائعا في الملعب فيما يسيطر الفريق المكسيكي على المباراة ، ضرب النادل الصينية،التي يوزع عليها الشاي ،بحافة الطاولة التي أجلس عليه وصرخ

-الله أكبر انهم يركضون فقط ،الخطأ في المدرب الذي لم يمرّنهم على خطة لعب ذكية …الهجوم يجب أن ينتقل الى الجهة اليسرى وعلى أحدهم أن يشوش على حامي الهدف،

قال شاب كان يدخن الشيشة ويتطلع الى العابرات في الساحة القريبة ، إهدأ اللعب إعادة لمباراة قبل سنين ….كسر معنويات الأهلي الذي سيلعب غدا ضد الزمالك !! .

فكرت حسنا ترك ترامب بحالة وتحول من السياسة الدولية الى الداخل المصري ، ربما الحديث أكثر عقلانية ، اتذكر انا لم نكن نعرف ترامب ولا فريق كرة القدم للنادي الاهلي ،ولم نسمع بميسي وفريق برشلونة !نحن الذين نعيش في مملكة( القدير) أكثر أمنا وسلاما ،

حين ألقي نظرة على عالم الكون الارضي أجده يعج بالصراعات المسلحة ، وتلعب السياسة والمصالح الخاصة وقضايا الجنس الدور الاساس في تلك الصراعات ،وكلما تطورت التقنيات الحديثة تنوعت أساليب القتل ،شعرت بالإحباط وانا أستعرض صور الدمار الذي يمارسه البشر ،يقول الرجل الذي يعبث بمفاتيحه، هذه مشيئة (القدير ) وقد استغربت ذلك، كيف يكون

( للقدير)مشيئتين،واحدة في الارض والاخرى في السماء،وإذا كانت كذلك فكيف تكون حرية سكان الكون الارضي ،قلت له هي اختيار الناس لمصائرهم.

ونحن ندخل مطار جي ايف كندي كانت الساعة بعد الواحدة ظهرا بقليل،الصالة الرئيسة مزدحمة بالمسافرين ،تتعالى الاصوات بلغات متباينة كان بعضها سريع التدفق فيما لغة افريقية اقرب للصراخ ،

في مملكة( القدير) كنا نتخاطب همسا فالسكون الشامل في الجو العام يسكن في أرواحنا ،لأول مرة اتسائل كيف اقتنعت أن أكون انسانا ؟ وهل يمكن أن يتحول الملاك الى انسان ؟كيف سيواجه العالم الجديد بعد ان تكوّن سلوكه بطريقة ما عبر ملايين السنين ليعيش بضع عشرات من السنين ويواجه العالم الجديد ؟

في الكون الأرضي أنت تحتاج الى قيم أخرى لتتمكن من إدارة الصراع مع متطلبات الحياة الجديدة ،

في منطقة انتصبت فيها شجرة صغيرو زاهية الخضرة ،كانت بولا وايت تدعو الرب أن يساعد ترمب على الفوز في الانتخابات القادمة كما كلّمها… كنت في الخامسة عشر حين كلمني الرب و المرة الثانية كانت أمس ,,,أقول لكم أنه أخبرني إن ترمب سيعود ليقودنا الى النصر فقد أزفت الساعة والتي كانت نبوءة ستصبح قريبا حقيقة بعد إن عادت القدس لإسرائيل،

توقفت لحظات وهي تتطلع بثبات الى الجمهور الصغير الذي تحلق حولها، رفعت يدها وصرخت : من أعاد القدس الى إسرائيل ،

قالت عجوز كانت ترتدي معطفا من الفرو وقلنسوة بنية (العزيز ترامب ) قالت وايت -نعم إنها بشارة.

قال الرجل الذي يعبث بمفاتيحه –لن استطيع البقاء معك ، يمكنك أن تستمتع بمراقبة قدرات وايت في مخاطبة الجمهور ، أما أنا فإن زوجتي وطفلي بانتظاري.

لا أدري لم يصوّر رجال الدين بكل تنوعهم (القدير ) وكأنه احد زعمائهم الذي يتمتع بقدرات خارقة ، فهو يتكلم معهم وهو يغضب ويفرح ويتنزه في معابدهم، ، وقد يرفعه ليحميه من الأشرار …قطعا هو تصور قاصر (فالقدير) لم نره نحن الذين نحيط بعرشه ولكنا نعلم انه مشغول بتوازن الأكوان ومنها الكون الارضي ،وهو ليس بحاجة لترامب ليقدمه الى الكون الارضي كمبشر بنهايه الحياة، كلمة (القدير ) تزلزل أركان الاكوان،وترامب أوأي رجل دين مهما كان هو مجرد كائن زائل،وعلامات القدير يفعلها مباشرة

ليراها العالم أجمع.

تقدمت نحوي المرأة ذات الشعر البلاتيني الباهت وقالت بلطف –يمكن أن أوصلك الى مسكنك فسائقي بالانتظار وحديث وايت لا ينتهي

كانت من الكنيسة الكاثوليكية التي لا تهتم بنشاط وايت وربما تعتبره عملية تهريجية هدفها استغلال البسطاء من المسيحيين لرفع أرصدتها المليونية في البنوك الامريكية

قالت ذات الشعر البلاتيني الباهت –ماهو عنوانك في منهاتن …..

عند مدخل شارع مانهاتن توقف السائق ليعلمنا ان الطريق مغلق لمنع المتظاهرين من الوصول الى فرع بنك اوف أمريكا ….كان ترامب يقول(اليساريون المجرمون يعملون على تدمير أمريكا ) ،

قلت قد تتأخرين بسببي ، شقتي قريبة ويمكن أن أصلها بعشرة دقائق

تركت السيارة بعد توديع السيدة وشكر السائق ، أخذت الرصيف محاذرا المجاميع الصاخبة ومتفاديا الشرطة التي كانت تتسلل الى قلب المظاهرات لتفريقها ….أجتزت بنك أوف أمريكا بعد طلب الشرطة تفتيش شنطتي الصغيرة وقد أفادتني تذكرة الخطوط الجوية …قبل ان أنعطف الى البناية التي تضم شقتي برز شخصان ملثمان بيد أحدهما سكين صغيرة

-إسرع بتفريغ جيوبك واترك الشنطة على الأرض

كانت لغتهم تكشف إنهم من السود ، اللفظ الممطوط والمستهين والملتوي، وضعت الشنطة على الارض ومددت يدي الى جيبي

قال الشخص الذي يحمل السكين – لا تخرج يدك

تقدم نحوي رافعا السكين الى رقبتي ،شرطي على الرصيف كان يتابع حركة المتظاهرين متحفزا لم يتدخل ،موجة بشرية متراصة اندفعت باتجاهنا بسبب ضغط الشرطة من أسفل الشارع ،صرخ متظاهر وهو يسقط على الاسفلت ، دفعني المتظاهرون الى الشارع المجاور فيما ضاع المهاجمان في خضم التدافع العنيف ،

قال ابليس –هذه هي الحياة في الكوكب الارضي ….أليس هذا بمشيئة (القدير)

-لا هذا بمشيئة ترامب !

ابتسم ساخرا وقال- اعترف بأنك فشلت في أن تكون مواطنا في الكون الأرضي

-ربما ولكنها حياة زاخرة بالمشاعر والانفعالات هنا تفرح وتحزن وتترقب

-تعني ان حياة الملائكة مملة !

-لم أقل هذا ولكني أفضل الان أن أموت في موعدي المقرر

-جميل …هذه علامة جيدة تفرحني

فوجئت وانا أحاول اضاءة الشقة ان الجهرباء مقطوعة ، تذكرت اني أجلت دفع الفاتورة حتى عودتي ، يبدو ان شركة الكهراباء لا تمتلك الصبر الكافي، انظرت بضع دقائق حتى خفّت الضوضاء في الشارع ، نزلت الى أميني ماركت أسفل شقتي لشراء عيدان الكبريت وبضعة أصابع من الشموع ، أما التدفئة ، فقد دعوت (القدير) أن يعينني .

على الهاتف كانت السيدة ذات الشعر البلاتيني الباهت –المدير العام يطلب ان توافيه الساعة الواحدة ، وحتى ذلك الوقت يمكن أن تظل في نومك ….صوتك متعب ، …لقد تذكرت أرجو أن تمر بمكتبي قبل ذهابك للمدير العام

شكرا سيدتي سأكون عندك قبل نصف ساعة

-حسنا …الى اللقاء

قال ابليس –هل تصدق إني مشغول بك …ابنائي يعجبون من سلوكي ولكني اقنعتهم

-ولماذا ؟

-لا تنزل الملائكة كل يوم ….منذ ثلاث الاف سنة نزل اثنان ولكن لا يعرف أحدا شيئا عنهم حتى اليوم ،قالو إنهم في الهند في قرية فوق جبل تسكنه الجن، ذهبت وثلاثة من اولادي ووجدنا هناك سحرة وكهّان وصوفية يقضون وقتهم باختراع ألغاز معقّدة ، هل رأيت العاب الانترنت ؟ هي تشبه هذه الألعاب ،وقد اشفقت عليهم ،كما نزل ملكان ليحذرا لوط مما سيلحق بقريته جراء خطاياهم،ولكن بقاءهم لم يستمر أكثر من ليلة ونهار ، أما أنت ألامر مختلف، أنت تنزل انسانا مجردا من صفتك كملاك ….ولكنك تتقدم ببطء شديد ، ولهذا أنا أشفق عليك

– لا احتاج شفقتك ولا اهتمامك ، لأنهما ببساطة مشكوك في دوافعهما

– اذهب الى رئيستك وبعدها قد نجد ما نتحدث به

حين وصلت الشركة وركنت السيارة في المكان المخصص صعدت الى مكتب السيدة كوميت ، كانت تراجع بعض الاوراق أمامها ، رفعت رأسها ، وأومأت أن أجلس ….جلست على الكرسي المجاور لمكتبها ،دون ان ترحب بي ضغطت على جرس أمامها ، جاءت فتاة الخدمة ، طلبت منها قهوة دون أن تسألني عن خياري ، انهت القهوة ببطء ومرت خمس دقائق قبل أن تضع نظارتها وتواجهني،

-اشكر تلبيتك دعوتي

-أبدا

-لدي الليلة حفلة خاصة (للانتيم ) ويسعدني أن تحضر إذا لم يكن لديك ارتباط اخر

-يمكنني الحضور مع تقديري لدعوتك …ارجو ان تعطيني العنوان والوقت المناسب

كتبت ما طلبته على ورقة صغيرة ،

-يسعدني حضورك

رايت اسارير وجهها تسترخي فيما بدى عليها الارتياح فقد كانت في بداية حديثنا متوترة بعض الشيء .

-يمكنك أن تذهب لمكتب المدير العام

يقع مكتب المدير العام في الطابق التاسع للبناية التي تملكها الشركة ، غرفة كبيرة فارهة تزينها لوحة كبيرة كانت نسخة تقليدية بحرفية عالية للوحة ( دالي) إغواء القديس …كنت قد رأيت الصورة الأصلية يوم استلمت فراشة دالي ، صحيح ان دالي كان يسخر من القديس في صورته ولكن الرسام الذي قلدها بالغ قليلا في ابراز البؤس الذي يتلبس القديس وهو يجلس القرفصاء عند جذع شجرة بالية وكأنه يشعر بمهانة ساحقة وقربه خنزير يتمدد على الأرض باستسلام، كما إن هناك تعمد في اعطاء الطبيعة حول القديس قوة ووجود متمكن . إن اقتناء اللوحات المقلدة على وجه الخصوص يكشف الكثير من مشاعر وتوجهات الذي يقتنيها فهو يطالعا يومويا في مكتبه او بيته ولابد إنها تعني بتفصيلاتها شيئا يكمن في دواخل نفسيته ،

رحّب بي بحفاوة ، كان طويل القامة وفكرت ربما كان في شبابه لاعب كرة السلة في أحد نوادي الدرجة الاولى،

-ما ذا ترب ان تشرب

-لا شيء سيدي

-بلا مجاملات … لقد قدمت للشركة خدمة كبرى فقد كشفت عن استقتال شركة هاير للتعامل معنا في الوقت الذي كنا نعتقد ان أمامهم خيارات عدة ، لهذا كنا سنقبل بشروط قاسية لولا إنك غيرت الموقف كليا ،

-كان هذا هو الهدف من إرسالي مع الوفد وقد أديت واجبي

– صحيح …كما كان سلوكك مثاليا ….في البطاقة الشخصية مكتوب انك ولدت ودرست في تكساس ولكن صدقني أنا اشك في ذلك فسلوكك أقرب الى ابناء مدينة رالي …بالمناسبة هي مدينتي فأنا من نورث كرولينا

-شكرا سيدي أنت تخجلني فعلا

-على اية حال …لقد تقرر التعاقد معك لمة خمس سنوات مع منحك حوافز بنسبة 10% وشقة…هل انت مرتبط …أعني لديك صديقة تعيش معك،

-كلا …أنا بمفردي

-جميل …سترتب لك السيدة كوميت أمورك يسرني أن التقيك دائما

كانت السيدة كوميت ترفع خصلة من شعرها البلاتيني الباهت ثم تضع نظارتها على المنضدة أمامها ، بدت منشرحة وظلال فرح تنتشر في قسمات وجهها

-ارجو أن تكون مقابلتك مع المدير العام قد أراحتك

-في الحقيقة كانت مريحة

-أرجو ألا تنسى موعدنا الليلة ….اه لقد نسيت ، هذه نسخة من الامر الاداري برفع راتبك ومنحك علاوة حافز 10% ومفاتيح الشقة ، عند قرارك بالانتقال أخبرني لأرسا ل من يساعدك ، وأفضل أن تزور الشقة لتفقد ما اذا كانت بحاجة الى ما نسيت فرقة الاثاث والديكور ان تعمله

-شكرا ساقوم بذلك …اسمحي لي أن أذهب الى مكتبي

لاول مرة قامت ترافقني حتى الباب.

في الممر كان شاب يبتسم بهدوء وكأنه ينتظرني

قال –الكبير يهديك تحياته ويعتذر لأنه يعاني من وعكة صحية طارئة

-لا بأس ولكن اعذرني لأن لدي عمل مستعجل

-طلب مني أن أعلمك إن السيدة كوميت مشغولة بك

حين أغلقت الباب ورائي فكرت بابليس الذي يتعرض لحالة مرض طارئ،

في السماء لم نكن نعرف المرض …لم يمرض يوما أي من الملائكة ولهذا ليس لدينا أطباء ولا عيادات طبية ،ولكن حياة الكون الارضي مثقلة بالامراض والاوبئة بسبب تلوث البيئة ، ليس لدينا مترو ولا قطار ولا سيارات ولا مصانع تنبعث منها الغازات ولا طائرات تتسبب في انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكاربون ، بيئتنا نقية تماما

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close