تطبيع العلاقات بين غزة ودمشق.. الأسباب والدوافع

تطبيع العلاقات بين غزة ودمشق.. الأسباب والدوافع

تصريحات عديدة أطلقها مسؤولون حركة حماس مفضلين عدم الكشف عن هوياتهم، لوكالات الأنباء العالمية الرئيسية، تعلقت ب خبر عودة العلاقات بين حماس والنظام السوري، بعد 10 سنوات من القطيعة التي كان سببها موقف حماس من الثورة السورية لتطرح بعدها العديد من الأسئلة حول الغايات الرئيسية من هذا التطبيع خاصة مع تعالي الأصوات الرافضة لاستئناف عودة العلاقات بين الحركة ونظام بشار الأسد.
تاريخ العلاقات
عرفت العلاقة بين حماس والنظام السوري مدا وجزرا بين ضرورة ما تقتضيه الظروف الاقليمية وحاجة دمشق للتواجد في المشهد الفلسطيني، وعلى مدى العلاقة ساد نوع من عدم الارتياح الذي سجله النظام السوري على اعتبار أن حماس جذورها اخوانية مما شكل تهديدا على النظام السوري آنذاك الذي كان يواجه الاخوان السوريين بشراسة، وبعد سنوات من الجفاء حاول حافظ الأسد الانفتاح في العلاقة مع حماس في سنواته الأخيرة، خشية من العزلة الدولية بعد اتفاق أوسلو عام 1993.
وبعد وفاة حافظ الأسد، سارت العلاقة بين حماس ونظام بشار الأسد بوتيرة سريعة، و ارتبطت بشكل ما بظروف الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، وعدوان “إسرائيل” على غزة عام 2008، ورغبة النظام السوري في الاقتراب من المشهد الفلسطيني عبر كافة اطيافه من أجل الحفاظ على ما تسميه دمشق محور المقاومة .
وخلال تلك الفترة استفادت حماس من النظام السوري، كما استفاد هو منها حيث مكنها ذلك من فتح مقر لها في دمشق، حقق لها استقرار سياسي نسبي إلى جانب الدعم المادي من قبل الشعب، في الجهة المقابلة تم ترسيخ مزاعم نظام الأسد لمشروعه كـ “مدافع عن القضية الفلسطينية” إلى جانب إيران.
وجاء موقف حماس من الثورة السورية التي اندلعت سنة 2011 ليعصف بالعلاقات التي كانت فاترة في الأصل و ذلك، عندما أصدرت “حماس” أول بيان لها مؤكدة فيه وقوفها إلى جانب سوريا شعباً وقيادة.
من جهة اخرى كان رد النظام باقتحام مكاتب حركة حماس في دمشق، بعد عدة أشهر من مغادرة خالد مشعل سوريا، وفق ما أكّدت الحركة في بيان لها. وأشارت الحركة إلى أن النظام داهم المقر وجرده من محتوياته وغير أقفاله وصادر السيارات الخاصة به.
وفي أعقاب ذلك هاجم تلفزيون النظام السوري، رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، بشكل لاذع، ووصفه بـ “المقاوم المشرد واليتيم الذي كان يبحث عن ملجأ يأويه قبل أن تفتح دمشق أبوابها”.
بالمقابل، رفع خالد مشعل علم الثورة السورية في قطاع غزة في 8 كانون الأول عام 2012، في تأييد علني وواضح للثورة السورية.
كل تلك المواقف بين الفعل ورد الفعل نسفت العلاقة مع نظام الأسد وانعكست سلباً في علاقة “حماس” مع إيران، وجعلها أكثر قرباً من تركيا التي بدت داعمة لثورات الربيع العربي عموماً والسورية خصوصاً.
استئناف العلاقات
و بعد 10 سنوات من القطيعة، انتشرت العديد من التصريحات التي لمحت بشكل مباشر وغير مباشر لقرب عودة العلاقات، وكان وراء هذه التصريحات مسؤولون في حركة حماس لوكالات الأنباء العالمية حيث قال مسؤول بالحركة لرويترز طلب عدم الكشف عن هويته، إن “الطرفين عقدا لقاءات على مستويات قيادية عليا لتحقيق ذلك”، مبينا أن “حماس اتخذت قرارا بالإجماع لإعادة العلاقة مع سوريا”.
من جهة اخرى أوضح مسؤول رفيع المستوى في الحركة فضل عدم الكشف عن هويته لفرانس برس، أن “الاتصالات مع سوريا في تحسن وفي طريق عودتها بالكامل إلى ما كانت عليه”، وهو التصريح الذي أكد زيارات قادة حماس إلى العاصمة دمشق لتمهيد الطريق للتطبيع.
كما قال مصدر اخر من حماس فضل عدم الكشف عن هويته للأناضول، إن “تطورا جوهريا طرأ أخيرا على جهود استعادة العلاقة مع النظام السوري، تمثل بموافقة الطرفين على إعادة فتح قنوات اتصال مباشر، وإجراء حوارات جدية وبناءة، تمهيدا لاستعادة العلاقات تدريجيا”.
وأوضح المصدر، أن قيادة “حماس” لم تكن تمانع في “كسر الجليد بينها وبين النظام السوري”، انطلاقاً من “حرص الحركة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف العربية، بما يخدم القضية الفلسطينية”.
وكشف المسؤول في الحركة إلى الجهود المضنية، التي بذلتها قيادة حزب الله اللبناني خلال الشهور الأخيرة، للوساطة بين الطرفين، أفضت إلى “منحها الضوء الأخضر لاتخاذ خطوات عملية، من أجل تقريب وجهات النظر بين النظام والحركة”.
وأشار نفس المصدر إلى أن لقاء عقد مآخرا بين زعيم حزب الله، حسن نصر الله، ومسؤول بارز في “حماس” لم يتم الكشف عن اسمه، جرى خلاله الاتفاق على عدد من النقاط التي من شأنها أن تمهد الطريق لعودة العلاقات بين حماس والنظام السوري.
الأسباب والدوافع
في خضم ما يتداول عن تطبيع العلاقات بين حماس والنظام السوري، طرحت العديد من الأسئلة حول الأسباب والدوافع وراء هذه الخطوة المفاجئة حيث يرى المحلل السياسي الفلسطيني شرحبيل الغريب أن “قصة عودة العلاقات بين حماس وسوريا ليست جديدة، وأنه بجهود سابقة من إيران وحزب الله، عقدت لقاءات أكثر من مرة لكنها كانت تصطدم بعدم نضوج الرؤية النهائية للعودة إلى دمشق”.
ففي حديثه مع موقع TRT  عربي، يعتقد الغريب أن الخبر الذي سُرّب إلى وكالات الأنباء “جاء بعد قراءة متأنية للمشهد وحالة الاصطفافات الجديدة التي تتشكّل” ورجع  تلك الخطوة إلى أن “استراتيجية حماس تتمثّل في استثمار أي علاقة لخدمة القضية الفلسطينية.”
وأوضح أن “هذا القرار ربما يأتي ترجمة لرغبتها المتكررة في طيّ صفحة الخلاف عبر إرسال رسائل إيجابية في إدانة ضمّ الجولان والقصف الصاروخي الإسرائيلي على سوريا”.
في ما طرح المحلل الفلسطيني سيناريو آخر هو أن حماس قرأت المشهد من جهة أخرى في ظل التحول التدريجي لإقامة عدد من دول المنطقة علاقات مع إسرائيل. ويعتقد أن “حماس ليست في بحبوحة أي لا خيارات كثيرة لديها من علاقاتها العربية والإسلامية في ظل تصاعد حالة التطبيع مع إسرائيل، وسوريا في هذا الاعتبار كانت تشكّل لها أرضية مهمَّة للمقاومة”.
من جهة أخرى يقول الكاتب السوري، أحمد الدرزي، على موقع “الميادين” (المحسوب على حزب الله) إن حماس، كمقاومة وليس كسلطة، باتت بأمس الحاجة للعودة إلى دمشق، “ففي ذلك حسم لخياراتها الداخلية، وتعزيز لدورها الكبير في محور يتجهز للمواجهة الكبرى القادمة، وهي بهذه العودة تؤمن ظهرها، بعد أن دفعت ثمنا غاليا، من خلال رهان بعض قادتها على المتغيرات الدولية المتأهبة لقدوم الإسلام السياسي إلى سدة الحكم…”.
بينما على الجانب السوري فإنه “تعزيز لمكانة دمشق في الصراع الإقليمي والدولي الكبير، واستعادة لجزء من دورها الإقليمي المفقود، وهي بحاجة ماسة لكلّ مصادر القوة، كما أنها بأمس الحاجة لتغيير مسارات الداخل الذي ينسلُّ من بين أصابعها”، وفق تعبير الكاتب.
أصوات رافضة
وعقب خروج تصريحات إعادة العلاقات بين حماس والنظام، تعالت الأصوات الرافضة لهذه العودة حيث لقي الخبر تفاعلاً كبيراً من قبل شخصيات سورية وفلسطينية وعربية، بينها قيادات سابقة في حماس، استنكرت هذه الخطوة، معتبرة أنها غير مبررة، ولا تفيد الفلسطينيين، إنما تدور في ظل الحليف الإيراني.
من جهة اخرى أصدر ثمانية علماء معظمهم ينتمون إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين السبت بيانا نصحوا فيه وفد حماس بمراجعة قرار استعادة العلاقة مع النظام السوري بسبب ما يترتب عليه مما وصفوه بـ”مفاسد عظيمة”
وأكد الوفد لقاءهم بقيادة المكتب السياسي لحركة حماس “للاستماع منهم مباشرة حول ما يتعلق بقرارهم الخاص باستعادة العلاقة مع النظام السوري والقيام بواجب النصيحة”، وذلك في إشارة إلى الاجتماع الذي انعقد في الثالث من يوليو بمدينة إسطنبول التركية، فيما لم يصدر عن حماس أي تعليق فوري عن البيان.
من جهة أخرى أصدر المجلس الإسلامي السوري المعارض، بيانا كشف فيه أن اللقاء مع قيادة حماس، جرى “لأجل غرض واحد وهو تنبيه الحركة بغرض ثنيها عن قرار إعادة علاقتها بالنظام السوري المجرم”. حسب تعبيرهم
وفي هذا الصدد لفت البيان إلى أنه خلال هذا اللقاء جرى “إيصال رسالة واضحة من علماء العالم الإسلامي عموما والمجلس الإسلامي السوري”.
ومفاد تلك الرسالة أنه “إن لم تستجب الحركة لطلب العلماء فسيصدر المجلس الإسلامي السوري بيانا مفصليا حول هذا القرار الخطير، وكذلك شأن سائر العلماء الذين ما زالوا ينتظرون الجواب”.
وفي اللقاء تم التأكيد على “خطورة قرار حماس إعادة العلاقة مع النظام المجرم”. وأكد المجلس الإسلامي السوري، أنه “يزن مواقف الدول والجماعات والأفراد قربا أو بعدا بميزان الثورة السورية العادلة ضد نظام طائفي مجرم”، وفق البيان.
إيران الرابح الأكبر
بين المد والجزر رجحت العديد من التقارير أن تطبيع العلاقات بين حماس والنظام كان من تخطيط إيراني حيث أصدر مركز “جسور للدراسات” دارسة أكدت أن توجه حركة حماس نحو النظام، هو تقدير الموقف الأسوأ في تاريخها السياسي من حيث الاتجاه والتوقيت.
حيث تُمثل إيران عرّاب إعادة التطبيع بين حماس والنظام، ويُمكن اعتبارها الرابح الأساسي، وربما الوحيد في الوقت الراهن من هذا التطبيع المزعم.
وفي هذا الصدد أشار المركز إلى أن إيران تسعى من خلاله لجمع حلفائها في معسكر واحد، فالسَّرْدِيّة الإيرانية للأحداث تملك ترابُطاً لا يشوّهه إلا ابتعاد الحليفين السوري والحمساوي عن بعضهما البعض. كما أن الشقاق بين هذين الحليفين يُضعِف من قدرة إيران على تسويق النظام بشكل خاصّ، وتبرير سرديتها بشكل عامّ، على المستوى الشعبي.
ورأى المركز أن الدافع الأساسي للحركة في تطبيع العلاقة مع النظام وقبولها بالشكل الاعتذاري لعودة العلاقة، يندرج ضِمن استجابة مباشرة لطلب إيراني، خاصة مع ارتفاع تأثير الجناح القريب من إيران داخل الحركة.
ويُشبه الدافعُ الرئيسي للنظام في إعادة العلاقة مع حماس ذلك الدافعَ الذي تملكه الحركة، وهو الاستجابة للضغوط الإيرانية، فإيران هي الداعم الرئيسي للنظام، مثلما هي الداعم الرئيسي لحماس ولها مصلحة من عودة محور المقاومة في هذا التوقيت بالذات الذي يعرف فيه الملف النووي الايراني تقدما يسبب الاحراج والتوتر لاسرائيل ومن هذا المنطلق تسعى ايران لاعادة التموضع من خلال اعادة تشكيل اوراقها مع خصوم اسرائيل .

بشرى حفيظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close