المصالحة الوطنية والمجتمعية ، الولايات المتحدة الامريكية نموذجا

بقلم: حسين الديك

يفترض مفهوم المصالحة وجود طرفين او نقيضين نشا بينهما خلالف ما قد يعود لاسباب عرقية او اثنية او فكرية او جنسية او دينية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية او جغرافية او ثقافية ، وتنشا المصالحة باحدى الطرق المعروفة اما بمبادرة من الطرفين او بتنازل احد الطرفين او بمبادرة من قبل طرف ثالث ، وتتجلى المصالحة بتعبير مزدوج يتمثل في السماح للضحايا بالتعبير عن حقوقهم وعن الالم الذي لحق بهم وعن مطالبهم واعتراف من الطرف المعتدي عليهم بتلك الحقوق والجرائم التي ارتكبها بحقهم واستعداده لتحمل كامل المسؤولية التاريخية و الاخلاقية والجزائية والمادية وتعويضهم عن الضرر وتحقيق كافة مطالبهم وبناء مستقبل افضل لهم بهدف الشعور بالانتماء الى كيان واحد والقبول بمبدا العيش المشترك وتجنب تلك الماساة في المستقبل من خلال المساواة التامة وضمانات دستورية وقانونية لذلك.

ولتحقيق المصالحة لا بد من توافر عدد من العناصر الهامة لذلك اهمها اولا المصارحة قبل المصالحة بمعني الحقيقة والاعتراف بالماضي من خلال لجان يتم تشكيلها لذلك من اجل التحقيق في قضايا اساسية اهمها المفقودين والمجتزر الجماعية واعمال الاغتيال ويطلق عليها لجان المحقيقة والمصالحة ثانيا العدالة وهي اعادة الاعتبار والاصلاح والتعويض للطرف المتضرر والمساواة و وقف الضغوطات التعسفية ضدهم ، ثالثا الرحمة وتعني العفو الكامل لبناء شبكة علاقات جديدة ، رابعا السلام ويعني الامن لجميع الاطراف والتوجه نحو المستقبل المشترك والحياة الكريمة للجميع .

ولا بد للمصالحة ان تاتي بصيرورة ثلاثية متكامله اولها تسوية النزاع بوقف اعمال العنف وثانيها حل النزاع

بمعالجة اسبابه ومنع تكرارها مستقبلا وثالها المصالحة بمعالجة الاثار الناتجة عن النزاع وهي فضاء تلتقي فيه الحقيقة و العدالة والاحترام والامن ونجاحها مرهون بدرجة الدمج بين هذه العناصر ونجاحه، فالمصالحة الحقيقية هي التي تدمج هذه الابعاد بطريقة ناجحة وتحدث تحولات ثقافية ومجتمعية حقيقية وعميقه داخل المجتمع .

فالمصالحة هي استعادة لحالة العلاقة السليمة والطبيعية داخل المجتمع بما يضمن الحرية والكرامة والمساواة للجميع بوقف فوري للعنف و اعادة تجديد الاجماع الوطني عبر حل كافة المشاكل والعيش المشترك والشراكة السياسية والتعددية ، و تجاوز مخلفات الازمة بضمان استقلالية مؤسسات الدولة وسيادة القانون والمساواة التامة وضمان الحريات والحقوق وتخفيف معانة الضحايا مثل ( المفقودين و المعتقلين و المفصولين من العمل والضحايا الذين تم قتلهم او سلب ممتلكاتهم)، ومعالجة ازمة اختيار السلطة السياسية واصلاح المؤسسات الاجتماعية القائمة مثل المؤسسات السياسية والقضائية والتربوية والاعلامية، و دعم ثقافة السلام في المجتمع من خلال محدداتها الحوار والتسامح وقبول الاخر والعيش المشترك والديمقراطية والمساواة واحترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية وتخقيق مبدا المواطنة وسياسة القانون.

تعتبر المصالحة الامريكية نموذجا على المصالحات الناجحة في التاريخ الحديث ، وتمثلت تلك المصالحة بمرحلتين اساسيتين الاولى المصالحة الامريكية مع سكان البلاد الاصليين وهم القبائل والمجموعات السكانية التي كانت موجودة في البلاد قبل وصل المحتليين الاوروبيين الى الولايات المتحدة الامريكية، والمرحلة الثانية السكان الامريكيين الافارقة الذي جلبهم الاحتلال الاوروبي للولايات المتحدة الامريكية لكي يعملوا كعمال وعبيد لخدمة المحتل الاوروبي والذين تم انتهاك حقوقهم و ممارسة التمييز العنصري ضدهم وحرمانهم من ابسط حقوقهم الاساسيةعبر عقود طويلة .

اولا: سكان امريكيا الاصليين

وهم المجموعات والقبائل السكانية التي عاشت في امريكيا قبل وصول الاحتلال الاوروبي اليها و الذين تم ابادتهم بشكل منظم من قبل الاحتلال الانجليزي واستمر التمييز ضدهم بعد استقلال الولايات المتحدة الامريكية الى ان جاءت مرحلة توحيد البلاد و الاعتراف بحقوق السكان الاصليين و تحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والاخلاقية عن فترة الظلم و الاضطهاد التي لحقت بالسكان الاصليين ، وارساء ضمانات دستورية وقانونية وتعديلات من قبل الكونغرس الامريكي يضمن المساواة الكاملة لهم وفي بعض الاحيان تمييز ايجابي لهم في انشاء نظام تعليمي خاص بهم و صحف خاصة بهم ولغتهم الخاصة ووسائل اعلام خاصة بهم ومنحهم حقوق المواطنة كاملة واعادة توزيع الاراضي لهم وتمكينهم من المشاركة السياسية بشكل فاعل ودمجهم في وظائف الدولة والاعتراف بالظلم الذي وقع عليهم من قبل الحكومات الامريكية السابقة .

وتجسدت عناصر المصالحة كاملة في المصالحة الامريكية بين الحكومة الامريكية والمواطنين الامريكيين من اصول اوروبية وبين الامريكيين سكان البلاد الاصليين اذ كان هناك اولا وقف الانتهاكات بحقهم والاعتداء عليهم ثانيا معالجة اسباب الخلاف والنزاع معهم ثالثا معالجة المشكلات الناتجة عن ظلمهم وسلب حقهم لسنوات طويلة وبناء تحولات مجتمعية وضمانات دستورية وثقافية تضمن حقوقهم وعدم انتهاكها مستقبلا مما شكل نموذجا لعلاقة صحية في المجتمع الامريكي بين كافة المواطنين.

وقد ساعدت عدة عوامل على نجاح هذه المصالحة بين السكان الاصليين والسكان من اصول اوروبية ، اهمها درجة تطور وتقدم المجتمع الامريكي ثقافيا وحضاريا وتطور القيم الديمقراطية في المجتمع الامريكي ، وازالة حاجز الخوف بين الطرفين اذ ان السكان الاصليين لا يشكلون اي مصدر قلق او خوف للمواطنين الامريكيين من اصول اوروبية ، والضمانات الدستورية الحاسمة في عطائهم حقوقهم كامة غير منقوصة، وخاصة حقوق المواطننة واعادة توزيع الاراضي والحقوق الثقافية والتعليمية والاعتراف بالخصوصية الثقافية لهم وعالمية حقوق الانسان.

ثانيا : الامريكيين من اصل افريقي

وهم العمال الذين تم احضارهم من قارة افريقيا للعمل كعبيد في خدمة الاحتلال الانجليزي وفلاحة الارض في الولايات المتحدة الامريكية ، وقد تم استعبادهم لعقود طويلة، الا ان جاء الرئيس ابرهام لينكولن والذي اصدر اعلان تحرير العبيد حيث رفضته الولايات الجنوبية مما ادى الى اندلاع الحرب الاهلية الامريكية حيث انتصر الرئيس لينكولن في تلك الحرب وفرض تحرير العبيد ومساواتهم بالقوة ، ولكن مع ذلك استمر التمييز ضدهم الى ان جاءت حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنغ والتي عملت على حشد الراي العام الامريكي من اجل حقوق الامريكيين الافارقة بحركة سلمية مدنية لاعنفية استمرت حتى اصدار تشريعات تضمن وتحمي حقوقهم في المساواة والمواطنة الكاملة لهم وانهاء كافة مظاهر واشكال التمييز العنصري ضدهم وقد استمر

ذلك النضال اللاعنفي السلمي لعقود اذ اصبح نموذجا للنضال من اجل المساواة وقف التمييز العنصري واحترام كرامة الانسان وحقوقه الاساسية.

وكان من اهم تجليات المصالحة بين الامريييكن من اصول افريقية والامرييكن من اصول اوروبية ان التمثيل السياسي في وظائف الدولة العليا اصبح حاضرا قويا لهم في مؤسسات صنع القرار الامريكي ، ورافق ذلك مصالحات مجتمعية واندماج ثقافي اجتماعي بين مكونات المجتمع الامريكي ، اضف الى ذلك اصبح الرئيس باراك اوباما اول رئيس اسود من اصول افرقية رئيسا للولايات المتحدة الامريكية ، وجاء ذلك استنادا الى مبدا المساواة الكاملة وسيادة القانون والضمانات الدستورية للمواطن الامريكي بصرف النظر عن اللون او العرق او الجنس او الدين.

د. حسين الديك

اكاديمي ومحلل سياسي وخبير في الشان السياسي الامريكي ، وكاتب مقالات في عدد من الصحف الامريكية والاوروبية والعربية، باحث متخصص في قضايا الحوار و المصالحة وحل النزاعات ، له العديد من الاوراق والمساهمات البحثية المنشورة في مجلات علمية دولية محكمة.

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close