اللعبة النصية في تشكيل السرد 

                                                                             أسامة غانم

    يشتغل الروائي أمجد توفيق في رواية ” ينال “* على أسلوب السرد المتداخل ، أي الرواية داخل الرواية ، أو حكاية داخل حكاية ، لكل منهما راوي مستقل عن الأخر ، الأولى الأساسية تروى بضمير المخاطب من قبل ” عبد الله ابو فيصل ” ، موازية للرواية الثانية البؤرة التي تقرأ على شكل مذكرات شخصية / أوراق من قبل ” ينال ”  بضمير المتكلم ، وهذه الأسلوبية مناسبة لتحقيق ” خصوصية الجنس الروائي هذه لا يمكن أن تكون الإ الأسلوبية السوسيولوجية  . فالحوارية الاجتماعية الداخلية للكلمة الروائية تستلزم تبيان سياق الكلمة الاجتماعي المشخص الذي يحكم بنيتها الأسلوبية كلها ، (شكلها) و (مضمونها) “1 . لتكون مَحْكومة من خلال الحوار الداخلي ، والسياقات السوسيولوجية – الإيديولوجية التي تكشف عن ذاتها بتعدد الاصوات . وبما أن الكلمة هي لغة ، فاذا هي لا تشتغل الا عبر الاختلاط الحواري في الاستخدام اليومي ، الذي يكون الفضاء الفعلي والحقيقي لحياتها . وليس ذلك فحسب ،  فأن تحولات وتغيرات الرواية المعاصرة لا يتم الا عن طريق تعميق هذه الحوارية .

    منذ بداية الرواية يعمل الروائي على اشراك / اقحام القارىء في أستنباط المعنى المختفي ، غير الظاهر ، أي البحث عن المعنى الموجود دلالياً في ما وراء النص ، من منظور فلسفي / اخلاقي ” مرتبط بعمل ينال كتاجر أسلحة أو عمل سانا في ملهى ليلي ” ، ومن منظور سياسي / ادانة لسلطات قامعة متوحشة مع الآخر . ففي هذه الحالة يكون القارىء باحثاً عن الدلالات – الرمزية في ما وراء المتن . وهذا ما اشار اليه بكل وضوح ” أمجد توفيق ” في تنبيه القاريء الى ذلك في مدخل الرواية عندما نباه أن لا يقع في شرك القراءة الواحدة ، والرؤية الواحدة ، والزاوية الواحدة  ، بل يصر على قيام القارىء بقراءة تأويلية شاملة معمقة نباشة، لأن إنتاج معنى العمل الروائي لا يكون إلا من خلال القارىء ، وفي حالة غيابه يفقد النص معناه ، فالمعنى ينتج من التفاعل الحاصل بين البنية اللغوية للنص ، وفعل الفهم لدي القارىء : ” كنت أقدم لرواياتي بكلمة اسميها مدخلا والمدخل لرواية ينال محيّر إنه لا يؤدي الى باب واحد أو باب يمكن تبينه ومتى ما اقترحت بابا أو طريقا للوصول أكن قد ساهمت بإخفاء طيور نادرة لا يمكن رؤيتها إلا بنظرة متسعة الزاوية لا تغفل بابا أو إمكانية للتمتع بألوانها وأصواتها وسحرها . إنه دعوة لتأمل الحقوق التي لم تقرها البشرية يوما . الحق في مناقضة الذات والحق في الرحيل بمعناه المطلق والحق في الصمت . ما أضيق الطريق ما أصعب الوصول لمن لا يكون قلبه دليله – ص 9 ” . هذا الاستشهاد يذكرني بالفيلسوف الاغريقي ديوجينيس عندما سئل لماذا تحمل الفانوس والشمس في كبد السماء ؟ فكانت أجابته : أبحث عن الإنسان ! أو أبحث عن الحقيقة ! .

    علينا أن نتعرف على شخصيات الرواية قبل الخوض في تفاصيلها ، ولكي يستوعب القارىء ما يقراه ، ولتكون رؤيته أعمق واوسع ، الراوي الاول /عبد الله : مدرس متقاعد كتب رواية واحدة فقط ، سافر هو وزوجته من العراق الى اسبانيا ضيفا عند ابنهما فيصل الذي يعمل طبيبا في إحدى مستشفيات المدينة ، ومتزوج ولديه طفلة اسمها لمار ، وهو “أي ابو فيصل ” يعشق السفر والترحال خارج العراق واطلع على ” مشاهد وثقافات لشعوب وبلدان ، لكن أيا منها لا أعده بديلا عن ارتباطي ببلدي ومدينتي – ص 14 ” . رغم صعوبة الوضع والمعاناة في مدينة بغداد ، تكون ” علاقتي ببيتي ومدينتي وبلدي يشبه ذلك ، أعرف أمراضه ، وأعرف حجم القسوة والفشل وقلة الحيلة وافتقاد الحلول ، وهشاشة القائمين عليه أعرف كل ذلك لكنه بلدي – ص 14 ” .

   وهو لديه مشتركات كثيرة مع ينال منها : السفر ، وبأن الحياة يجب “أن نحياها ، لا أن نتفرج عليها – ص 16 ” ، وهذا ما يؤمن به ويستقتل من أجل تحقيقه الراوي الآخر ينال ابن اللحظة الإنسانية فيقول ” الحياة وجدت لنعيشها لا لنتفرج عليها ، أو نقضي أيامنا وليالينا في تحليل جوانبها السلبية أو الإيجابية بحثاً عن المعنى النهائي ، الذي اخفق تراث من البشرية بعلمائها وفلاسفتها وأوليائها في منح جواب يطفىء جمرة السؤال المتقد – ص 148 ” .

      إما السيد ينال ” ينحدر من أصل عراقي ، وهاجر في زمن ملتبس خارجه ، ليستقر فيما بعد في اسبانيا – ص11″ ، زوجته فرنسية تنحدر من أصل تونسي ، خريجة كلية القانون ، وابنة وزير تونسي سابق يعيش في باريس ، وابنته ” تنال ” ، وهو رجل مشهور ، تاجر أسلحة ، وغني جدا . حتى هو يجد اسمه  “غريباً ، مضحكاً ، فهو فعل مضارع وليس أسماً.. أبي اطلق علي الاسم تقديراً لعلاقته مع صديق أرمني كان يحمل الاسم ذاته ، أن الاسم يعني في اللغة الأرمنية الفارس – ص 28 “.

  يتم تعرفهما ، عندما يكون ابو فيصل هو وعائلته بجولة سياحية في جنوب اسبانيا في منطقة خلابة، تبعد عن مدينة ماربيا المشهورة بضع كيلومترات ، ويصادف أن ينال يمتلك مزرعة هناك ، وعن طريق حفيدة ابو فيصل ” لمار ” وكلب ينال المسمى ” تيكو ” يتم التعرف .

لقد برع ” أمجد توفيق ” في أثارة التخييل عند القارىء عن طريق استخدامه لتقنيات مختلفة منها : الوصف – الحوار – السرد ، من اجل رسم الشخصيات ” وبالذات شخصية ينار ” ، مما استدعى ذلك أن يُفرض على القارىء أن يكون حاضراً ومشاركاً داخل الرواية لمراقبة تحولاتها السوسيولوجية والاخلاقية ، وليس ذلك فحسب ، فالتخييل اصبح سمة أساسية في بناء الرواية ، وفي رسم الشخصيتان الرئيسة . وكذلك من السمات الأساسية في رواية ” ينال ” ، الحوار الأدبي ، الذي اخذ مساحات كبيرة من الرواية في كل فصول الرواية تقريباً ، فالحوار  ” وإن بدأ في الظاهر حواراً بين شخصين ، فهو في حقيقة الأمر غير محصور في هذا المدى المنظور ، وإنما يمر عابراً الى المتلقي الذي يكون في مثابة الشخص الثالث غير المرئي بين هذين الشخصين المتحاورين في موقع داخل النص ، وهو الذي يجعل من دائرة الكلام دائرة مفتوحة غير منغلقة ” 2. واتسمت هذه الحوارات بكثرة التساؤلات ، أي اصبح التساؤل بصيغة التحاور ، لا هو سؤال ولا هو حوار ، بل سؤال مقابل سؤال ، بمعنى أن الحوار هنا يعتبر هدفاً جوهرياً وليس مجرد وسيلة . الحوار هنا ” ليس مقدمة تقود الى الحدث ، بل هو نفسه حدث . انه لا يعتبر كذلك وسيلة للكشف عن الطبع الجاهز للإنسان : كلا، فالإنسان هنا لا يعمل فقط على الكشف عن نفسه في الخارج بل هو يصبح لأول مرة ما هو عليه بالضبط ، أي أنه يتكشف ليس فقط للأخرين ، بل ولنفسه ذاتها ايضاً . ان تكون فهذا يعني ان تتعاشر حوارياً . وعندما ينتهي الحوار ينتهي كل شيء . ولهذا فأن الحوار لا يستطيع ، في الحقيقة ، ان ينتهي بل ويجب ان ينتهي “3 :

-تعرف من يتوسط لإطلاق سراحك ؟

– لا ، ومن يعرف بأنكم من نفذ اختطافي ؟

– هو من تتهمه بالانتقام منك .

– أتقصد حسن ؟

– نعم

– غريب حقاً ، لماذا أنا هنا ؟ ، هل لي أن اعرف ؟ وكيف عرف حسن بذلك ؟  ص43 .

بل واحياناً أخرى تأتي المحاورات على الاغلب في ” صيغة سؤال وجواب لقضايا فلسفية ومنطقية ، تأتي غالباً في إطار المناقشات الفكرية ، غير أنه كان للطابع الكرنفالي تأثير في تكوين ذلك الحوار وصياغته “4.

     تتألف الرواية من سبعة فصول ، الفصل الاول يكون على شكل مفتتح أو استهلال لكل الفصول الستة ،  وذلك لتواجد كلا من الشخصيتين الرئيسة فيه ، ثم بعد ذلك تتوزع الفصول على الشكل التالي لكل منهما ، ثلاثة فصول ،  ينار : 2-4-6 ، اما فصول عبد الله : 3-5-7. هنا تتفصل اللعبة في النص الروائي عن طريق المناوبة في الفصول ، بحيث تكون هذه المناوبة في فصول عبد الله متقاطعة متداخلة في الوقت ذاته ، بينما في فصول ينال متقاطعة ، لا نسمع إلا صوت واحد ، متسمة بفنية جمالية عالية ، حيث تكشف هذه النقطة عن ” أهمية تعريف اللعب كعملية تحدث في “المابين ” . أن اللعب لا يكتسب وجوده في وعي اللاعب أو موقفه ، بل على العكس يهيمن اللعب على اللاعب ، وينفخ فيه روحه . واللاعب يجرَب اللعبة بوصفها واقعاً يفوقه . وتكون الحالة هكذا عندما تكون اللعبة نفسها ” مقصودة ” بحد ذاتها كواقع ، ومثال ذلك اللعب الذي يظهر كعرض من أجل متلق ما ” 5. لأن الغرض من اللعب ليس في الحقيقية تحقيق المهمة ، وإنما تنظيم حركة اللعبة ذاتها وتشكيلها . وكذلك يحدث هذا عندما يغادر الروائي كل الاشكال السردية : الواقعية – الاسطورية – الفنتازيا ، ليأخذ شخصية حقيقية لكي يبني عليها نصه السردي ، بحيث لا يجعل الرواية تبدو وكأنها سيرة ذاتية للشخصية التي ينبني عليها السرد ابداً . رغم اعتماد الرواية البؤرة على الاوراق فقط ، ثم أضافة عليها ملحقات التخييل ، هذه هي اللعبة الذكية للروائي .

   إن شخصية ينار هي الشخصية المحورية في التشكيل السردي في هذه الرواية ، وقد أسس الروائي تشكيله لها على أساس الاوراق / المذكرات ، أي على ما جاء فيها من اراء اخلاقية  ” نعم أنا تاجر أسلحة ، ولا يهمني كثيرا أن يصل السلاح الذي أسهم في تجهيزه للآخرين الى هذا الطرف أو ذاك ولكن لماذا يكون صناع السلاح أبرياء ، وأكون أنا الذي يتاجر بهذه الصناعة مجرماً وقاتلاً ومرفوضاً – ص 111 ” ، وافكار فلسفية ” الفكرة أعمق بكثير من محاولة سريعة للإحاطة بها ، بل أستطيع القول بأن مزيدا من البحث والتفكير لا يقود إلا لمزيد من لضباب والعتمة ” – ص 158 ” ، ورؤى ايديولوجية  ” أنا رجل حر ، لا يردعني فكر أو منهج معروف ، ولا يحدد سلوكي غير ما أجده متجانسا مع هدفه وأساليبه – ص 148 ” ، وتصورات وجودية  ” ما أجمل الغرق في لحظة وئام مع امرأة في سرير ، وما أحلى أن تكون قادراً على الإحساس بالجمال والرضا في وجبة طعام أو سفرة أو صفقة – ص 148 ” ، مطروحة في هذه الاوراق ، على حين يرتبط ثانيهما بالعلاقة بين ينار بوصفه مثقفا ومواطناً عراقياً وأشكال السلطة السياسية التي تجسدت في حكومة الظل ، ويتأسس التشكيل السردي لهذه الرواية على مجموعة من التقنيات السردية التي استمدها الروائي وتعامل معها بطريقة فنية جعلت منها تقنيات فاعلة في بنية الشكل ، منها الاشتغال على عملية المناوبة بشكلها المتداخل السلس بجمالية .

   يبدأ الفصل الثاني بمجموعة اوراق ، مكتوب في اعلى الصفحة الاولى 🙁 أوراق مبعثرة لم أمتلك يوماً القدرة على اتلافها ) ، ونحن بدورنا نتساءل : لماذا لم يستطع اتلافها ؟ وهل هناك سبب نفسي في عدم اتلافها أو سبب آخر ؟ ، منذ بداية الفصل يظهر لنا ينال والمؤلف الضمني مع تأكيد بانه زير نساء من الطراز المخيف ، فيقول :

كل اللواتي عرفتهن ، أفضل مني ، كلهن أوضح مني ، صادقات ، متفانيات ، يعرفن بالضبط حدود القلب ، وجنون الحب ..لماذا اخفق إذاً في إقامة علاقة صحية مستمرة خارج الزلازل التي تعصف بي ؟ ولماذا يكون الارتباط أشبه بهاوية او مغامرة في الظلام ؟ ماذا يجدن في إنسان متردد ، متقلب ، لا يكاد يثبت على رأي او قرار ؟ ص 25/ 26 ” .

لنقرأ مقطع ثاني ، لكي تتوضح الصورة اكثر ، ولكي نعرف رؤيته للأشياء وتعامله مع الاخرين ، وما هي افكاره ؟ وكيف ينظر للمرأة ؟ وكيف يعمل مقارنة مع الاشخاص الذين يدعون الاخلاق والعفة والتدين مع فتيات الليل :

” فكثير من فتيات الليل اللائي عرفتهن في أوقات كثيرة ، وأجهل كل شيء عنهن ، ونسيت أسماءهن ، كن يتمتعن بصحة نفسية اكثر من  العديد من الشخصيات التي لا تكل من تكرار المفاهيم الأخلاقية ، ولا يخلو كلامها من مفردات القيم العالية ، والمعايير الدينية – ص 126 ” .

كان مترجماً في إحدى القنوات الفضائية ، فصل من عمله ، نتيجة ترجمته تقرير نشرته صحيفة اميركية يتكلم ، عن الفوضى السائدة والسلاح المنفلت عند المليشيات ، وتناول الوضع الداخلي في العراق ويصفه بالكارثي ، ويشير الى قادة احزاب وكتل سياسية ، وعلى أثر ذلك ايضاً ، يختطف ويعذب ، وفي اثناء التعذيب وهو شبه غائب عن الوعي ، يجعلوه يبصم على توكيل لاحدهم في بيع املاكه ، واخيرا يجد نفسه قد قذف في بركة يتجمع فيها مياه الصرف الصحي ، بعدها يخرج هاربا من العراق ، وهو يتسأل ً بحرقة موجعة مع نفسه :

” أسمع عن جرائم متنوعة في العالم أجمع ..

أسمع عن قتل وخطف وتعذيب وابتزاز وانتقام وتصفية مصالح ، ولكنني في الاقل لم أسمع في الألفية الثالثة عن مجرمين يفعلون كل ذلك وهم يحملون عناوين ومناصب حكومية في الدولة ، أو انهم يتمتعون بإمكانياتها ووسائلها ، إلا في بلدي ..

إنه صراع من نوع آخر صراع بين الدولة واللا دولة ، وابطال اللادولة يستخدمون إمكانات الدولة في صراعهم لتقويض الدولة ،هذا لا يحدث إلا في بلدي – ص 37 ” .

    كلما تقدمنا في قراءتنا للرواية ،  نعثر على تساؤلات كثيرة مبثوثة بين السطور ، تدور حول : الذات ، والاخرين ، والعالم ، والمحنة التي يمر بها العراق ، في الوقت ذاته يعمل امجد توفيق على دفع القارىء / الناقد الى خضم  هذه التساؤلات المختلفة : فلسفية –  فكرية – وجودية – اخلاقية ، من اجل استفزازه وتحفيزه على التفكير بها ، بل والعمل بشدة على مواجهتها ، وفي تعمقنا هذا ، نكتشف بأن شخصية ” ينال ”  عبارة عن ” جمرة أسئلة ” ، مع عشقه للنساء البيضاوات ، وحبه الطاغي للطعام . أو بالأصح يحب الحياة بكل تفاصيلها بكل الوانها بكل تناقضاتها بكل عيوبها ، فهو ابن لحظته .

” ما الحل ؟

لا شيء سوى قانون قوي عادل ذي قدرة وفعالية على الحضور دون أي اعتبار يحد من حركته أو قوته . قانون لا يمنح أحدا حق الاعتراض عليه ذلك لأنه صمم للجميع ويطبق على الجميع – 47 ” .

وإن الصورة لا تكتمل لـ شخصية ” ينار ” الا باستعراض نساء الرواية جميعهن ، وما هي علاقته بهن ؟ ، تنقسم نساء الرواية الى فئتين بالنسبة اليه ، نساء الفئة الاولى ، العشيقات : الرومانية روكسانا تاجرة السلاح ، الطالبة الفنلندية سانا التي تعمل في نادي ليلي ، ، بالإضافة الى العشرات من النساء اللواتي عندما يكن معه يصبحن في السرير عاريات بدون ورقة التوت ، لا يتذكر أسماءهن ، لكنه يتذكر اجسادهن المروضة على الجماع والاجتماع ، وهذا نموذج لمغامراته مع زوجة مسؤول كبير ” أدخلتها في غرف الضيوف ، ولم أخرج من الغرفة إلا بعد أن شهد السرير المزدوج ممارسة فيها من الجدة والجمال والرغبة في إشباع الآخر ما يكفي بأن أهتف في وجه الزمن يكفيني انني انتصرت وأخذت استحقاقي – ص 130 ” . اما الفئة الثانية فهن الزوجات : ام فيصل – ام لمار – ام تنال ، زميلته في جامعة بغداد ” منال ” والتي خرجت هي وعائلتها من العراق الى تركيا ، لأن ابيها ضابط سابق محسوب على النظام البائد هدد بالقتل من قبل جهة مسلحة ، وهذه العلاقة بقت للأخير علاقة زمالة واحترام . من هذا نكتشف أن السيرة الذاتية تكتب الذات ” بوصفها نصاً ، وعملية إنتاج السيرة الذاتية هي كتابة للذات بوصفها نصّاً . وبتعبير آخر ، يُنقّش جدل الشخصية بوصفه نصيّة . فكتابة الذات هي فاعلية تحاول الذات من خلالها أن تصف نفسها . وهذا الوصف هو نصيّتها . ووصف كهذا يقترب من القصّ ، رغم أنه سيتضح أن الذات لا تصف نفسها تماماً ، ولا تقصّ نفسها تماماً . ومع ذلك ، فإن هذه الفعالية ، أي النقش ، والكتابة ، والسطح البينيّ القائم بين الوصف والقصّ ، هي نصيّة السيرة الذاتية . إن عملية إنتاج السيرة الذاتية هي عملية نصيّة ، ونصيّتها هي دلالة سِيريّة ، أي فعلاً أو عملية لتنصيص الذات المنصّصة ” 6 .

من مفارقات رواية ” ينال ” هي كيف اصبح ينال تاجر أسلحة ؟ ، من خلال مشهد سردي يتصف بالعذوبة والجمالية الهادئة ، عندما يقوم ” أمجد توفيق ” بأخذ القارىء دون أن يحس أو يشعر وبكل سلاسة الى داخل المشهد ( من صفحة 80 الى صفحة 85 ) ، وليشاهد ماذا فعلت له الترجمة التي كانت عليه في العراق لعنة ونقمة ، لتصبح في باريس نعمة وثراء فاحش ، ولتفتح له كل ابواب الحظ . وذلك على يد ابو زوجته ليلى الوزير اللبناني السابق .

  منذ بدايات الرواية ، كان الموت يتجول ، عندما يفقد ينال ابواه حياتهما بحادث اصطدام ، يعبر عن ذلك بجملة مؤلمة فيها الكثير من السخرية ” ها هو ينال الذي هو أنا ينال ثروة مغمسة بدم أمه وأبيه – ص 28 ” ، بل وكان ينال يرسل للقارىء اشارات خفية حول موته وكيف سيكون ! .

*” أنا لا أعرف إن كنت سأموت بسبب مرض ما ، أو نتيجة حادثة دهس سيارة ، أم تماس كهربائي ينتج عن جهلي في استخدام الأجهزة المنزلية ، أو طلقة طائشة أو مدبرة ، أو طعنة خنجر ، أو سقوط طائرة ، أو غرق في بحر أو نهر ، أو سقوط صاروخ أهوج ، أو انفجار كاسح يحدث بسبب أو بدونه – ص 28 ” .

* ” في وقت متأخر من ليلة جميلة سألتني :

– كيف تتصور موتك ؟

أجبتها دون تفكير أو تردد :

-لا أتصور موتي إلا منتحراً. ص 151 ” .

هذه كانت أجبته عندما سألته الرومانية روكسانا كيف يتخيل سيكون موته ، اذا كان اللاوعي حاضرا بقوة في الاجابة : منتحراً . بمعنى في دواخله قد بيت ذلك مسبقاً .

   وللدلالة على ذلك ، أنه كان قد حزم أمره على الانتحار ، وهذا ما جاء في رسالته التي ارسلها الى الروائي / المدرس المتقاعد ابو فيصل في ، والطلب منه في اكمال الرواية التي هي على قيد الانجاز في إعادة صيغتها وتصحيح فقراتها لكي تكون جاهزة للطبع بعد موته  ، ” رسالة ستصلك قريبا تتضمن دعوتك الى باريس لمناقش وضع يحتاج رأيك ، وعلي أن اعتذر منك لأنني لن أكون في استقبالك – ص 146 ” . وذلك ليكون حاضرا عند قراءة وصية ينار ، للفقرة التي تتعلق به والتي هي رصد ينال مبلغا كبيرا لإنشاء دار أيتام ومدرسة ملحقة به ، وسيكون الوصي الوحيد عليهما .

    يبقى لغز انتحار ” ينال ” الى الأخير غير معروف لا للقارىء ولا لــ ابو فيصل ، لترسم علامة استفهام كبيرة عند الجميع ، ولا أحد يستطيع معرفة الاسباب ، هذا كله يجعل النص الروائي ، نصا مفتوحا ، كما يرى أمبرتو ايكو ، الذي هو القابل للتأويلات ،  والمجدد للمعاني المختلفة ، والقراءات المتعددة ، بما تحمله من رموز ودلالات عملت على تشكيل بنية النص ، وعملت على تأسيس علاقة جدلية متبادلة بين القارىء وبين بنيات النص .

  وفي ذلك يرى باختين أن جنس هكذا رواية ، شكل جمالي ، وهي لحظات جمالية ، وهذه اللحظات – الجمالية باقية فيها ما دامت الاشكال الجمالية باقية . وتعطي للمتذوق الشعور بالجمال عبر الازمنة ، ورغم أن اللحظة الجمالية تستحوذ على الصفة المستقبلية دائماً ، لأن الرواية هي اساساً نص مستقبلي وذلك لأن القراءة دوماً تحمل في طياتها لحظة تعمل على فتح بوابات الزمن الآتي ، لذا فان اللحظة الحقيقية في الواقع ، هي غير اللحظة المتخيلة في الرواية ، ولا يمكن أن تتطابق اللحظتان 7 .

ارقد بسلام

ولتهدأ جمرة أسئلتك . ص 172 .

الهوامش والاحالات

*أمجد توفيق – ينال ( رواية ) ، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق ، بغداد / العراق ، 2022م .

1- ميخائيل باختين – الكلمة في الرواية ، ترجمة : يوسف حلاق ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق / سوريا ، 1988م ، ص 61 .

2- فاتح عبد السلام – الحوار القصصي : تقنياته وعلاقاته السردية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت / لبنان ، 1999م ، ص 14 .

3- م . ب . باختين – قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي ، ترجمة : الدكتور جميل نصيف التكريتي ، مراجعة : الدكتورة حياة شرارة ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد / العراق ، 1986م ، ص 365 .

4- فاتح عبد السلام – الحوار القصصي ، ص 14 .

5- هانز جورج غادامير – الحقيقة والمنهج :  الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية ، ترجمة :د حسن ناظم و علي حاكم صالح ، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع ، طرابلس / ليبيا ، 2007م ، ص 181.

6- ج . هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية ، ترجمة : د حسن ناظم و علي حاكم صالح ، المركز الثقافي العربي ، بيروت / لبنان ، 2002م ، ص 140 .

7- أسامة غانم – جدلية التجربة الجمالية والزمان في الرواية العربية ، مجلة الرافد الاماراتية ،العدد 61 سبتمبر 2001 ، ضمن ملف العدد الخاص / الرواية العربية .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close