سبل التربية الأجتماعية – 1

سبل التربية الأجتماعية – 1 * بقلم د. رضا العطار

يجب ان نعتني بالأنسان وهو لا يزال في رحم امه. عن طريق تحذير الأم الحامل من عدم الاسراف في التدخين واستعمال العقاقير الطبية الضارة وتجنب الكحوليات ناهيك عن المخدرات، حيث انها تؤثر على سلامة الجنين بشكل او بأخر، كما يتأثر الجنين بالانقباضات العضلية التي تحدثها الحالات النفسية والجهاز الهضمي وضربات القلب وارتفاع ضغط الدم والافرازات الهورمونية، حيث ان الجنين يستجيب الى التفاعلات الفسيولوجية التي تجري في جسم الأم.

وبعد ان يولد بشهرين، فإنه لا يزال عبارة عن قطعة من اللحم والعظم ساكن في مكانه يتلفت ويحرك يديه ورجليه لكنه لا يستطيع الجري، وعندما يبلغ الشهر السادس يبدأ يحبو على اربع حتى يأخذ في اكتشاف عالمه، فيمسك بكل ما تقع عليه يده وينظر فيه ويحاول ان يرى ما بداخله، ثم يتطور اكثر وتنمو عنده ملكة اكتشاف المعرفة عندما يستطيع المشئ، فينطلق في استظهارعالمه بنشاط مما قد يعرضه احيانا الى الاخطار.

فيستلفت نظره كل غريب وكل ما يتحرك، فيمد يده اليه ويحاول الامساك به ويسعى للأتصال بما حوله وبمن حوله من اترابه محاولا استلفات انتباههم، ويسعده ان يستجيبوا له. وهذا كله هو ما يعرف باللعب ولكنه في حقيقة الامر انه ليس لعبا، انما هو عملية تدريب لعضلات الجسم وانماء للمواهب العقلية وهي لهذا جزء اساسي من تطوره ولا سبيل للطفل في طريق النمو جسديا وعقليا الا بذلك. والطفل الذي لا يلعب ولا يكتسب مهارات ولا يدنو بأتجاه المعارف يعرف بالمتخلف.

وهذه الطفولة الطويلة للأنسان ضرورية لتكامل نموه، فهو خلال هذه الفترة يكتسب خصال اهله ومعارفهم ومهاراتهم على مهل، فيبدأ في اقتباس لغة قومه مع بداية العام الثاني ويستيقظ عقله ويمعن في تحصيل الالفاظ والمفاهيم بالتدريج، بينما يصلب عظمه وتتحدد حركات يديه ورجليه، ومع تقدمه في اكتساب اللغة يكتسب المعارف والطابع الحضاري لجماعته: فيتعلم عاداتهم وتصوراتهم للحياة وحركاتهم وايماءاتهم وذوقهم في الطعام واسلوبهم في التصرف. ففي الجماعات التي يشتد فيها عادة حجاب المرأة ترى الطفلة في السادسة وقد تكون لديها اثار الحياء الذي يجعلها تميل الى ستر وجهها، ومثل هذا لا يحدث في الجماعات التي لا تعرف الحجاب.

فالطفل الصغير يستوعب في ذاكرته منذ سن الثالثة اشياء كثيرة جدا يختزنها في ذهنه، وهذه المعلومات يكون لها في كثير من الاحيان اثرها القاطع في تكوينه النفسي ومسار حياته المستقبلية. لان هذه المعلومات تظل راقدة ولكنها فعالة وهي تظهر في الاحلام وفي ردود الافعال، ونحن نسميها بالعقل الباطن. وان ما فيه من المعلومات والتجارب يظل مؤثرا وفاعلا بصورة غير محسوسة طوال حياته. وظواهر المرض النفسي سواء أكانت حادة ام طفيفة يرجع معظمها الى تجارب تلك السنوات الباكرة من عمر الطفل.

وعندما يبلغ السادسة من عمره يكون قد اكتسب تراث المعلومات العامة والذوق واسس الاخلاق التي عليها قومه. وهذه العملية ليست مجرد اكتساب من الطفل انما هو جهد يبذله المجتمع لوضع الطفل في القالب الحضاري لجماعته. فنحن نعلمه قصدا كل ما تستحسنه الجماعة وننهاه وننهره عما لا ترضى عنه. وعندما يخرج الطفل الى الصبوة بين التاسعة والثانية عشرة يستكمل فيها استيعاب كل الثروة الثقافية من مجتمعه. فيأكل ما يأكلون وكما يأكلون ويتكلم كما يتكلمون ويسير كما يسيرون ويعرف على وجه التقريب كل المعارف العامة التي يملكها قومه. فيأخذ طابعه الخلقي وتكوينه المزاجي، ونادرا ما يضيف الى ذلك من العلم غير ما يتعلمه في محيط الأسرة ثم بطريقة منهجية في المدرسة بعدئذ.

يتعرض الطفل احيانا الى الانفعالات التي تصيب الأم وخاصة الشعور بالخوف, فالطفل يقلد عادة مخاوف ابويه مثل خوفهم من الكلاب اوالحشرات او من الرعد والعواصف او من الظلام, وعندما تخاف الام زوجها يتحول هذا الخوف تلقائيا الى الطفل الذي بدوره يبدا يخاف من ابيه وبذلك يغدو الاب داخل اسرته موضع نفور.

وفي سياق التنشئة الاسرية الخاطئة، يستذكر كاتب السطور مشهد تلفزيوني لاحدى القنوات الامريكية قبل مدة لعدد من الاطفال دون العاشرة عثر عليهم البوليس ليلا وهم نيام تحت احد جسور المدينة بعد ما هجروا اسرهم طوعا، وعندما سُئلوا عن السبب اجابوا : لان ذوينا غير مهتمين برعايتنا. فالاب مغيب غالبا والام تقضي ساعات الليل في حانة الطرف.

اقول لو علم الاباء الأولون ما يسببون لاطفالهم من صدمات نفسية وانحرافات سلوكية متسمة بمشاعر عدوانية تجاه مجتمعهم لاحقا لكانوا قد اولوا بعض اهتمامهم الى تربية ابنائهم ولم يسمحوا ان يفلتوا من عقال مسؤوليتهم الاسرية الى هذا الحد, تظهر فضائحهم على شاشات التلفزيون.

نعم، ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم .

*مقتبس من كتاب الدين والاسرة والتنشئة الاجتماعية د. سعد عمارة ، النبأ

الحلقة القادمة في الاسبوع القادم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close