وداعا حبيبتي حبيبة: بمناسبة اربعينية رحيل والدتي حبيبة سليمان رمو

وداعا حبيبتي حبيبة:
بمناسبة اربعينية رحيل والدتي حبيبة سليمان رمو
فإِذا حَيِينا فلِلرَّبِّ نَحْيا، وإِذا مُتْنا فلِلرَّبِّ نَموت: سَواءٌ حَيِينا أَم مُتْنا فإِنَّنا لِلرَّبّ” (رو14/8).
ما أقساكَ أيُها الموتُ عندما تزورُ أحبابَنا دونَ أستاذانٍ وتأتي بغتةً كالسراقِ لتسرُقَ أغلى ما عندنا وكَمْ هوَ صعبٌ على الانسانِ أن يَنعى عزيزاً وكمْ هو مؤلمٌ أن يتواجهَ الأنسانُ مع حقيقةِ الموتِ والفراقِ لنسكُبَ الدموعَ ولنرثيَ قلباً بحجمِ قلبِ وطيبةِ والدتي التي أصرتْ أنْ تفارِقَ روحَها جسدَها وهيَ بينَ أحضانِ أولادها في أستراليا، و تغادرينَ وتتركينَ ألماً وفراغاً بحجمِ الكونِ وذكرياتٍ بامتدادِ الزمنِ واشتياقاً بامتدادِ الأبدْ، تغادرينَ يا أميْ وتتركينَ إرثاً لا ينضُبْ في محبةِ الانسانِ أولُها الخيرُ وإخرُها الطيبةُ، فقلوبُنا مكلومةٌ بفقدانكِ أيتُها العزيزةُ الغاليةْ، فقد تركتِ بصمتكِ على قلوبِنا وعقولِنا وكانتْ ابتسامتُكِ العفويةِ وروحكِ الطيبةِ واخلاصُكِ لمحبيكِ علامةً على طيبتُكِ وانسانيتكِ وعزةُ نفسكِ العاليةِ وشجاعتُكِ وأنتِ في مواجهةِ الموتْ.
صحيحٌ يا أمي أنَنا كلُنا راحلونَ وأنَّ الموتَ حقٌ على كلِ انسانٍ، ولكن فراقَ الامِ يبقى صعباً ويعيشٌ الانسانُ طفلاً طوالَ حياتِه إلى أنْ يفقِدَ أُمَهُ فيشعرُ بأنَه قد هرِمَ. فالأمهاتُ هم حلقةُ الوصلِ التي تربُطنا بالسعادةِ كارتباطِ الجنينِ بحبلِ المشيمةِ وسعادتُنا كانتْ تقترنُ بوجودكِ فحياتُنا عبارةٌ عن روتينٍ يوميٍ وحياتكِ كانتْ خليط من الصلاة والدعاءِ بالخيرِ لنا.
 سوفَ تبقى كلماتُكِ وذكرياتكِ معَنا نحتفظُ بِها ما حُيينا وستظلُ عيونُنا وعيون مَنْ أحبوكِ تبحثُ عَنكِ. وداعاً أُمي الحنونةُ أنتِ في نومٍ طويلٍ على أملِ أن تلتقينَ بمحبيكِ بعدَ زمنٍ يطولُ أو يَقصٍرُ. وليسَ غريباً أن يبكيكِ أحباءُ كثيرونَ عرفوكِ قليلاً، ولكنهم إختبروا محبَتك كثيراً فماذا نقولُ ونحنُ ابناؤكِ، وسوفَ تتعبينا يا أُمي كثيراً بغيابكِ ولَمْ ندرِكْ الكثيرَ مِنْ الحبِ والحنانِ والفراغِ الذي تركتيِه إلاّ عندَ غيابَكِ.
ونحنُ نقفُ أمامَ جسدُكِ لا يسعنا إلاّ أنْ نقولَ لروحكِ الطاهرةِ، تلكَ الروحُ التي كانت منتظرةً ذلكَ الوقتَ السعيدَ الذي فيه تنطلقُ من رباطاتِ الجسدِ, قدْ فارقَتنا جسداً، لكنَ روحَها المؤمنةَ والصابرةَ والمثابرةَ والتي كانت لا تفارِقُها وهي أمامَ هذا الامتحانِ الصعبِ سوفَ نتذكرُ كلماتِها وقوةِ ايمانها وروحِها المليئةِ بمحبةِ الانسانِ. رحلتِ يا أمي سريعاً ولكنَ حكايةَ رحليكِ كانت حلماً ووداعُكِ كأنه وهمٌ وقد علمتينا كلَ شيءٍ باستثناءِ كيفية العيشِ بدونكِ، أتذكركِ يا أمي كثيراً وأتذكرُ مواقفكِ المليئةِ بطيبةِ الانسانِ العفويةِ وقد يكونُ هذا مألوفاً مع عائلتكِ وأهلكِ، ولكن أنْ يكونَ مع الناسِ خارجَ دائرةِ الأحبةِ فقد لا يكونُ مألوفاً لدى الجميع. الموقفُ الأولُ عندما كُنا في مرحلةِ الشبابِ ودّقَ أحدُهم البابَ سائلاً عن مساعدةٍ بداعي أنَّ سيارتَهُ قد تعطلتْ وأنهُ محتاجٌ لمبلغٍ مالْي وقدرُه عشرةُ دنانيرَ في سبعينياتِ القرنِ الماضي لإصلاحِ سيارتهِ كدَينٍ وأنه قادمٌ من محافظةٍ ثانيةٍ وهو مبلغٌ ليسَ بالقليلِ في ذلكَ الوقتِ وبعفويتكِ وطيبتكِ، ويقالُ بأنَّ الأنسانَ الصادقَ يعتقدُ أنَّ الأخرينَ مثله وكانَ ذلكَ، وما أنْ استلمَ المبلغَ وهَّمَ بالمغادرةِ وبعدَ بضع أمتارٍ قلتِ مع نفسكِ قدْ لا تكفيْ العشرةَ دنانيرٍ فكلفتِ ابنَكِ باللحاقِ به لإعطاءهِ عشرةُ دنانيرَ أخرى على الرغمِ مِنْ أنَّ والديْ قَدْ ساورتُه الشكوكُ من قصةِ السيارةِ، وذهبَ صاحبُنا ولم يعُد. والموقفُ الثاني عندما سقطَ أحدُ المستطرقينَ على الأرضِ شٌبهَ مشلولٍ من معاناتِه من الصرعِ وعندما سألتْ أمي عن حالتهِ فأجابَ مَنْ حولُه بانهُ مصابٌ بالصرعِ ولا يَملِكُ ثمنَ الدواءْ فبادرتِ مسرعةً بالمساعدةِ وكأنكِ تنتظرينَ مثلَ هذهِ المواقفِ الإنسانيةِ لتمارسينَ انسانيتكِ وتفرحينَ قلَبكِ وكأنكِ كنتِ تعملينَ بالمَثل الصينيْ القائلْ ” إذا أردتَ السعادةَ لمدةِ ساعةِ، خُذ قيلولةً. وإذا أردتَ السعادةَ لمدةِ يومٍ كاملٍ، إذهبْ لصيدِ السمكِ. إذا أردتَ السعادةَ لمدةِ عامٍ، تحتاجُ إلى ثروةٍ. أما إذا أردتَ السعادةَ لمدى الحياةِ، ساعِدْ شخصاً ما “.
وداعاً حبيبتي حبيبة سوفَ تبقىْ روحُك النقيةُ تزورنا وترفرفُ في فضاءاتِنا تتفقديننا كعادتكِ وتطمئنينَ علينا وكأننا لازلنا أطفالاً وتصلّينَ لنا كثيراً وبينَ صلاةٍ وصلاةٍ صلاةْ .
  أعزيَّ والدي واخوتي واخواتي وعوائلَهم وكلّ محبي المرحومةِ طالبينَ من الربِ أنْ يصّبرنا جميعاً. وفي الختامِ كلماتُ شكرٍ وتقديرٍ ومحبةٍ لكلِّ الذينَ بعثوا ببرقياتِ التعزيةِ من أعضاءِ برلمانِ ورؤساءِ أحزابٍ والسادةُ المطارنةُ الأجلاّء ومنظماتُ المجتمعِ المدنيِ ومواقعٌ التواصلِ الاجتماعيِ وكلُّ الأقاربْ والأصدقاءْ.

د.عامر ملوكا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close