الجولة الأخيرة (مصرع الحسين) (قصة قصيرة)

الجولة الأخيرة (مصرع الحسين) (قصة قصيرة)

اختارته المقادير لعبء يهد الجبال, هو له كفء وبه جدير !

وقف وحيداً أمام أعدائه, الأهل والأصحاب عانقوا الشهادة ورحلت أرواحهم الطاهرة إلى عليين .هل أوهنت عزيمته مصارعهم؟

وقف ثابت الجنان, غير مكترث بما يعانيه من ألم العطش ونزيف الدماء, أنه صمود أولي العزم

يتحدث معسكر ابن زياد مع بعضهم البعض: أنظروا مشرق الوجه كيف لايبالي بالموت ؟!

رابط الجأش, وقف المكرهين من جيش ابن زياد على تل يدعون للأمام: اللهم أنزل عليه نصرك, سمعهم ابن سعد, أنكر قولهم قائلا: يا أعداء الله, ألا تنزلون فتنصرونه!

أهتزت نفس ابن سعد , كثرة خسائر من جيشه, تقلبات في نفوس الجند, راح يصرخ: هذا ابن الأنزع البطين ,هذا ابن قتال العرب, احملوا عليه من كل جانب. أمرهم برمي النبال صوب الحسين .

ألح العطش على الإمام , حمل إلى الفرات, فر من حراسته الأعداء, أستولى على الماء, أغترف غرفه ليروي ظمأه القاتل, ناداه من العدو: أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك !

رمى الماء من يديه , أسرع إلى الخيمة , وصل رأها سالمة, مكيده!

توسط الحسين جيش العدو , شد عليهم يضربهم بسيفه, هجموا على خيمه, صاح بهم: يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون المعاد , فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم أن كنتم عرباً كما تزعمون.

نطق شمر بن ذي الجوشن : ما تقول يا ابن فاطمة؟

رد الإمام: أنا الذي أقاتلكم, والنساء ليس عليهن جناح, فأمنعوا عنانكم من التعرض لحرمي مادمت حيا.

أمر الشمر جنوده يوسعونه ضرباً بالسيوف, وطعنا بالرماح !

طلب الحسين من أهل بيته ثوبا لا يرغب به أحد, أتوه بسروال , لبسه تحت ثيابه .

ودع عياله الوداع الأخيرقائلاً: استعدوا للبلاء , واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم , وسينجيكم من شر الأعداء, ويجعل عاقبة أمركم إلى خير , ويعذب عدوكم بأنواع العذاب , ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلاتشكوا ولاتقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم .

ذابت أسى أرواح بنات الرسول، سرت الرعدة بأوصالهن.

نادى عمر بن سعد: اهجموا عليه مادام مشغولا بنفسه وحرمه, فوالله أن فرغ لكم لاتمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم .

تهافتت السهام كالصاعقة في المطر بين المخيم , خرج الحسين كالليث الغضبان, حصد من رؤسهم بسيفه , السهام تأخذه يمينا وشمالا , فأصيب بفمه, وأخر أصاب جبهته الطاهرة , رفع يديه بالدعاء :

اللهم أنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ,اللهم أحصهم عددا , واقتلهم بددا , ولاتذر على وجه الأرض منهم أحداً , ولاتغفر لهم أبدا.

صاح بالجيش: ياأمة السوء بئس ما خلفتم محمداً في عترته , أما أنكم لاتقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله, بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي , وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة, ثم ينتقم لي منكم من حيث لاتشعرون.

أنهى كلامه فرماه خبيث بسهم له ثلاث شعب ,أصاب قلبه الشريف , شخص بصره في السماء قائلا: بسم الله وبالله , وعلى ملة رسول الله ,إلهي أنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره .

أخرج السهم من قفاه , نزل الدم كالميزاب , تلقاه بيده , امتلأتا, رمى به نحو السماء , نطق : هون ما نزل بي أنه بعين الله .

أخذ بقايا دمه , لطخ وجهه ولحيته , حرك شفتيه: هكذا أكون حتى القي الله وجدي رسول الله وأنا مخضب بدمي .

هجم عليه العدو , مثلوا بجثته ضربا بالسهام , طعنا بالرماح , قطعوا يساره , شمر بن ذي الجوش ناداهم : ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل !

خرجت أخته العقيلة تردد: ليت السماء أطبقت على الأرض, وليت الجبال تدكدكت على السهل .

أقبل عليها ابن سعد , صاحت به : أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر !

أطرق برأسه خزيا وندامة, أشاح بوجهه عنها ودموعه تسيل .

تقدم شمر رجس البشرية كلها, أحتز راسه الشريف, والابتسامة على شفتي الحسين , أحتفظ بالرأس ليهديه إلى ابن زياد , ويزيد .

…………………………………

*للكاتب مجاهد منعثر منشد /المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله) , الفصل الخامس المأساة الخالدة , ص 107ـ109.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close