رحيل أنيق و معّطر : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم
كانت ليلة طويلة جدا و شاقة جدا تضج بكوابيس مرعبة و خانقة ، ليلة دهماء كأنما فقدت نهايتها المعتادة إلى الابد ، بدون أي أمل في بزوغ فجر آخر و جديد ، ولكن مع ذلك ها هو الصباح قادما وهو يحل بهيئته الرمادية و الكئيبة ، نهض من فراشه وذهب نحو الحمام ليغتسل ، و كان في اثناء ذلك جهّز قهوة التي أخذت نكتها العبقة تملأ أجواء الغرفة ، ثم ارتدى اكثر ثيابه أناقة و تعّطر جيدا كأنه ذاهب لحضور احتفال مهيب ومهم ، واضعا قبعته على رأسه بعناية و اهتمام ، حتى وجدا ضرورة لتعديل و ترتيب بعض من خصلات شعره لتكون أناقته مرضية و كاملة ، ثم فجأة سحب مسدسا من أحد الأدراج و صوبه نحو صدغه ، غامضا عينيه ، كانت ” هي” تراقبه عن كثب مثلما يراقب الأم طفلها وهو يلعب ساهيا ، .. و أطلق الرصاص متوقعا وهجا حارقا و ألما لاسعا في قعر رأسه .. مرت ثوان دون حدوث أي شيء غير عادي : فلا دوي صوت ولا تدفق دماء ولا أي شيء آخر أو استثنائي ملفت..
وكم كان استغرابه و دهشته وذهوله كبيرا عندما فتح عينيه ، ملاحظا أنه لم يخرج من فوهة المسدس غير فقاعات ملونة على شكل فراشات متموجة أخذت تطير حائمة حواليه بتظاهرة لونية زاهية و مدهشة مع غمامة من عبق عطور فواحة ..
فسرعان ما أدرك أنها قد استبدلت المسدس الأصلي بشبيه من لعب أطفال ..
فتمتم مع نفسه بشيء من سخط وامتعاض ، ممزوجة بابتسامة شاحبة :
– ها هي تتآمر علي مرة أخرى لتمنعني من حق الاختيار و الرحيل الأبدي بكامل أناقتي و رغبتي الكبيرة ! ..
غير أن المفاجأة الأكبر التي أدهشته فعلا هي أن زوجته هي أيضا كانت بكامل أناقتها و زينتها وهي تضع حقائب السفر عند عتبة الباب وفي يديها جوازات السفر مع تذاكر الحجز أيضا لتقول له في النهاية مبتسمة مشحعة:
ــ هيا بنا حبيبي لكي لا نتأخر عن الطائرة فقد أخذ الوقت يداهمنا سريعا !..
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close