أم سلمة والحسين (قصص قصيرة )

أم سلمة والحسين (قصص قصيرة )

*( رؤيا)

مضت ليلتها باكية حتى الصباح, تحدث نفسها: كنت له أُمّاً بعد أمه, أراه كهذا!

سمع الجيران نحيبها وعويلها, اسرعوا إلى النبي: يارسول الله أم أيمن قضَّت الليل تبكي. دعاها إليه

نطق بصوته العذب الرخيم: يا اُمَّ أيمَنَ، لا أبكَى اللهُ عَينَيكِ! إنَّ جيرانَكِ أتَوني وأخبَروني، فَلا أبكَى اللهُ عَينَيكِ! ما الذي أبكاك؟

ـ سيلٌ من الدمع كالنهر جارٍ على خديها, ردت بصوت خافت: رأيت رؤيا عظيمة شديدة أبكتني ليلي أجمع.

أردف قائلا: فقصّيها على رسول الله, فإنّ الله ورسوله أعلم.

تلعثمت, ثمَّ فقالت: تعظم عليَّ أن أتكلم بها،

كرر قوله: إنّ الرؤيا ليست على ما تُرى فقصّيها على رسول الله.

ـ بكت بحرقة ولوعة, رأيت في ليلتي هذه كأنّ بعض أعضائك مُلقىً في بيتي!

سالت الدموع من عينيه، هدأ روعها قائلا : نامت عينكِ يا اُمّ أيمن، تلد فاطمة سبط الثاني فتربّينه وتُلبنيه فيكون بعض أعضائي في بيتك.(1).

**************

*( قارورة)

ليلة العاشر من محرم دخل غرفتها, أشعثا مغبراّ , استقبلته بعينيَّها الضاجتين بسعادة لقائه, استغربت حاله, برجاء عميق سألته: يا نبي اللّه, بأبي أنت وأمي, مالك؟

ـ دنا منها هامسا: أُسري بي في هذه الليلة إلى موضع من العراق يُقال له كربلاء، فأُريتُ فيه مصرع الحسين ابني.

أخرج من جيبه ترابا, وضعه وسط كفها الأيمن, تباطأت الخطا, وضعت التراب في قارورة و خبّأتها.

بادر زوجها يجيب قلبها المندهش: يا أم سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي إن ابني قد قتل..

سالت الدموع على وجنتيها غدتا شاحبتين متغضنتين أشد مما كانت عليه.

ـ أردف ..هذه التربة هي وديعة عندك، ويح كرب وبلاء.(2).

…………………………………

*( وداع )

مضى أَكثرَ من خَمسينَ سنةٍ, صدى ذلكَ اليوم محفورٌ في ذاكرتها, عَزَمَ السِّبطُ على الخروج, ودَّعها, استرجعتْ مشاهدَ ليلةِ العاشر مع النَّبيِّ, وقفتْ أُمُّ سَلَمَة تسأل نفسَها: ياربِّ هل كتبتَ لي الامتحانَ بهذه المصيبةِ التي تهدُّ الجبال؟

رآها الحسينُ وجلةً مذعورةً من الوداع, خاطَبَها:

أُمَّاهُ, يقضي اللهُ أَمرًا كانَ مفعولا.

اختنقتْ بعَبرَتِها: ياوَلدي كلَّ يومٍ يلهَجُ لساني بحمدِ اللهِ, وأَقولُ ما زَالَ ولدي وحبيبي وقُرَّة عيني حيًّا, اسْتَأذَنَتْهُ, جلبت القارورةَ ووضعتها بينَ يديهِ قائلةً: لاتخرجُ, فإني سمعتُ جدَّكَ يقول: إنَّ ابني الحسين يُقتلُ بأَرضِ العراق، وعندي تربة من تلكَ الأرض اعطانيها رسولُ الله.

ـ أُمَّاهُ: إذا فاضَتِ القارورةُ دَمًا، فاعلمي أَنِّي قُتلت.(3).

*****

** سالت دما في المدينة !

يخفق قلبها بشدة تراقب وديعة الرسول كل يوم وتقول: إن يوماً تتحولين دماً ليوم عظيم.

تغمض عينيها وتحمد الله أن القارورة لم يتغيّر لونها.

عاد ألق نصف قرن يحاكي ذاكرتها, حديث زوجها الذي لا ينطق عن الهوى, تتوجس خيفة وتنبجس عيناها بالدموع فتتهالك قواها, ارتسمت في مخيلتها النوائب والمصائب، فقد الرسول وبضعته وبعلها وسبطه, لتردد: سيعود ليل الجاهلية مرة أخرى بأقنعة أموية, تتمنى ألا يأتي هذا اليوم!

هاجت لوعة الحزن والأسى, نامت رأت الرسول في منامها: مكتئبا وعليه ثياب مغبرة معفرة حدثها:

إني قادم من كربلاء ومن مدفن الشهداء.

نهضت ترتعش مرتعبة صباح العاشر من محرم, سارعت لرؤية التراب في القارورة تحول أحمر كشمس تغرب باحمرار .

أجهشت بالبكاء والنحيب, أعلنت النبأ في المدينة.(4).

………………….

(1) للكاتب مجاهد منعثر منشد /المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله) , الفصل الثاني (حجور طيبة), ص14.

(2) المصدر السابق , ص16.

(3) المصدر السابق , الفصل الثالث , ص 52.

(4) المصدر نفسه , الفصل الخامس ص 110ـ 111.

بقلم / مجاهد منعثر منشد /المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله) , الطبعة الأولى , دار جسد ( بغداد ، 2022) .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close