ثلاثة أسباب جوهرية تدفع روسيا للتفكير بغزو جزيرة غوتلاند السويدية

إيهاب مقبل

كانت السويد في حالة سلام مع روسيا لأكثر من 200 عام. ولم تتعرض السويد خلال هذه المدة الطويلة لأية تهديدات روسية بغزو أراضيها، على الرغم من توتر العلاقات بينهما في بعض المناسبات. ببساطة لم تكن روسيا، الغنية بالموارد الطبيعية، بحاجة حقيقية للتوسع عبر الحدود السويدية، كما أن السويد لم تحاول إستبعاد روسيا من بحر البلطيق. قدْ يُشكك البعض في مكانة السويد كـ«دولة محايدة»، ولكن السويد لم تكن معادية بشكل مباشر لروسيا، ولذلك لم تفكر روسيا يومًا بغزو جزيرة غوتلاند السويدية.

ولكن تغير كل شيء تقريبًا منذ ربيع 2022، إذ ساعدت السويد عسكريًا بلدًا خارج الإتحاد الأوروبي في حالة حرب مع روسيا الإتحادية. وأرسلت السويد معدات عسكرية إلى أوكرانيا، تشمل أنظمة أسلحة متطورة تكنولوجيًا، تاركة الباب مفتوحًا لوضع إحتمالية وجود أفراد عسكريين سويديين في بعض المواقع في أوكرانيا لتدريب القوات العسكرية الأوكرانية على استخدام هذه الأنظمة الحديثة.

يمكن الأفتراض أن السويد في حالة حرب مع الدولة «سين»، ومن ثم تتدخل الدولة «صاد» في النزاع عن طريق تزويد الدولة «سين» بالمساعدات العسكرية، مما تسببت بخسائر فادحة بين صفوف القوات السويدية. وبذلك سيكون من الشرعي للسويد أن تهاجم الدولة «صاد» لايقاف تدفق الأسلحة للدولة «سين»، وكذلك للانتقام من الخسائر بالأرواح التي لحقت بقواتها. أليس من حق روسيا النظر بالطريقة نفسها للمساعدات العسكرية السويدية إلى أوكرانيا؟! لقدْ تورطت السويد بعمل عدائي ضد روسيا عن طريق تزويد أوكرانيا بالأسلحة.

وثانيًا، تخلت السويد رسميًا وعلنًا عن حيادها، وتقدمت بطلب للانضمام إلى «تحالف حرب» معادي لروسيا. إذا وافقت تركيا على انضمام السويد إلى حلف الناتو، فمن المرجح أن تنشر الولايات المتحدة أسلحة نووية وقواعد عسكرية داخل الأراضي السويدية. وبذلك ستكون العملية برمتها استفزازًا خالصًا لروسيا، وستصبح ستوكهولم عدوًا رئيسيًا لموسكو.

لفهم مدى استفزاز هذه الخطوة لروسيا، يمكن تأمل ردة فعل الولايات المتحدة إذا تحالفت كندا والمكسيك مع روسيا، ومن ثم تنشر موسكو في كلتا الدولتين قواعد عسكرية على الحدود مع الولايات المتحدة! وبالفعل، كانت الولايات المتحدة مستعدة لاشعال حرب عالمية ثالثة في العام 1962 لمنع الاتحاد السوفيتي من نشر صواريخه داخل الأراضي الكوبية. أليس من حق روسيا الإتحادية الاعتراض بالطريقة نفسها على نشر قواعد عسكرية معادية بالقرب من حدودها؟!

تبلغ مساحة روسيا نحو 17 مليون كيلومتر مربع، وبذلك لديها حدود طويلة جدًا يصعب الدفاع عنها إذا تعرضت لأي هجوم. وشهدت روسيا عبر التاريخ عدة حملات همجية لغزوها، منها حملات الهون والمغول والسويديين والفرنسيين والألمان. وتركت هذه الحملات جروحًا عميقة في الروح الروسية حتى اليوم الحالي.

وتتركز إستراتيجية روسيا في الدفاع عن حدودها الطويلة ببناء حاجز حدودي من الدول الحليفة أو على الأقل من الدول المحايدة. ستتلقى هذه الدول العازلة الضربة الأولى في أي هجوم معادي لروسيا، مما يضعف من قدرات المُهاجم نوعًا ما، بجانب منح روسيا وقتًا أكبر للتعبئة لمواجهة التهديد. ولقدْ طبقت موسكو هذه الاستراتيجية الناجحة منذ الحرب العالمية

الثانية ولغاية تفكك الاتحاد السوفيتي العام 1991. وتدرك الولايات المتحدة جيدًا مدى أهمية جيران روسيا في الدفاع عنها، ولذلك وسعت بقوة حلف الناتو الحربي بجوار الحدود الروسية.

لكن المثير للقلق في قضية انضمام السويد إلى حلف الناتو هو خطورة نشر الولايات المتحدة قواعد عسكرية في جزيرة غوتلاند. وإذا حدث ذلك، فهذا يعني سيطرة الولايات المتحدة على بحر البلطيق بأكمله وإغلاقه أمام الملاحة الروسية. وبكل تأكيد لن تقبل روسيا استبعادها من بحر البلطيق، بل ستجبر على غزو الجزيرة مهما كلف الثمن حتى قبل الموافقة على انضمام السويد للناتو، وحينها سيقف الثعلب السويدي بمفرده أمام الدب الروسي، وذلك لأن من شروط قبول عضوية الناتو أن لا تكون الدولة في حالة نزاع. وفي مثل هكذا حالة سيكون بمقدور الولايات المتحدة الإنسحاب من الصراع العسكري بين الدولتين المشتركتين ببحر البلطيق دون أن تفقد الكثير من سمعتها. وهذا قدْ يفسر عدم اهتمام الولايات المتحدة إلى حد ما بحل الصراع بين تركيا والسويد. وأوضحت الولايات المتحدة عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا بانها ليست مستعدة للمخاطرة بحرب ضد روسيا من أجل دولة أوروبية، بغض النظر عن مدى ولاء هذه الدولة لمصالح الولايات المتحدة.

لدى روسيا ثلاثة ممرات مائية وحيدة إلى الغرب: «من بحر البلطيق إلى بحر الشمال، ومن البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البوسفور، ومن بحر بارنتس إلى شمال المحيط الأطلسي». وبدون هذه الممرات المائية الثلاثة، والتي بمقدور الدول المعادية إغلاقها بسهولة، ستكون روسيا معزولة تمامًا عن نصف الأرض الغربي. ولقدْ خاضت روسيا العديد من الحروب لضمان تواجدها في كل من مضيق البوسفور وبحر البلطيق، وبينها وبين السويد نحو 12 حرب دموية تاريخية جراء محاولات السويد إستبعادها من منطقة بحر البلطيق. سيقهقع الدب الروسي عاجلًا أم آجلًا ردًا على الاستفزاز السويدي، كما رد في النهاية بشكل عنيف على الاستفزاز الأوكراني.

وثالثًا، يمكن أن يضاف إلى هاتين الخطوتين العقوبات الاقتصادية على روسيا، والدعاية المعادية للروس، والتي ضخت بصورة كبيرة من السويد. وبحر البلطيق، منطقة ينبغي أخذها بعين الاعتبار من الجانب الاقتصادي، وذلك لوجود موانئ تجارية روسية حول البحر، ولاسيما في مدينتي كالينينغراد وسانت بطرسبرغ. وبذلك أصبحت السويد طرفًا رئيسيًا في العدوان على روسيا من خلال كل هذه التحركات المعادية.

وفي الختام يمكن القول إن رغبة روسيا في حماية شعبها عن طريق نشر جيشها ضد الدول الأخرى التي تحاول اضطهادهم لهو تصرف حكيم وسلوك صحي للغاية. ومع ذلك، فإن الحياد والاعتماد فقط على النوايا الحسنة للدول الأخرى لا يضمن بكل تأكيد السلام والاستقلال. فقط القوة العسكرية هي التي توفر الحماية ومقاومة هجمات الأعداء. والسويد من الدول الضعيفة عسكريًا، وتحاول الانضمام إلى حلف الناتو لكي يدافع عنها من مبدأ اعتماد الدول الضعيفة على الدول القوية. ولكن ليس البديل للسويد حلف الناتو الحربي المعادي لروسيا، بل جيوش الإتحاد الأوروبي باعتبارها عضوًا في الإتحاد، أو على الأقل تشكيل إتحاد لجيوش دول الشمال الخمسة «الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد» لبناء قوة عسكرية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية إذا وجدت.

خريطة منطقة بحر البلطيق

انتهى

 

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close