الحماية الجنائية لايرادات الدولة من الضرائب

الحماية الجنائية لايرادات الدولة من الضرائب
د. ماجد احمد الزاملي
تحرص المجتمعات وخاصة الديمقراطية منها على كفالة الخصوصية ، وتعتبره حقا مستقلاً قائماً بذاته ، ولا تكتفي بتشريع القوانين لحمايته بل تسعي إلى ترسيخه في الأذهان ، وذلك بغرس القيم النبيلة التي تلعب دوراً كبيرا وفعالاً في منع المتطفلين من التدخل في خصوصيات الآخرين وكشف أسرارهم . ولقد حظي هذا الحق باهتمام كبير سواءً من جانب الهيئات والمنظمات الدولية أو من جانب الدساتير والنظم القانونية ، فعلى الصعيد الدولي نجد أن هذا الاهتمام يبرز في صورة اتفاقيات دولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 217 المؤرخ في 10/12/1948 م في المادة (12) منه. تشتمل الأنظمة القانونية المختلفة بما فيها النظام القانوني العراقي على مجموعة قوانين تهدف لحماية المال العام إبتداءً من حماية المنابع الأقتصادية والتي تمثل الجهات الأيراديه والثروات الوطنية المختلفة التي تحقق عائداً للدولة وتهدف الدول من خلال هذه التشريعات ضمان تحصيل كافة الأموال العامة ووصولها إلى الخزينة العامة للدولة والأشراف على عملية استثمار الموارد الناتجة من الثروات الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن ومنتجات القطاعات الأخرى من الموارد الأقتصادية للبلاد كما تشتمل الأنظمة القانونية على قوانين رقابية وإجرائية وعقابية لحماية المال العام من الأختلاس والنهب أو التلاعب بمقدرات الشعب.
وضريبة الدخل تُفرض عند تَوَلِّد الدخل والإدخار، وضريبة المبيعات تفرض على الإنفاق والاستهلاك، الأمر الذي يعني أن فرض الضريبة بحالتيها يؤثر على مستوى الاستهلاك الفردي وبالتالي التوجه نحو الادخار. أن نسبة الضرائب تشكل نسبة من الناتج المحلي الاجمالي، وينبغي وقف التوجه نحو الضريبة كمصدر لايرادات الدولة وحماية المستثمر من خلال استقامة التشريعات الاقتصادية. مبدأ قانونية فرض الضرائب منذ الدستور الأول لها ، إذ جاء النص ” لا تفرض ضريبة أو رسم إلاّ بمقتضى قانون تشمل أحكامه جميع المكلفين(المادة (11) من القانون الاساسي العراقي لسنة 1925 الملغي) ، وعاد المشرع الدستوري مؤكداً للمبدأ المتقدم إذ نص على “لا يجوز وضع ضرائب أو رسوم الا بقانون” (المادة (91) من القانون الاساسي العراقي لسنة 1925 الملغي). ويبدو أن المشرع الدستوري العراقي قد تلافى ما وقع فيه من نقص في استكمال عناصر مبدأ القانونية إذ نص على ” لا يجوز فرض ضريبـة أو رسم أو تعديلهما أو إلغاءهما إلا بقانون(المادة (15) من دستور 27 تموز 1958 الملغي الذي صدر في مطلع العهد الجمهوري في العراق) ، وجاء الدستور الثالث لجمهورية العراق خالياً من الإشارة إلى المبدأ المتقدم(قانون المجلس الوطني لقيادة الثورة رقم (25) لسنة 1963 / دستور نيسان 1963 الملغي). وهكذا بالمسار نفسه جاء الدستور الرابع(قانون المجلس الوطني لقيادة الثورة رقم (61) لسنة 1964 / دستور 22 نيسان 1964 الملغي). بيد أن الدستور الخامس عاد فنص على مبدأ قانونية فرض الضريبة إذ نص على ” أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب وشرف ولا تفرض ضريبة أو رسم ولا يجوز إعفاء أحدهما إلا بقانون، وجاء الدستور السادس بأغلب عناصر مبدأ القانونية حيث نص على ” لا يجوز فرض ضريبة أو رسم أو تعديلهما أو إلغائهما أو الإعفاء منهما إلا بقانون هذا وقد نص دستور 16 تموز 1970 على المبدأ المتقدم إذ نص على ” أداء الضرائب المالية واجب على كل مواطن ، ولا تفرض الضرائب المالية ولا تعدل ولا تجبى إلا بقانون(المادة (35) من دستور 16 تموز 1970 الملغي). ولقد تضاعف الاهتمام بهذا الحق نظرا لما يتعرض له من مخاطر تحيط به وتهدده أبرزها التقدم التكنولوجي والإعلامي و المعلوماتى الملحوظ والذي كان له دور كبير في اقتحام حصون هذا الحق واختراق حواجزه ، الأمر الذي يقتضي تدخل المشرع لحمايته بالأسلوب الذي يتفق وطبيعة هذه الأخطار.
وقد حرص القانون على إلزام الجهات التي ستقدم خدمات التصديق الإلكتروني أو الخدمات المتعلقة بالتوقيعات الإلكترونية بالحصول على التراخيص اللازمة لهذا النشاط من هيئة تقنية المعلومات بصفتها الجهة المختصة ، وبما يضمن توافر الثقة والرقابة اللازمة لصحة وسلامة المعاملات الإلكترونية. وفي العصر الحديث ظهرت الحاجة الماسة لمعرفة الكثير من المعلومات وأصبحت المعلومات عصب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية . واصبح استخدام الحاسب الآلي من سمات وضرورات حسن التنظيم الاداري سواءً على مستوى روابط القانون العام أو على روابط القانون الخاص . ولهذا وصف هذا العصر وبحق عصر الحاسوب. فالتهرب الضريبي الذي هو مجموعة من الأفعال الاحتيالية والتدليسية التي يتم اقترافها بسوء نية وبطرق وتقنيات مختلفة من الملزم بالضريبة قانونا، قصد التخلص من الضريبة جزئيا أو كليا وهذه الوسائل الاحتيالية يستعملها المتملصون من الضريبة قصد تجنب أداء الضريبة للخزينة العامة التي تسهر على تحصيل الضرائب. وهنالك أهمية أخرى نلمسها من خلال تعقد مفهوم التهرب الضريبي، والذي أصبح يتخذ عدة أشكال فمن استغلال الثغرات القانونية إلى خرق المقتضيات القانونية والتحايل عليها، إلى ظهور تقنيات جديدة للتهرب خاصة على المستوى الدولي. ومما يزيد هذا التعريف تعقيدا هو الخلط بين التهرب الضريبي- بمفهومه الضيق- وبين الغش الضريبي، فرغم التعريفات الفقهية المختلفة التي أعطيت للتهرب الضريبي لازال هناك نوع من التضارب حول هذا المفهوم.
ضرورة تطوير العمل بكافة المصالح الإيرادية وتوفير كافة الإمكانيات والسبل للعاملين بها للحصول على أداء متميز وهو ما تقوم به وزارة المالية حاليا من توفير مناخ وبيئة عمل مناسبة وتحديث الأجهزة لاستكمال منظومة مكَّنة العمل بتلك المصالح مما يعمل على توفير الوقت والجهد والحصول على قاعدة بيانات أكثر دقة ووضوح وتساعد على حصر المستهدفين من الضرائب. فالتهرب من الضريبة، بما يترتب عليه من نقل عبء الفرد الفعلي، وامتناع البعض عن دفعها، يؤدي إلى الإخلال بتوزيع الدخل وبمبدأ المساواة بين الملزمين في تحمل الأعباء العامة. كما أن للتهرب الضريبي سلبيات متعددة تمس مختلف نواحي الحياة: فانخفاض حصيلة إيرادات الدولة، كنتيجة حتمية له، من شأنه إضعاف فاعلية السياسات المالية التي تنتهجها الحكومة بغرض رفع معدل النمو والتحسين بالنسبة لتوزيع الدخول.
تعتبر فلسفة العقاب هي الحاسم في اختيار الآليات والوسائل الأكثر ردعاً للمتهربين، والأضمن تأميناً لإيرادات خزينة الدولة، فقد يتعرض المتهرب من الضريبة إلى غرامات مالية ولا يبالي بها، اعتبارا بأن هذه الغرامات لا تمثل شيء بالنسبة لما تهرَّب منه، أما العقوبات الجنائية والتي رغم بساطة عقابها ، فإن إقرارها في القانون الجبائي حمل بدوره شللها نظراً لتعقد مساطرها فإن هذه العقوبة لم يسبق أن نفذت في حق أي متهرب. الحرمان من بعض الحقوق ,مثل بعض الحقوق السياسية، وذلك حتى إذا تقدم المتهرب من الضريبة للانتخابات المتعلقة بأي مجال من ميادين تسيير الشأن العام أو الخاص المرتبط ببعض شرائح المجتمع كالجمعيات، كذب في حملته الانتخابية وإتَّصفَ بالنفاق والكذب لاختلاسه الأموال العامة المتمثلة في الضرائب، ذلك أن من يتهرب من أداء الأموال العامة الواجبة عليه ضريبيا لا يؤتمن على تدبيرها بكل عقلانية في إطار تدبير الشأن العام الذي يعتزم توليه.
فإذا كان الهدف من العقوبة، هو منع المجرم من تكرار جريمته، ومنع وقوع جرائم جديدة في المستقبل، فإن جريمة التهرب الضريبي يجب أن تتخذ مساراً آخراً، كاعتبارها جريمة مُخلّة بالشرف والأمانة وبالتالي تحرم المحكوم عليه من تولي الوظائف والمناصب العامة وتفقده الثقة والاعتبار. ويعتبر التهرب كشكل من أشكال مقاومة الضريبة وكسلوك تتحكم فيه المعطيات الداخلية والمتعلقة بنفسية المكلف، والمعطيات الخارجية المرتبطة بارتفاع الضغط الضريبي وغياب العدالة الجبائية أحيانا، وضعف الإدارة الجبائية أحيانا أخرى الشيء الذي يجعل من المواطن أكثر قابلية للتجاوب مع هذه الممارسة غير المكلفة للملزم من الناحية المادية.
لذلك ينبغي تفعيل العلاقة بين الأجهزة القضائية المختصة بقضايا المال العامة والأجهزة الرقابية مثل الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والهيئة العليا للمناقصات والمزايدات. وإستمرار التحري وجمع الأدلة لفترة طويله قد يستمر لأكثر من سنه قد يؤدي إلى تميّع القضايا الجنائية وهروب البعض قبل المحاكمة.
————————-
1-أحمد حليبة، ” التهرب الضريبي وانعكاساته على التنمية بالمغرب” ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، أكدال ، الرباط ، 2007 2008 ص3.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close