قراءة في رواية ( ذاكرة يد ) حكاية من تابوت الأمن

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

وضع (كريم كطافة) هيكلية معماره ومن البداية في إطار ضيق. قال أنه سيتحدث عن جريمة متدوالة لنظام تاريخه ملطخ بما لا يحصى من الجرائم والضحايا. دون أن يخفي معاناته القادمة من ضيق هذا الإطار. الحدث متداول ومحفوف باحتمالات التكرار. ثم يجد نفسه في وضع لا يقل صعوبة عن هذا؛ أنه ينتمي إلى تجربة سياسية وحياتية مختلفة كلياً عن تجارب ضحايا هذا الحدث، بما يولد لديه حيرة التعامل مع شخوص الحياة الحقيقية متحولين إلى شخوص روائية، دون أن يسقط عليهم من تجربته ورؤاه السياسية. كيف يبعد نفسه عنهم وهو يتعامل مع سرده القادم.
هنا تبرز مهارة أو لعبة أو تقنيات الكاتب، بسحب القارئ إلى مشاركته بدلاً من بقاءه مجرد متلقي،. من الفصل الأول المعنون (حكاية الحكاية- سرير بيروكوست) كشف كل أوراقه للقارئ. قال أنه سيتناول قضية (مؤامرة) لعصابة خطيرة استهدف الحزب والثورة والشعب والاقتصاد الوطني أيام الحصار. تسببت بصعود سعر صرف الدولار. ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تجريمهم والحكم عليهم بعقوبة تنتمي للثأر؛ قطع اليد اليمنى من الرسغ ووسم جباههم بعلامة (X). كذلك أعلن للقارئ أنه لن يسقط أفكاره الشخصية ورؤاه وتجربته السياسية على ما سيسرده. وفي نهاية الفصل الأول (العتبة الأولى) يسأل: هل حافظت على وعدي لنفسي بعدم إسقاط عالمي على عوالمهم/ ص18. هنا أنه يدعو القارئ ليكون رقيباً عليه. أين سيجد هفوة أو عدولاً عن هذا الشرط الذي وضعه على نفسه. وهنا سيكون سؤال القارئ وهو يتابع السرد؛ هل سيقدم لنا الكاتب مرثية جديدة للضحايا في زمن تكاثرت فيها المراثي في حياتنا بعد 2003؟ أم أنه سيغوص في عملية تفكيك بعض حقائق ذلك الزمن باستخدام واقعة محددة أو جزئية من نثار كبير وبطابع تسجيلي/ توثيقي على لسان الراوي الضحية (صلاح حسن زناد) وهو يتخذ من شخصية الرئيس (صدام حسين) محاور صامت..؟ يقول: الرئيس في يدي.. وحين أكتب يحاورني..!
هذا ما أدعوه أنا بـ(تفاحة المعرفة) تفاحة آدم. إثارة فضول القارئ للمتابعة والتسقط. من الآن لن يكون القارئ متلقياً فحسب، بل ومتابعاً للوقائع والأحداث ومن ثم مشاركاً في تشكيلها أو إعادة تشكيلها، بما يمنح القارئ رؤيا تخرج الحدث من إطاره الزمني في الماضي لتمنحه أفقاً في واقع حياة العراقيين ما بعد 2003. هذه المواجهة مع القارئ كما شعرت بها، ستترك فسحة أو نافذة للحوار مع الكاتب إضافة إلى نوع من الإلفة. سيبحث القارئ عن صورته وصوته في هذه السرديات. فالعراقيون على مدى عقود هم ارتال من الضحايا المتناسلة .
من خلال قراءاتي لأعمال الكاتب (كريم كطافة) التي سبقت هذه الرواية؛ لم أجده سوى منحازاً للإنسان المنكوب والمهمش والمسحوق. لذلك تكتسب الكتابة عنده فعل المقاومة. يواصل في سردياته ترميم الذاكرة العراقية التي عملت نظم الاستبداد على إعطابها بوسائل متنوعة وتركها أسيرة المقارنة بين السيء والأسوء وكما يقال بالعامية (بين الخراء والأخرأ). عملية نقد الماضي ودفعه في إتجاه تطوير وعي نقدي لواقع الحال وآفاق المستقبل الذي لا تلوح فيه سوى العواصف الطاحنة.
شخصيات هذه الرواية ( ذاكرة يد) مدروسة بعناية ومنحوتة باناقة بلا افتعال أو تكلف في تشكيلها. أُعطيت لها مساحتها الكافية في التعبير عن نفسها. شخصيات ليس لها خيارات أو بخيارات محدودة جداً في ظل النظام الشمولي. مسكونة بالخوف ومدفوعة للإجابة عن سؤال وحيد: كيف تأمن استمرار حياتها في ظل حصار جائر. محكومة بالقدر، لكنه ليس القدر الغيبي وانما قدر النظام الشمولي المفروض عليها، سواء في حياتها وموتها، سعادتها أو بؤسها. بل حتى الوجه الآخر للضحايا؛ الذي يعتقد نفسه محمياً باعتباره جزء من النظام، رجال الأمن و(الشمامين) كتبة التقارير الأمنية، حتى هؤلاء ظهروا أنهم محكومين بذات القدر المفروض على الجميع.
كان صوت الراوي (صلاح) في هذه السردية تجسيداً لشخصية شعب منكوب ومحكوم بلعبة (الأفعى والسلّم) (الحيّة والدرج). جاء تعبيراً عن ذلك الحقد الانساني المقدس ضد هذا الاستبداد واليات الفكر الشمولي، الذي ما زال العراقيون محكومين بها الى يومنا هذا. شعب اكتسب مهارات للتعايش مع الخوف. (الجلاد دائما على حق والضحية هو المذنب ص/ 84). فالبعثي الشمّام موجود حسب الطلب… ( كلما وقع بيدي كتاب لقراءته، يسكنني هاجس طيلة القراءة، أهذا الكتاب ممنوعاً) . انه زمن بيروكوست المضياف والذي من المفروض أن يناسب حجم ضيفه حجم سريره. ولترتيب هذا الاتفاق بين طول الضحية وطول السرير، ينبغي للساطور أن يعمل لقطع الأطراف الزائدة، أو سحب الأطراف الناقصة عن السرير.
هل هو قدرنا كعراقيين أن نبقى محكومين بنظم واليات الاحزاب الشمولية ( رفض الاخر المخلتف واجبارالكل على ليس فقط العيش ضمن نسق السلطة المحدد أو الحزب المحدد وانما تمجيده ) سواء في هرم السلطة أو معارضتها. هذا ما يكمن في تداعيات الرواي عن راس السلطة ونظامها الساقط وحزبها حين كان في المعارضة والسجن في فترة نضاله السري. ما أن يذهب جلاد حتى ياتي معارض ويتحول الى جلاد اخر. دائرة العنف اللامنتهية في هذا البلد قمة وقاعدة. دائرة العنف العراقية المقتصر إنتاجها على انتاج او اعادة انتاج سلاسل الضحايا والجلادين، بحيث ما أجتمع عراقيان الا وجمعهما البكاء. يبدو أن الجلاد والمعارض ينهل من نفس المنبع المرتبط بالفكر الشمولي فكراً وسلوكا. موقعه اللاحق في هرمية السلطة هي التي تحدد قدرته في استعمال العنف.
أنها من السرديات التي تجسد ثأرنا جميعاً من نظام القتلة. وأجد أن ضغط هذه الفكرة ربما جعلت (الكاتب) اقل تخفياً في هذه الرواية عما عرفته سابقاً. وليكن كذلك فهو كما يبدو لي، لا يخشى ذلك كثيراً بسب حجم الالم للمأسي التي اغرقت حياتنا والاخفاق في تشكيل عالم اخر وخيبة المرتجى، هنا يمتزج صوت ( العالم الداخلي) للرواي والكاتب والقارئ. أنه صوت الغريق الذي لن يجد قشة يتعلق بها. أنها مأساة جماعية تنطق بصوت واحد دون الوقوع في مرثية الضحية.
في مناجاة حسن الكرعاوي ( صوت أخر) من أصوات الرواية؛ مناجاته مع الله قبل قطع كفه والتي هي قطعة من التوحد الصوفي بين المنكوب والخالق (يا الهي.. أنت القادر المقتدر. أنت العالم بحالنا.. الا تدلني أين خيانتي..؟ قالوا أني خنت الوطن .. ولا أدري عن اي وطن يتحدثون.. الوطن الوحيد الذي أعرفه أكل مني يدي اليسرى ( في الحرب) وترك ما بقى معطوبا .. الان الوطن يريد مني كفي اليمنى باكملها ص/ 199 ). تصعد درما النص ولكن (الكاتب) لا يذهب بالقارئ بعيداً لا يلبث أن يعيده الى الارض في صياغة مفهوم الوطن. هذا الوطن الذي لا يشبع من القرابين ولمن هذه القرابين ولماذا وهل هي قدرنا ومتى يتوقف اؤلئك الذين يجلسون في بروجوهم العاجية مجبريننا على دفع هذه الجزية.
حسن الكرعاوي الذي تعطلت كفه اليسرى في الحرب العراقية الايرانية، حين توسل الحاكم ان تقطع كفه اليسرى بدل اليمني.
أجابه الموصوف قاضياً
– أن يدك اليسرى ضحيت بها من أجل الوطن .. لكنك الان باليمنى قد خنت الوطن. ص/ 199
هذا الوطن المنكوب سيختصربكل رمزيته بالسؤال الوطني ص/47 (ماهو سعر الصرف اليوم؟).
ومن سخرية القدر أن يكون أول وفد رسمي يدخل البيت الابيض بعد 2003 هو وفد مقطوعي الاكف والموسومة جباههم. بعد تجشم أحد منتجي الأفلام الوثائقية الأمريكي (دان نورث)، على تأمين حملة تبرعات من جهات مختلفة، لتأمين علاجهم في إحدى المستشفيات الأمريكية. لكن حتى هذه النهاية التي تبدو مفرحة، لم يتركها الكاتب تمر بدون (تلغيم) الحدث؛ أن الضحايا تحولوا إلى رأسمال لتدوير المسحة الأخلاقية التي اتصف بها المحتل، ليعاد استثمارها في التغطية على حدث آخر لا يقل بشاعة عن الحدث الأول. ومن اجل ان يكمل الكاتب نسج بساطه من خيوطه المتنوعة وليعلن صرخة شعب ووطن سيلقى لاحقاً في مهب الريح، يبرز هنا صوته واضحاً من خلال سؤال يضعه على لسان صحفي أمريكي موجه لوزير الدفاع وبحضور الضحايا:
ـ أيصح سيدي الوزير القول؛ أن نتيجة حربنا هي هذه التي نشاهدها الآن أمامنا (يشير إلى الضحايا) الجالسين في القاعة، بدل عثورنا على أسلحة الدمار الشامل المزعومة؛ حصلنا على سبع ضحايا مجلوبين للعلاج. أتستحق هذه النتيجة خسارة أرواح الجنود الأمريكيين والتمويل الحربي الهائل/ ص357.
بصوته ينهي كريم كطافة صفحات روايته.
ذاكرة يد – حكاية من تابوت الامن. الناشر: سطور للنشر والتوزيع. 368 صفحة.
10-8-2022

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close