أهل السنّة في إيران… روايتان تفترقان بالأرقام والوقائع

اسطنبول – أحمد دغاغله

من تظاهرات عرب الأحواز ضد التمييز الرسمي الإيراني

يعيش أبناء الطائفة السنيّة في إيران، بين روايتين مختلفتين، إحداهما رسمية يرويها النظام وأخرى حكاية ملؤها شجن يرويها أبناء هذا اللون من فسيفساء المكونات الإيرانية وتؤيدها تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.
وأول ما تبدأ به وجوه الافتراق بين الروايتين الحكومية والشعبية هي الأعداد والأرقام، إذ إن أهل السنّة وبحسب الإحصاءات الرسمية يشكلون 10 في المئة أي ما يقارب 8 ملايين من إجمالي سكان إيران الـ 80 مليوناً، فيما الأرقام في رواية أهل السنّة مختلفة تماماً، فبحسب إحصاءاتهم لا تقل نسبتهم عن 20 في المئة، وهم يقيمون في شتى مناطق إيران، لا سيما في المناطق الحدودية بحسب تصريح إمام جمعة مدينة زاهدان والزعيم الروحي لأهل السنّة في إيران المولوي عبدالحميد زهي الى وكالة “رويترز”.
وكبيرة هي الفجوة بين ما تنص عليه المواد القانونية وواقع أهل السنّة المعاش في إيران، إذ بحسب المادة 12 من الدستور الإيراني فـ ” لأبناء السنّة كامل الحرية في ممارسة طقوسهم وكذلك التعليم الديني”، غير أن واقع الحال يحكي قصة مختلفة عن قصة عشرات الملايين من السنّة في هذا البلد وتتشهد الإحصاءات لهم بمرارة المضايقات التي يتذوقونها في كل مناحي الحياة.
فـ”الصفر” هو حصة المساجد السنّية في العاصمة طهران وذلك من بين 3600 مسجد أحصتها وكالة القرآن الحكومية في هذه المدينة، وما أكده المولوي عبدالحميد من وجود مليون شخص سنّي في هذه المدينة لن يستطع تغيير قناعات قادة النظام لتغيير معاملة مع أتباع ثاني أكبر طائفة إسلامية في إيران.
مرتبة الـ 157 من بين 167 دولة في ترتيب حرية المذاهب والأديان في العالم والتي حظيت بها إيران بحسب التقرير الذي نشرته مجلة “الإيكونوميست” يكشف عن سوء الظروف التي يعانيها أبناء كل الأقليات الدينية والطوائف غير الشيعية في ظل الحكم القائم في إيران.
السنة بمثابة تهديد
“إن لم نتدارك الأمر سوف يفوت الأوان، وعندها لا يمكننا فعل أي شيء وإنني أوكد بكل وضوح أن في ضواحي مدينة مشهد وهي إحدى كبريات المدن الإيرانية يبتاع أبناء الطائفة السنّية الأراضي والبيوت من الشيعة وذلك بهدف تغيير التركيبة السكانية لمصلحتهم”، مقتطف من خطاب ناصر مكارم شيرازي، وهو أحد أكبر مراجع التقليد في إيران، يؤكد السياسات المتبعة تجاه السنّة.
“إن ازدياد نسمة أهل السنّة يمثل تهديداً بالغ الخطورة للأمن القومي، لا سيما في شرق البلاد وشمال شرقها”، جاء في التقرير الصادر في مجلة جامعة “الدفاع الوطني” العسكرية (دفاع ملي)، داعياً الحكومة الى الإسراع في “معالجة هذا الواقع الديمغرافي الخطير”.
تعددت الدراسات التي تنذر بوجود الخطر السنّي على الأمن القومي الإيراني ومنها تلك التي نشرتها وزارة الداخلية وأشارت فيها إلى التأثير الكبير للإعلام والقنوات التابعة للمملكة العربية السعودية في الترويج للتسنن والسلفية.
وبحسب ما تؤكده الدراسة فـ”كل أنواع الأنشطة التي تؤدي إلى تعزيز وجود الأقليات الدينية والطوائف والشعوب غير الفارسية يمكن اعتبارها تهديداً للأمن القومي، وعلى هذا يسمح للجهات الأمنية أن تعاقب القائمين عليها”.
يعتقد استاذ القانون الدولي مصطفى حته أن “هيمنة مثل هذه النظرة الأمنية على مراكز القرار في إيران حملت أهل السنّة ومختلف الأقليات الدينية والشعوب غير الفارسية تكاليف باهظة تمثلت في مسلسل الاعتقالات والإعدامات ومختلف المضايقات خلال العقود الماضية”.
 
اضطهاد بحسب القانون!
الغريب في أمر الدستور الإيراني هو أن فيه من الأصول ما يمهد لاضطهاد الأقليات في إيران، لا سيما أهل السنّة منهم وهي من جملة ما تستند إليه الأقليات لبيان مدى الظلم الذي يمارس عليها.
فبحسب المادة 107 من الدستور الإيراني لا يحق لغير الشيعة تولي منصب المرشد في إيران وكذلك استناداً الى المادتين 15 و157 من هذا الدستور لا يحق لكل غير شيعي الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية أو تولي رئاسة السلطة القضائية.
أما المادة 91 من الدستور، ومن خلال تحديد مهام مجلس صيانة الدستور في الإشراف على ما يقره مجلس الشورى من قوانين والنظر في مطابقتها مع الفقه الشيعي، فتسد الطريق في وجه حضور علماء السنّة، إذ لم يشهد هذا المجلس أي حضور لعلماء السنّة طوال العقود الأربعة الماضية، وذلك رغم ما لقراراته من تأثير بالغ في حياة المواطن.
وأما إنشاء الأحزاب والمجموعات السياسية من أبناء السنّة فمحظور آخر ينص عليه القانون الأساسي، وذلك بحسب الفقرة الرابعة من المادة 91 والتي تختزل حق الأقليات الدينية في تشكيل مجموعات تهتم بالشؤون الدينية والثقافية ليس إلا.
 
أصناف الحرمان
 يعتقد الباحث يوحنا نجدي أن صنفين من التمييز تتذوقهما مختلف الأقليات في إيران، ففضلاً عن الصنف الأول والذي ينص عليه القانون، هناك صنف غير مكتوب يطبق بكل إلحاح والتزام كما لو كان قانوناً مقرراً”.
ويضيف نجدي أن “منذ ثورة عام 1979 لم يحدث لأي سنّي في إيران تولي منصب الوزير، كما أن كرسي رئاسة مجلس الشورى وخلال أكثر من أربعين عاماً لم يكن ولو لمرة واحدة من نصيب أبناء السنّة، وكذلك هو الأمر بالنسبة الى العضوية في هيئة رئاسة المجلس والمناصب المرموقة في الوسط الإعلامي وحتى العضوية في المجالس المحلية للمدن الكبيرة”.
وفي تقرير نشره مركز “مزماة” للدراسات تم إيجاز أهم نقاط التمييز الذي يمارس بحق أهل السنّة في إيران كالتالي: “منع أئمة أهل السنّة من بيان عقائدهم على منابر يوم الجمعة، تنفيذ الإعدامات بتهمة الوهابية وهي تهمة قد تطاول كل من يدعو إلى مذهب أهل السنّة، جرح أهل السنّة والنيل من الصحابة، لا سيما في المراكز الحكومية، عدم السماح لأهل السنّة ببناء المساجد والمدارس في مناطق ذات الغالبية الشيعية، وتسخير كل وسائل الإعلام لنشر العقيدة الشيعية في الأوساط السنيّة”.
 
كراهية متجذرة
يعتقد الكاتب عبد الله النفيسي أن “عداوة الفرس لأهل السنّة منبعثة من كراهيتهم لكل ما هو عربي وهي متجذرة منذ تاريخ طويل يعود الى زمن تأليف أسطورة الشاهنامة والتي هي بمثابة أنجيل الشعب الفارسي، إذ يتساءل فردوسي (المتوفى 416 هجري) شاعر أبيات هذه الأسطورة: كيف نسمح لهذا العربي وهو آكل الجراد وشارب أبوال الأبل ومن يستحم بها أن يأتي باسم الفتح ويقضي على صرح كسرى؟”.
أستاذ العلوم السياسية صادق زيبا كلام يرى في تدني المستوى الثقافي والإنغلاق الأيديولوجي سببين رئيسيين لما يحصل بحق أهل السنّة من عنصرية وكراهية. ويقول إن ما نشهده من حقد وضغينة تجاه السنّة ورموزهم ليس إلا وجهاً آخر للعنصرية تجاه العرب.
ويرى يوحنا مجدي أنه “ما دامت الجمهورية الإسلامية ترى في الأقليات الدينية والشعوب غير الفارسية خطراً محدقاً بالأمن القومي فلا يمكن توقع حصول أي تحسن في ما يعاني منه عشرات الملايين في إيران في المستقبل المنظور”.
المصدر: النهار العربي
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close