“فيك فيك”.. تقرير يكشف “وسائل خبيثة للقضاء على المعارضين” في المغرب

هيومن رايتس ووتش قالت إن السلطات المغربية تسعى لـ”إسكات” المعارضين بتكتيكات “معقدة” 

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير نُشر، الخميس، إن السلطات المغربية تستخدم “تكتيكات احتيالية وملتوية” لإسكات النشطاء والصحفيين المنتقدين للنظام، من بينها المراقبة والمحاكمات “الجائرة” والتخويف وتوجيه تهم بالاعتداءات الجنسية.

وقالت لما فقيه، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، في بيان مصاحب للتقرير: “تستخدم السلطات المغربية منظومة من التكتيكات الاحتيالية لقمع المعارضين بينما تسعى جاهدة للحفاظ على صورة المغرب كدولة تحترم الحقوق. على المجتمع الدولي أن يفتح أعينه، وأن يرى القمع على ما هو عليه، وأن يطالب بوقفه”.

وفي التقرير الصادر في 99 صفحة، بعنوان “’فيك فيك‘ (سينالون منك مهما كان)- دليل أدوات قمع المعارضة في المغرب”،  وثقت المنظمة هذه التكتيكات، وقال إن هدفها “ليس إسكات الأصوات المعارضة فحسب، بل أيضا ترهيب كل المنتقدين المحتملين”.

ولم يتلق موقع الحرة ردا من السفارة المغربية في العاصمة الأميركية، واشنطن، بعد التواصل معها بشأن ما جاء في التقرير.

وكان  وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، رد على سؤال في البرلمان حول “ممارسات بعض المنظمات الحقوقية الأجنبية” بالقول إن المغرب “يقبل بملاحظاتها لكنه يرفض استغلال تقاريرها بسوء نية”.

وكانت الرباط قد اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش “بالانخراط في حملة سياسية” ضد المملكة.

وقال تقرير المنظمة الصادر الخميس: “طورت السلطات المغربية وصقلت مجموعة من التكتيكات لإسكات المعارضة، بينما تدعي أنها لا تعدو كونها تطبق قوانينها الجنائية بشكل محايد”، مشيرة أيضا إلى أن بعض التكتيكات يصعب ربطها بالدولة.

وقال إريك غولدستين، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “هذه وسائل خبيثة تستخدم للقضاء على بعض المعارضين الصريحين القلائل المتبقين في البلاد”.

وتشمل التكتيكات “محاكمات جائرة، وأحكام سجن طويلة بتهم جنائية لا علاقة لها بالتعبير، وحملات مضايقة وتشهير في وسائل الإعلام الموالية للدولة، واستهداف أقارب المعارضين، والمراقبة الإلكترونية، والتصوير السري، والاعتداءات الجسدية”.

ومن أبرز الأمثلة الصحفي الاستقصائي المستقل عمر الراضي (33 عاما) الذي اعتقل قبل عامين، والذي اشتهر بفضح فساد الدولة والدفاع عن المتظاهرين.

وتم استهداف راضي في حملة تشهير من قبل وسائل الإعلام الموالية للدولة، وتمت مراقبته من خلال برنامج التجسس “بيغاسوس” وأدين بسبب تغريدة.

وفي يوليو 2020، اتهمت حفصة بوثر، زميلة الراضي السابقة في موقع Le Desk الإخباري، راضي بالاغتصاب، بينما قال هو إنهما مارسا الجنس بالتراضي.

واعتقل في 29 يوليو 2020 وقضى عاما رهن الحبس الاحتياطي “دون مبرر”، قبل أن تدينه محكمة في 19 يوليو 2021 بالاعتداء الجنسي والتجسس، وحكمت عليه بالسجن ست سنوات. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم في 3 مارس 2022، ولا يزال مسجونا.

جرائم جنسية ومالية

ويقول التقرير إنه منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، اتهمت السلطات المغربية ولاحقت بشكل متزايد الصحفيين والنشطاء البارزين بارتكاب جرائم لا علاقة لها بالتعبير، بما في ذلك جرائم تتضمن علاقات جنسية بالتراضي.

وفي أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، بدأت السلطات في محاكمة منتقديها على جرائم خطيرة مثل غسل الأموال، أو التجسس، أو الاغتصاب، أو الاعتداء الجنسي، وحتى الاتجار بالبشر.

وبعد فحص 12 ملفا قضائيا من هذا النوع تخص معارضين، وجدت هيومن رايتس ووتش أن السلطات “انتهكت” الحق في المحاكمة العادلة، وحقوق معارف المتهمين وشركائهم وعائلاتهم.

ويشير إلى حالة عفاف برناني، التي اتهمت الشرطة بتزوير محضر لأقوالها، الذي يبدو أنها تؤكد فيه تعرضها لاعتداء جنسي من قبل مديرها السابق توفيق بوعشرين، مؤسس صحيفة “أخبار اليوم”، وهي “آخر صحيفة يومية ناقدة مطبوعة في المغرب”.

“اغتيال رمزي”

ونفت برناني بشدة أنها وجهت مثل هذا الاتهام. وحُكم على بوعشرين لاحقا بالسجن 15 عاما، في 2019، بعدة تهم بالاعتداء الجنسي، بينما فرت برناني إلى المنفى.

وقالت لأحد الصحفيين: “أدركت السلطات المغربية أن اتهام شخص ما بجريمة جنسية هو اغتيال رمزي فعال. فهو يحرم الأشخاص المستهدفين من التضامن الدولي ويتركهم منبوذين، حيث يتجنبهم الأصدقاء والأقارب حرجا أو خوفا أن يوضعوا معهم في نفس الكفة”.

وأدانت محكمة الصحفية، هاجر الريسوني، بممارسة الجنس خارج نطاق الزواج مع خطيبها وبالإجهاض غير القانوني، وأدين الصحفي هشام المنصوري بالزنا مع امرأة متزوجة أدينت أيضا، في حين أن تهم ممارسة الجنس خارج إطار الزواج والإجهاض في حد ذاتها، وفق المنظمة، “تنتهك حقوقا مثل الحق في الخصوصية والصحة وعدم التمييز”.

ويشير التقرير إلى أن الريسوني قالت إن استهدافها لم يكن ردا على أي سلوك صدر منها، بل كان وسيلة للنيل من أسرتها، مشيرة إلى أنه عند استجوابها، تركزت الأسئلة على عميها، عالم الدين أحمد الريسوني، والصحفي سليمان الريسوني، وكلاهما يعتبران من المنتقدين البارزين للنظام المغربي.

وتقول المنظمة إن الملاحقات القضائية بتهم جنائية غالبا ما تكون “هجمات سياسية مقنعة على النشطاء”.

وتشير إلى “لائحة العيوب التي تشوب تعامل الدولة مع هذه القضايا، في مرحلتي ما قبل المحاكمة والمحاكمة على حد سواء” مثل الحبس الاحتياطي المطوّل دون مبرر حقيقي، ومنع المعارضين المسجونين من الاطلاع على ملفات قضاياهم، ورفض المحاكم استدعاء الشهود الذين طلبهم الدفاع.

المراقبة الرقمية ودور إعلام “المخزن”

ويشير التقرير إلى استهداف الهواتف الذكية لخمسة صحفيين مستقلين ونشطاء على الأقل، من بينهم الراضي وبوعشرين والريسوني، وكذلك العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم فؤاد عبد المومني، والمحامين مثل عبد الصادق البوشتاوي، وربما آلاف الأشخاص الآخرين، ببرنامج التجسس “بيغاسوس” بين 2019 و2021.

وفي العام الماضي، أظهر تحقيق نشرته في 18 يوليو 17 وسيلة إعلامية دولية أن برنامج “بيغاسوس” الذي طورته شركة “أن أس أو” الإسرائيلية، سمح بالتجسس على مئات السياسيين والنشطاء والصحفيين في عدة بلدان بينها المغرب.

لكن الحكومة المغربية نفت بشدة هذه الاتهامات ورفعت دعاوى قضائية في فرنسا.

ويقول تقرير هيومن رايتس ووتش إن عبد المومني تعرض أيضا للمراقبة بالفيديو. وفي 2020، أرسل مجهول على واتساب ستة مقاطع فيديو قصيرة تظهره ورفيقته (تزوجا في العام التالي) في وضعية حميمية في مكان خاص إلى العديد من أقاربهما.

ويشير التقرير إلى “حملات التشهير” في وسائل الإعلام التابعة لما يعرف في المغرب باسم “المخزن”، وهو مصطلح يشير إلى شبكة أصحاب السلطة المرتبطين بالملك من خلال الولاء والمحسوبية. ومن بعض النواحي، يمكن مقارنة المصطلح بعبارة “الدولة العميقة”.

وفي هذا الإطار، تتولى مجموعة معينة من المواقع الإلكترونية “حملات تشهير واسعة النطاق” ترعاها مصادر “قريبة من القصر الملكي” أو “لها علاقات وثيقة بالشرطة وأجهزة المخابرات المغربية”.

وتتخصص هذه المواقع في إنتاج “سيل” من المقالات تتضمن غالبا “إهانات بذيئة، ومعلومات شخصية بما في ذلك السجلات المصرفية وسجلات الممتلكات، ولقطات من محادثات إلكترونية خاصة، ومزاعم عن علاقات جنسية أو تهديدات بكشفها”.

ومثلا، بعد أن نشرت امرأة بيانا على فيسبوك تدعم فيه الصحفي السجين، سليمان الريسوني، نشر موقع “شوف تيفي” إسمي والديها وتوجهاتهما السياسية، ومعلومات عن الأشخاص الذين صادقتهم، وأماكن لقائها بهم، وذلك على الأرجح كوسيلة لتخويفها بإظهار معرفتهم بمعلومات شخصية عنها.

وبعض المعلومات التي تحصل عليها هذه الوسائل “تكون مفصلة بقدر يوحي بأن الطريقة الوحيدة للتوصل إلى تلك المعلومات كانت المراقبة”.

وقال الراضي لهيومن رايتس ووتش إن بعض المعلومات لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال مراقبة بريده الإلكتروني ومحادثاته على واتساب.

وكمثال على الصلات بين وسائل الإعلام الموالية للمخزن والشرطة، تنبأت وسائل الإعلام تلك بدقة بتاريخ اعتقال الراضي. وأعلن “شوف تيفي” يوم 24 يوليو 2020 أنه سيكون وراء القضبان بحلول 29 يوليو، وهو التاريخ الذي اعتقلته فيه الشرطة بالفعل.

المراقبة الجسدية والتخويف والاعتداء

وقال العديد من المعارضين المغاربة، الذين تمت مقابلتهم، إنهم تعرضوا للتعقب، إما سيرا على الأقدام أو من قبل رجال مجهولين في سيارات مدنية، في أوقات مختلفة ولفترات طويلة.

وقال المؤرخ والحقوقي، المعطي منجب، الذي اتهم بـ”غسل أموال” إن المراقبة الجسدية كانت جزءا من حياته لسنوات، مشيرا إلى سيارات مختلفة كانت تتعقبه أينما ذهب لأسابيع أو شهور متتالية، في الرباط وخارجها، أو كانت تتوقف خارج منزله على مدار الساعة.

وفي 16 يوليو 2014، تعرض هشام المنصوري للاعتداء في أحد شوارع الرباط من قبل رجلين خرجا من سيارة بنوافذ معتمة واعتديا عليه بعنف حتى بعد سقوطه على الأرض، ثم استقلا سيارتهما وفرا.

وفي يوليو 2020، توجه طاقم تصوير “شوف تيفي” إلى منطقة قروية في المغرب لإجراء مقابلة مع مزارع هو أب لصحفية تنتقد الدولة.

وسأل الصحفي الرجل عما سيفعله إذا علم أن ابنته مارست الجنس خارج إطار الزواج، فقال إن ذلك سيكون “مصيبة” وإنها “لن تكون ابنته بعد ذلك”.

وبعد أيام قليلة، نشر “شوف تيفي” مقالة ذكرت فيها اسم الصحفية، وذكرت أنها مارست الجنس مع ناشط حقوقي مذكور بالاسم، وأشارت نفس المقالة إلى تصريحات والدها السابقة.

تكتيكات يصعب ربطها بالدولة

وتقول المنظمة إن بعض التكتيكات، مثل المراقبة السرية بالفيديو في منازل الأشخاص، والاعتداءات الجسدية على الأشخاص المستهدفين، وأعمال الترهيب ضدهم أو ضد أقاربهم، “يصعب ربط مقترفيها بالدولة”.

وقد تكون التكتيكات الأخرى، بما في ذلك إطلاق حملات تشهير ضد المعارضين “لا أخلاقية أو بغيضة لكنها ليست بالضرورة غير قانونية بموجب القانون المغربي”.

ومن الصعب أيضا إثبات أن للدولة دورا مباشرا في هذه الحملات. ومع ذلك، بناء على ما تنشره هذه المواقع، يبدو أنها “متوافقة تماما بل وتعمل أحيانا جنبا إلى جنب مع المؤسسة الأمنية المغربية”.

وهذا الاستنتاج يؤكده أيضا ما لا تنشره: “فهذه المواقع لا تُشهّر أبدا بمسؤولي “المخزن” الأقوياء، ولا تحاول اغتيالهم معنويا”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close