الاستقرار الاقتصادي في العراق و صياغة الدور الاجتماعي للحكومة في ظل تقلبات المتغير السياسي

د. هيثم حميد مطلك المنصور
[email protected]

تستمد الحكومة فاعليتها في ادارة موارد المجتمع من التأثير التبادلي للعلاقة بين علم السياسة وعلم الاقتصاد، على الرغم من التباين التاريخي في طرح الدور الحكومي في الاقتصاد والمجتمع ، ظهر مفهوم الحكومة الحارسة الذي تبنته (المدرسة الكلاسيكية) وحفاظها على وظائفها الثلاث (الامن الداخلي والدفاع والعدل والقيام ببعض الخدمات الاساسية كتعبيد الطرق ومد الجسور) من دون التدخل في الاقتصاد، ووصولا الى ( كينز) وماطرحه من الدور الفاعل للسياسة الحكومية في حركة الاقتصاد عند الازمات ، ومع تطور استراتيجيات ادارة الدولة والاقتصاد، يبرز ثمة دور خاص تمارس فيه السياسة تأثيرا سببيا باتجاه الاقتصاد خارج حدود تلك العلاقة المذكورة يتمثل بالحفاظ على الاستقرار السياسي والرفاهية المجتمعية في الحالات الاستثنائية فضلا عما تقتضيه سياسات الاقتصاد الكلي، اذ يشير (برنارد كريك) الى هذا المفهوم، فيقول ” إذا كانت المشكلة الأساسية للمجتمع هي أن المطالب غير محدودة والموارد محدودة دائمًا، فإن السياسة وليس الاقتصاد هي العلم الرئيسي” ،هنا يتم التركيز على الدور الاجتماعي للحكومة في حماية المجتمع والدفاع عنه وحفظ استقراره المجتمعي عبر تقليل المعاناة الاجتماعية وتعزيز الرفاهية الاجتماعية لغرض حل المشكلة الاقتصادية في اطارها الاجتماعي والسياسي والتي تتمثل في تعدد المطالب ومحدودية الموارد. ليتبلورالمفهوم التدخلي لصالح الرفاهية الاجتماعية حينما تتعرض الى الخطر كخطوة عملية للسياسة الحكومية تجاه عزل تاثير الازمات السياسية على واقع الاقتصاد.
وغير بعيد، تشهد الساحة السياسية في بغداد والمحافظات وبتعقيداتها الاخيرة معضلة كبيرة تتمثل في تقلبات المتغير السياسي الاخيرة وصراعات المصالح بين الخصوم السياسيين وتأثيرها على استقرار الاقتصاد العراقي، على الحكومة ان تواجهها بشكل موضوعي جاد وباسرع ما يمكن، تلك المعضلة التي لها تأثير كبير على مستويات الرفاه الاجتماعي، بما تشكله من محدد حقيقي على أداء وفاعلية السياسة الاقتصادية الكلية للبلاد وانعكاس ذلك في توازن واستقرار السوق المالي والنقدي وتأثيره المباشر وغير المباشر على خارطة الاستثمار والتمويل للشركات المحلية والاجنبية في الكثير من القطاعات الانتاجية.
تشكل تقلبات الصراع السياسي الاخير بتعقيداته وتداعياته متغيرا خارجيا خطرا يتسلل الى مفاصل السياسة الاقتصادية الكلية عبر توقعات افراد المجتمع التشاؤمية وتأثيرها الكبير على اذواق المستهلكين وتفضيلاتهم ومن ثم التأثير على هيكل الطلب الكلي لكل قطاعات الاقتصاد المتصلة بالناتج المحلي الاجمالي ونظام الاسعار والتضخم ، ومنه تهديد الاستقرار الاقتصادي.
في حال استمرار التقلبات السياسية الاخيرة ، نتوقع ان تتسع دائرة تداعياتها في الاجلين القصير والمتوسط على اقل تقدير، لتشمل عمل السياستين المالية والنقدية فتأثيرها على الاولى يتمثل بتداعي تقلب الوضع السياسي ومخاطره على قدرة السياسة الحكومية نحو ادامة مواردها المالية وايراداتها الضريبية نتيجة تأثرها وارتباك عملها بالتوقعات السلبية المتشائمة التي تحد وتشوه من حركة الطلب الكلي وتوظفه طبقا لتقلبات المتغير السياسي الخارجي وبالشكل الذي يحد من التوازن العام بين تياري الحقن والتسرب في دورة الدخل الكلي، ما يشكل عائقا يقلل من قدرتها على ادارة حركة المال والدين العام في ظل اهداف السياسة العامة. ومن الممكن جدا ان يلحق الخطر المذكور ضررا في مفاصل عمل السياسة النقدية عبر التأثير السلبي لتقلبات المتغير السياسي في خفض قدرة السياسة النقدية على اجراءاتها النقدية والمالية للحد من ارتفاع مستويات التضخم ضمن المستهدف بسبب ارتفاع تأثير تلك التوقعات على حركة السوق النقدي والحيلولة دون وقوع تأثير ادوات السياسة النقدية في بلوغ هدفها العام استقرار وتدني معدلات التضخم ومنه انخفاض مستويات الرفاهية المجتمعية من جانب ، وتأثير ذلك على توقعات المستثمرين والانعكاسات السلبية للمناخ التشاؤمي على منحنى الطلب الاستثماري وكفاءته الحدية من جانب آخر.
هنا ، يجب على الحكومة ان تمارس تأثيرها السياسي المنوط بها للدفاع والذود عن استقرار الرفاهية الاجتماعية للبلد ، بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وان تمضي باجراءات سياسية تعمل على حلحلة هذا الصراع جنبا الى جنب مع الجهة التشريعية ومؤسسات الدولة ،واتخاذ ما من شأنه ان يخفف التوتر والاحتقان وكل ما يعيق التيار الدائري والتوازن العام للنشاط الكلي بمختلف القطاعات ،عبر اتخاذ التدابير والاجراءات السياسية التي من شانها الحد من تأثير الصراع السياسي على الرفاهية الاجتماعية من خلال العمل على تخفيض منسوب التوقعات المتشائمة اولاً، وعزل التأثيرات السلبية الناجمة عن الصراع المذكور على عمل السياسة الاقتصادية الكلية وضمان انسيابية حركة عملياتها الاقتصادية واحاطة الانشط والفعاليات ومتغيراتها المتعلقة بها، بكل اشكال الدعم والرعاية الحكومية ثانياً، وتوجيه الاعلام الحكومي لتسليط الاضواء على التأثيرات السلبية للتوقعات التشاؤمية،والعمل على نشر الوعي والراي العام الايجابي عبر وسائل الاعلام المرئي والمسموع والمقروء ثالثاً.
اذن في ظل التقلبات السياسية الاخيرة لابد على الحكومة ان تمارس صياغة فاعلة لدورها الاجتماعي في العمل على عزل سياسات الاقتصاد عن تأثير تقلبات المتغير السياسي لبلوغ الاستقرار الاجتماعي خطوة مؤدية الى الاستقرار الاقتصادي .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close