في رحاب مدرسة الامام الحسين عليه السلام القيادية: أضواء على قيادته المستنيرة

فكرة عامة عن القيادة المستنيرة
يتكون مصطلح القيادة المستنيرة من مفردة القيادة «Leadership» والتي تعني القدرة على التأثير في سوك الاخرين وتوجيههم نحو الهدف، ومفردة المستنيرة «Enlightened» المشتقة من الاستنارة أو النور وتعني الوضوح والرشد والوعي، والشخص المستنير هو شخص هداه الله إلى الخير والحق وحرره من الوهم والاعتقاد الخاطئ، أي هو شخص مثقف وواعي وقادر على تدبير الامور وحكمها، ويتصرف بحذق ومهارة. ومن ثم يقصد بالقيادة المستنيرة «Enlightened Leadership» اسلوب قيادي قائم على الحكمة والبصيرة ووضوح الرؤية، ويتسم القائد المستنير بالرشد والروحانية والذكاء العاطفي والرحمة واحترام الاخرين، وفي ضوء هذا المضمون يمكن أنَّ نبين طبيعة القيادة المستنيرة للأمام الحسين «ع» من خلاله القاء الضوء على سيرته المباركة اثناء رحلته من مكة الى العراق وكما يأتي:
اولاً: الظروف السياسية التي عاصرها الامام الحسين «ع»
واجه المجتمع الإسلامي أبان حكم معاوية بن ابي سفيان وأبنه يزيد انتكاسات وأزمات اجتماعية وسياسية عديدة، ناتجة عن استهتارهما بالقيم الأخلاقية واستخفافهم بها، وممارستهما الظلم والقسوة بحق الرعية، واستبدادهما بالسلطة واحتكارهما للمال العام، وفي هذا الشأن يروى أنَّ ابو ذر الغفاري كان في الشام، وقد قرأ الآية القرآنية «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم» (التوبة الاية:34 ) ، لتنبيه معاوية بضرورة توزيع الأموال بشكل عادل ومنصف بين الرعية، وعدم اقتصار الانتفاع منها على الفئة الحاكمة وحاشيتهم، فأمتعض معاوية من سماع ذلك، وعلى أثر ذلك نفى أبو ذر الغفاري إلى منطقة نائية تسمى الربذة ، وهو صحابي جليل قال فيه رسول الله محمد صل الله عليه واله وسلم: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر»(1).
فضلاً عمَّا تقدم كانت السلطة الحاكمة آنذاك مبتعدة عن روح القران الكريم واحكامه في إدارة شؤون الامة، لدرجة جحود يزيد بن معاوية نبوة محمد صل الله عليه واله وسلم، ونكرانه نزول الوحي عليه، وعبر عن معتقده هذا صراحةً وعلناً بشعره (لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل) (2). أضف إلى ذلك أسلوب وصولهما للسلطة تضمن المكر تارة والخداع تارة أخرى، حيث كان الاتفاق بين معاوية والامام الحسن «ع» وفقاً لمعاهدة الصلح التي ابرمت بينهما أنَ يكون الخليفة الشرعي بعد وفاة معاوية هو الامام الحسين «ع» ، ألا أنَّه نقض المعاهدة وأوصى بأنَّ تكون الخلافة لاْبنُه يزيد، ومن جانب أخر استغلالهما للسلطة بالشكل الذي يخدم مصالحهم الشخصية ويعزز بقائهما فيها، بدلاً من توظيفها من أجل تنمية المصالح الاجتماعية والاقتصادية للرعية، وقد صرح بذلك معاوية بن ابي سفيان بعد نقضه لبنود الصلح مع الامام الحسن «ع» في كلامه الموجه لأهل العراق «إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم»(1)، ونتيجة لتلك السياسات والأساليب التي انتهجها الامويين، وغياب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت الامة الإسلامية آنذاك تعيش أقسى أيامها وأمرّها من حيث تفشي الفساد والانحطاط والضياع والحيرة والضلال.
ثانياً: موقف الامام الحسين «ع» من تولي يزيد بن معاوية الخلافة
في ظل ذلك الوضع المتأزم الذي يزداد سوءاً و تدهوراً يوماً بعد أخر، وتفشي المظالم في كل الأقطار الإسلامية، تحمل الامام الحسين «ع» مسؤولية النهوض ومواجهة الانحراف الحاصل بكل ما أوتي من قوة من اجل تغيير الواقع وتصحيح المسار السياسي، فحين انتقلت الخلافة الى يزيد بعد وفاة أبيه طلب الامويين من الحسين «ع» مبايعته، فرفض ذلك الطلب رفضاً قاطعاً وقال لهم «يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(3) ، ثم اعلن جهاده وثورته على تلك الخلافة الفاقدة للشرعية، وهنا نود أنَّ نبين أنَّ ثورة الامام الحسين «ع» على السلطة الاموية يعًّد تصرفاً مشروعاً وفقاً للأسس الدينية والعرف السياسي وكما مبين في الأسباب الاْتية:
وراثة يزيد الخلافة من أبيه معاوية فعل غير مشروع وفقاً للشريعة الإسلامية ويتنافى مع الثوابت الإسلامية التي أشار اليها القران الكريم في إدارة شؤون الامة من خلال الشورة «أمرهم شورى بينهم». (الشورى: الاية:38)
لا يتطابق ذلك التصرف مع وصية النبي محمد صل الله عليه واله للمسلمين « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»(4) ومع الحديث « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ».(1)
تقصير السلطة الحاكمة بأداء وظائفها اتجاه الرعية من ناحية إقامة العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، وقد بين الامام الحسين «ع» ذلك بقوله «ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه» (5) ويعد وذلك مبرر كافي للمطالب بالإصلاح وتغيير النظام الحاكم.
يزيد متجاهر بالرذيلة في سلوكه الخاص والعام وذلك يتنافى مع قيم واخلاق المجتمع الإسلامي، ايضاً افتقاده للمؤهلات والشروط اللازم توفرها في الحاكم الإسلامي التي اشار اليها القران الكريم ومنها الايمان بالله تعالى واليوم الاخر والعدل والتقوى « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ألله ورسوله ولذين ءَامَنُواْ »(المائدة: الآية :55)

ثالثا: ورؤيته الإصلاحية
امتلك الامام الحسين «ع» المهارات القيادية اللازمة لإداء مهامه، ومنها مهارة قراءة الواقع السياسي وتحليله وتشخيص مشكلاته والتنبؤ به، والقدرة على صياغة رؤية مستقبلية ومهارة التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ تلك الخطط التي تحقق الرؤية، مكنه ذلك الادراك والفهم إعلانه رؤيته التي تحمل شعار الإصلاح، و تؤكد ضرورة استرجاع حقوق الرعية من السلطة التي تتحكم بمقدرات المسلمين وكما جاء في قوله «…أظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله… »(1) ، عبر الامام الحسين «ع» عن رؤيته ورسالته وأهدافه بوضوح للناس والتي تضمنت سعيه الى أحياء شعيرة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الشريعة الإسلامية «أني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآلة أريد أنَ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي» (1) فكان الغرض من رؤيته ومبادئه وأهدافه تنوير الأْمة الاسلامية التي فقدت في عهد يزيد بن معاوية الإرادة والقدرة على الاختيار ، بحيث كانت مصدر ألهام للاْمة الاسلامية سواء أكان في عصره او بعده، وتروي كتب التاريخ توالي الثورات بعد مقتله من قبل التوابين وغيرهم في الأجيال اللاحقة على السلطات الظالمة والى يومنا هذا.
أنَ قدرة الامام الحسين «ع» على رؤية المستقبل مرتكزة على تحليل وأدراك الأسباب الموضوعية والمنطقية للأحداث الجارية في تلك الفترة في حين غاب ذلك الوعي عند الآخرين في عصره، أي ان رفضه مبايعة يزيد نابع من ايمانه وبصيرته وادراكه عواقب سلوكه على حاضر الامة الإسلامية ومستقبلاها، بعبارة أخرى لو اْنَّه قبل بخلافة يزيد يعني ذلك إعطائها الغطاء الشرعي وتأييده لكل ما يصدر منها من اعماله.
من جانب اخر ان الامام الحسين «ع» سبط النبي محمد صل الله عليه واله وسلم وخليفته الشرعي « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا »(1) ومن ثم هو أولى من غيره بتحمل مسؤولية قيادة الامة الإسلامية من الناحية الدينية، أضف الى ذلك أنَ للأمام مركز اجتماعي مرموق بين العرب والمسلمين بحيث أنَ جميع المسلمين كانوا يصلون خلفه في الكعبة المشرفة في موسم الحج، لذا فمسؤوليته الاجتماعية تتطلب منه مواجهة السلطة القائمة الفاقدة للشرعية وما ترتب على ذلك من ظلم اجتماعي.
بالرغم من أنَ الامام الحسين «ع» حفيد النبي محمد صل الله عليه واله وسلم وخامس اصحاب الكساء، ألا انه بين للناس في رؤيته انه يسعى الى أحقاق الحق وليس له غاية أخرى غير نصرة الحق، وطلب منهم نصرة الحق كما جاء ذلك في كلامه «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين». (6) وحث الناس على القيام بواجبهم الديني وتحملهم المسؤولية المتمثلة بوجوب التصدي للسلطة الحاكمة التي تنتهك تعاليم واحكام القران الكريم وتخالف سنة النبي محمد صل الله عليه واله وسلم «من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان» (1). لذا حري بمن يقتدي بالأمام الحسين «ع» وهو القائد المستنير المصلح أنَ يكون قادراً على اجراء تحليل شامل للظروف الداخلية والخارجية وتشخيص نقاط الضعف والقوة ومعرفة الفرص والتهديدات، والقيام بتشخيص مشاكل المجتمع، وبعدها يضع رؤيته وأهدافه الإصلاحية، ويسعى الى تطبيقها على ارض الواقع من خلال اعتماد خطط معينة.
رابعاً: الجهود الميدانية لتطبيق رؤيته على ارض الواقع
اعتقد الامام الحسين «ع» أنَ الحياة الحقيقية تكون في ظل دولة قائمة على العدل والمساوة وتستقي احكامها من الشريعة الإسلامية، وليس في دولة يقودها أئمة الظلالة يتفشى فيها الفساد والانحراف ويظلم في ظلها عباد الله «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً – ملل» (1). لذا ومن اجل تغيير ذلك الواقع نحو الأفضل وتطبيقاً لرؤيته الاصلاحية، كانت له جهود ميدانية على ارض الواقع منها الاتي:
خروجه من المدينة الى مكة ، ولقاءه الناس في بيت الله الحرام وحدثهم عن عزمه في مواجه السلطة الاموية، ووعظهم وذكرهم بالله وباليوم الاْخر، وبين لهم ضرورة مؤازرتهم له في التصدي لتلك السلطة، كونها تعمدت تهميش حقوقهم وتجاهلها ومخالفتها للكتاب والسنة النبوية ، وكذلك وجه كتب ورسائل عديدة للوجهاء في العراق (البصرة) يدعوهم للالتحاق به، من اجل أحياء السنة النبوية واماتت البدعة التي ابتدعها الامويين وكما بين ذلك في قوله «فان السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(7) ، وكانت استجابة العراقيين لدعوته على ثلاثة اقسام ، الفئة الاولى اثرت حب الدنيا على الاخرة وكان الحال كما جاء في حديثه « إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون »(8) فوقفت الى جانب السلطة الاموية ، والفئة الثانية وهم الموالين للأمام الحسين «ع» وكانوا ينتظرون قدومه الى العراق فألقاهم عبيد الله ابن زياد في السجن من اجل منعهم من نصرة الحسين «ع» مثل المختار الثقفي وغيره، والفئة الثالثة وعددهم قليل نسبيا ً وهؤلاء التحقوا بمعسكر الحسين «ع» مثل حبيب بن مظاهر الاسدي وغيره.
كذلك خروجه من مكة الى العراق قبل إتمامه فريضة الحج، أنَ اختيار هذا التوقيت المفاجئ من قبل الامام الحسين «ع» يعود لسببين، الأول من اجل لفت انتباه اكبر عدد من المسلمين الى خطورة الوضع وخصوصاً أنَ الناس تجتمع في مكة المكرمة بموسم الحج، ثانيا من اجل افشال مخطط محاولة اغتياله من قبل اتباع يزيد قبل توجهه الى العراق، كون الامويين يسعون الى القضاء على اهداف ثورته الإصلاحية في مهدها وقبل انطلاقتها، وفي هذا الشأن يروى أنَ الفرزدق الشاعر المعروف سأل الامام الحسين «ع» عن سبب تعجله في الحج فأجابه «لو لم أعجل لأخذت » (9). ومن جهوده الأخرى هي أرساله مسلم بن عقيل الى العراق (الكوفة) للوقوف على حقيقة امرهم والتأكد من ولأهم وجاهزيتهم لنصرته وكما اشارت إلى ذلك رسائلهم «…قد أينعت الثمار وأخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجند؟!»(9).
يبدو مما تقدم أنَ الامام سعى جاهداً في أداء أدواره القيادية و واجبه الشرعي والاجتماعي والإنساني، ووظف كل امكانياته وطاقته ولم يدخر جهد في سبيل ذلك، فشخص الخطر المتمثل بتحول الخلافة الى نظام وراثي، من دون مراعاة الشروط والمؤهلات والمعايير في اختيار الخليفة الذي يقود الامة الإسلامية، و التي أكد عليها القرآن الكريم والنبي محمد صل الله عليه واله وسلم، ونصح بضرورة اعادة تطبيق احكام وتعليمات القران الكريم والسنة النبوية في إدارة شؤون الناس بدلاً من إدارة شؤون الامة وفقاً للاْجتهادات الفردية او حسب اهواء ورغبات السلطة الحاكمة، ووضح للناس أنَ السلطة الحاكمة تعمدت احياء البدعة واماتت السنة مما يتطلب منهم مؤزرته للتصدي لذلك الانحراف، وبين لهم أنَ عليهم السعي لنيل حقوقهم من السلطة الحاكمة التي تنظر للرعية كخدم لها وتوظفهم كيفما تشاء دون حساب ورقابة، وليس مواطنين او مسلمين لهم حقوق وعليهم واجبات، فضلاً عن ذلك احتكار السلطة الحاكمة الأموال التي تأخذها من خلال الجباية لمصالحها الخاصة وتمنع الفقراء من حقوقهم الشرعية.
خامساً: سمات القيادة المستنيرة ومهاراتها لدى الامام الحسين «ع»
1- التساؤل والنقاش والحوار والارشاد:
من سمات القادة المستنيرين محاورة الاخرين ومناقشتهم وطرح التساؤلات اللازمة التي تقودهم الى الحقيقة، وهذا ما قام به الحسين «ع» مع الاخرين، فكانت تحركاته مدروسة ويتعامل مع الناس بمنتهى الحكمة و الحلم والرحمة، فبذل قصارى جهدهِ في دعوةِ الناس إلى الحقّ، ومنحَ النُصْح ليستنقذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة ، فكلم الناس بالموعظة الحسنة وجادلتهم بالتي هي احسن، وكان يقدم الدليل اثر الدليل، والحجة اثر الحجة، على امل هدايتهم وارشادهم ، مثال ذلك خطابه الموجه الى جيش عمر بن سعد « أيّها الناس أسمعوا قولي ، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإنَّ قبلتهم عذري ، وصدّقتم قولي ، وأعطيتموني النصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّي العذر ، ولم تعطوني النصف من أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين »(3).
بالإضافة الى ما تقدم سألهم عن أسباب فرضهم الحصار عليه وعزمهم على قتله «ويلكم على مَ تقاتلونني؟ على حقٍّ تركته؟ أم على شريعة بدّلتها؟ أم على سنّة غيّرتها؟ فقالوا: نقاتلك بغضاً منّا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين. فلما سمع كلامهم بكى، وجعل يحمل عليهم وجعلوا ينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم رجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (7)، مما تقدم يبدو أنَ دوافعهم في محاربة الحسين «ع» هو الحقد والثأر او بسبب الطمع كم جاء في ابيات شعر عمر بن سعد:
فواللّه ما أدري وإنــــــــي لـحائرٌ   ***   أفكّرُ في أمــــري على خطرينِ
أأتركُ ملكَ الرّيِّ والرّيُّ مـــنيتي   ***   أم أرجعُ مأثــــــوماً بقتلِ حسينِ
وبعد ما تبين له أنَ أسباب مقاتلتهم له فقال لهم «ايم اللّه، إني لأرجو أن يكرمني ربي بهوانكم، ثمّ ينتقم منكم من حيث لا تشعرون» (1) فسألوه عن كيفية انتقام الله تعالى منهم، اجابهم إجابة تدل على التبصر في العواقب على معطيات الواقع وقوانينه «يلقي بأسكم بينكم، و يسفك دماءكم، ثم يصبّ عليكم العذاب الأليم»(6)
2.التخطيط الاستراتيجي
بعد ما القى الامام «ع» الحجة على القوم ولاحظ اصرارهم على مقاتلته، وضع خطة استراتيجية لإدارة المعركة فاجتمع بأصحابه وتشاور معهم عن كيفية لقاء العدو عندما تقع المعركة، وكيفية تكون خطة الهجوم والدفاع، ووزع الأدوار والمسؤوليات عليهم، وأوصى اهل بيته بالصبر وعدم الجزع وتحمل المتاعب في سبيل الله تعالى، والتوكل عليه وتحمل المسؤولية الملقاة على عواتقهم بعد أنَ تقتل الرجال في المعركة «أُوصيكم بالصبر والتقوى» (9)، واوصى السيدة زينب «ع» عندما شاهدها حزينة عليه بالحلم والاعتماد على الله والاقتداء برسوله (…يا أختاه! اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله…»(6)
3. الشجاعة
من السمات الجوهرية للقادة المستنيرين الشجاعة، وتمثل الشجاعة احد الفضائل الأربعة (الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) تشير الروايات أنَ الحسين «ع» بالرغم من محاصرته بجيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل تقريباً، ومقتل جميع أنصاره وأولاده واخوته، الا أنَّه قاوم المحن والالم وجابه الخطر، لم يكن يعبأ بجمعهم ولم تبدو عليه علامات الانكسار والوهن والضعف، فواجه الجيش بعزيمة وثبات وحمل على العدو بسيفه من دون خوف او مهابة وكانوا يلوذون بالفرار ، وينقل الرواة ما قاله جند عمر بن سعد بخصوص موقف الحسين «ع»: «فوالله! ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه! وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب! »(9).
4. التأثير والولاء
تؤثر سمات القائد الشخصية على اتباعه بشكل كبير، ونجد أنَ شخصية الامام الحسين «ع» كان لها تأثير كبير في نفوس أنصاره فكان قدوة لهم في افعاله واقواله، ومرشداً لهم برؤيته وتفكيره ، بحيث شكلت رؤيته المستنيرة ورسالته العالم المعرفي والمنطقي لأنصاره، فأسهمت بتبصيرهم بحقيقة الامور وهدايتهم الى طريق الصواب، فأمنوا برسالته وبمبادئه وبأهدافه السامية، وكان لذلك الايمان انعكاساً على سلوكهم وافعالهم بالشكل الذي جعلهم يتسابقون للدفاع عنه والاستشهاد بين يديه، ويبدو ذلك واضحاً في كلام زهير بن لقين «والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك.. »(9) كما انهم قاتلو باستبسال وتفاني وإخلاص وكانوا يتفاخرون بذلك حتى أخر رمق في حياتهم وكانوا يقولون «الحمد لله الذي اكرمنا بنصرك وشرفنا بالقتال معك»(3)، بحيث انَّه لما سقط مسلم بن عوسجة في ساحة المعركة وبه رمق مشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله يا مسلم ” فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم: فاني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت… ».(1)
وقد وصف جند عمر بن سعد شجاعة وبسالة أصحاب الحسين «ع» وتفانيهم في نصرته بقولهم «ثارت علينا عصابة ايديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت لأتقبل الأمان، ولا ترغب بالمال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، لو كففنا عنهم رويداً لأتوا على الجموع بحذافيرها» (3)، فضلاً عمَّا تقدم وصفهم الامام بقوله «…يا أبطال الصفا! يا فرسان الهيجاء!… »(7) وأشاد بمواقفهم البطولية بقوله « لم أرى أصحاب ابر واوفى من اصحابي »(10). هكذا هم القادة العظماء يوجدون الاخلاص والوفاء والحب والتضحية في قلوب انصارهم واتباعهم، من خلال توظيف سماتهم الشخصية وذكائهم ومهاراتهم واي إمكانات أخرى يمتلكونه بهدف التأثير على سلوك الاتباع وجعلهم يقدمون أفضل ما لديهم.
5. الإنسانية والتحفيز
كانت قيادة الامام تقوم على الرحمة والرعاية، فعامل الجميع باحترام وبشكل عادل ومنصف ولم يفرق بين الأسود والأبيض، ولا بين العربي والاعجمي على طوال مسيرته من مكة الى العراق، وكان يجسد القرآن الكريم في سلوكه «ان اكرمكم عند الله اتقاكم»(الحجرات:الايه:13) وهي من اروع الصفات التي تحلى بها والتي أسهمت في تعزيز حبه وولائه لدى اتباعه. وكان يقدر ويثمن ما يقدمه أنصاره من مساهمات ويثني عليهم ويدعو لهم، وهذه من أساليب التحفيز يتبعها القادة لحث الاتباع لتقديم أفضل أداء، ومن هذه المواقف أنَ أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي عندما أخبر الأمام بقرب وقت الصلاة اثناء المعركة قال له «ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! »(7)
6. الايمان الراسخ بالله تعالى
من صفات الامام الحسين «ع» الأساسية شدة ايمانه وارتباطه بالله تعالى وتوكله عليه والتسليم إليه في كل اموره وتجلى ذلك في العديد من المواقف ولكن من باب التوضيح نذكر بعضها، ففي وصيته التي كتبها لأخيه محمد بن الحنفية قبل خروجه الى العراق توضح جانب مهم من طبيعة أيمانه بالله تعالى «بسم الله الرحمن الرحيم … أنّ الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، وأنّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور…»(3) وكان مصداقاً لقوله تعالى «وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(الانفال:45) فكان لسانه يلهج بذكر الله تعالى دائما وفي كل موقف يمر به او خبر يسمعه، فعندما بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل تلى قوله تعالى «انا لله وانا اليه راجعون»(البقرة:الاية:156).
وجعل اعماله كلها خالصةً لوجه الله تعالى فعندما اطلق القوم السهام على معسكره قال لأنصاره «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه فإنَّ هذه السهام رسل القوم إليكم»(6) فقدم اتباعه قربةً لله تعالى من أجل اعلاء كلمة الإسلام وتحطيماً للاْنحراف والضلال. وكان يسعى لرضا الله تعالى قبل كل شيء فبعد ان استشهد أنصاره فقال : «اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى»(11) ، فضلا عن ذلك عندما رأى كثرة القتلى بأصحابه واهل بيته قال «هون علي ما نزل بي أنه بعين الله»(7) وعندما بقى وحيداً في ساحة المعركة جدد دعوته للقوم لنصرته، الا انهم عزفوا عنه، فأتجه بكل شعوره الى خالقه يستنزل النصر ويطلب عنايته التي طالما رافقته في كل أدوار حياته فقال « اللهم أنت ثقتي في كل كربة، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة وتعييني فيه الأمور ويخذل فيه القريب والبعيد والصديق، ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك، راغبا إليك فيه عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيته»(3) فكانت لتلك العقيدة والعلاقة الروحانية والايمان العميق بالله تعالى أثراً كبير في صياغة شخصية الامام الحسين «ع» وسلوكه القيادي المستنير الذي مكنه من الصبر وتحمل شتى أنواع المصائب والابتلاءات، فكان الامام الحسسين «ع» يذكر الله ويحمده في السراء والضراء وصابراً محتسباً وكما جاء في قوله « نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين».(1)
وأخيراً ذكر الامام زين العابدين علي بن الحسين «ع» وهو ممن شاهد المعركة ووعى اخبارها على ما به من شدة المرض انه قال: «لا يوم كيوم الحسين ازدلف اليه ثلاثون الفاً يزعمون انهم من هذه الامة، وهو يذكرهم بالله فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا، وظلما، وعدواناً»(3)، فسقط الحسين بن علي ويده على قائم سيفه، قتل والحرب دائرة والغبرة غطت مكان الحادث، فلما نجلت وإذا بالحسين يتشحط بدم الشهادة، سقط الحسين وانتهى كل شيء، وهنا إحتزوا رأسه من القفا وجالت الخيل على صدره جولة الظفر المؤقت، وتجاوبت الدنيا كلها لهذا الحادث المروع، واهتز ضمير العالم لتلك الداهية وارتفعت صرخة الاستنكار فهزت عروش الظالمين. لقد نشر الحسين رسالته وشجب اعمال الظالمين بدمه. فالسلام على من قتل صبراً وكفاه بذلك فخراً.
المصادر
أولاً: المصادر العربية
1. بحار الأنوار – العلامة المجلسي
2. الاحتجاج – الشيخ الطبرسي
3. مع الحسين في نهضته –اسد حيد
4. وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي
5. صحيفة الحسين (ع) – جمع الشيخ جواد القيومي
6. العوالم ، الإمام الحسين (ع) – الشيخ عبد الله البحراني
7. موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) – لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)
8. ميزان الحكمة – محمد الريشهري
9. الإرشاد – الشيخ المفيد
10. مقومات القيادة الملهمة للأمام الحسين عليه السلام
11. في معركة الطف –اكرم سامي فايز
12. حياة الإمام الحسين (ع) – الشيخ باقر شريف القرشي
13. الفتلاوي، ميثاق هاتف،الحكيم، ليث علي،العبيدي،عصام عليوي،(2018)،رأس المال الرمزي وانعكاسه في القيادة المستنيرة،دراسة حالة في مديرية تربية قضاء المسيب،المجلة العربية للإدارة .
14. الصفار،حسن،(1991)، الحسين ومسؤولية الثورة،دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع،ط7.
15. كشكوشة،نجوى متولي،(2021)،اثر القيادة المستنيرة في دعم الهوية التنظيمية بالتطبيق على العاملين بالشركة القابضة للتأمين، المجلة العلمية للإقتصاد و التجارة.
ثانيا: المصادر الأجنبية
1. Lambe, K. (2011). perceptions of enlightened leadership related to school climate (doctoral dissertation, immaculata university).
2. Haaz, I. (2016). Solidarity-Enlightened Leadership.
3. Sharma, S. (1995). Towards enlightened leadership: A framework of leadership & management. Evolving performing organisations through people: A global agenda, 209-214.
4. Millick, C. A. (2009). Values-based leadership and happiness: Enlightened leadership improves the return on people. The Journal of Values-Based Leadership, 2(2), 5.
5. Xu, F., Xu, B., Anderson, V., & Caldwell, C. (2019). Humility as enlightened leadership: A Chinese perspective. Journal of Management Development.

الباحث: أكرم سامي فايز
ماجستير إدارة اعمال. مدرب معتمد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close