بمناسبة الفيضانات الحالية المدمرة في السودان: التفكر في القرآن الكريم (ح 2)

الدكتور فاضل حسن شريف

الماء نعمة وهي من أسرار الله تعالى التي تنزل من السماء وتشق الأرض أفقيا وعموديا. فالماء اصل الحياة “وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ” (الانبياء 30). الماء لا يقل عن 80% من جسم الكائن الحي. فالماء النازل من السماء يعتبر من السوائل الطاهرة غير الملوثة لاحياء الارض فبدون الماء تصبح ميتة قال الله جل جلاله وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان 48-49). من الماء يخرج الثمر ونرتزق نتيجة ذلك “وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ” (البقرة 22). وفي آيات قرآنية وضع الله تعالى جمل استفهامية للتفكر بنعمة الماء “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ” (الزمر 21)، و “أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ” (الواقعة 68-69). وبعد هذه النعمة التي تنزل من السماء لم يفكر الانسان السوداني بها ويستغلها احسن استغلال بتخزينها وإحياء الأرض فيما بعد، بل بالعكس تصبح وبالا عليه بتدميرها الأرض والممتلكات وكما قال الله تعالى “وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (النحل 118).

التفكير هو من الأمور التي حثَّ عليها القرآن الكريم كثيراً، الإنذار بالعذاب لمن ترك التفكير والإعتبار به، كقوله تعالى “رَبّنَا مَا خَلَقتَ هذَا باطِلاً سُبحانَكَ فقِنَا عَذَاب النَّارِ” (ال عمران 191) فالامطار والثلوج لم تحصل لكي تضر الانسان وانما جاءت لمنفعته ولكن الانسان ترك التفكير واغلق عقله فظلم نفسه في الدنيا وسيحاسبه الله تعالى في الاخرة لانه اسرف بضياع مياه الامطار والثلوج ولم يستخدمها بالطريقة الصحيحة، مثلا بانشاء الخزانات والسدود.

ورد عند المتشرعة: التفكير يمكن أن يكون على عدَّة مستويات، وهي تختلف باختلاف مستوى المفكِّر من حيث الثقافة والعقلية والإيمان. النظر الدقيق في العلاقات بين الأشياء، كالعلاقة بين الشمس والأرض، أو القمر والأرض، أو القمر والمدِّ والجزر، أو بين الشمس والنبات, أو بين السحاب والمطر، أو بين الجهاز الهضميِّ والدم أو التنفس والدم، أو بين الثمرة والشجرة، وغيرها. وهنالك مستويات اعمق من التفكر: النظر أدقُّ من ذلك، في التفاصيل الفيزياوية والكمياوية والكهرومغناطيسية للأشياء، سواءٌ الصغيرة منها كالذرة ونواتها، أم الكبيرة منها كالهواء والبحار، أم الأوسع منها كالفضاء الكوني، وما يسعه من مجراتٍ لم يعلم البشر منها إلا قليلاً. ومن التفكير: النظر إلى الأمور التي يتعذر تفسيرها بالعلم التجريبي المادي.

جاء في موقع سكاي نيوز: تسببت سيول وفيضانات وأمطار غزيرة في تدمير كلي وجزئي خلال صيف 2021 طال نحو 17500 منزل في مختلف مناطق السودان، وأثرت بشكل مباشر على أكثر من 88000 شخص في 13 ولاية من أصل 18 ولاية منذ منتصف موسم الأمطار في يوليو، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (اوشا). أما صيف 2020 التي كانت الأكبر في تاريخ البلاد؛ والتي اجتاحت 16 ولاية من مجمل ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، وأدت إلى مقتل نحو 117 شخصا ودمرت أكثر من 100 ألف منزل بشكل كامل أو جزئي، إضافة إلى مئات المدارس والمنشآت الخدمية والتجارية. وتعتبر ولايات الجزيرة وجنوب دارفور والقضارف وغرب دارفور الأكثر تضررا. والنيل الأبيض يسبب فيضانات سنوية مدمرة. وبعد هطول أولى أمطار خريف 2022 في الخرطوم يوم الأربعاء، ظهرت عورات البنية التحتية حيث تعطلت حركة المرور في العديد من الطرق الرئيسية والفرعية في العاصمة، وبدأت برك المياه في التراكم حتى في أرقى إحياء الخرطوم. وعلى مدى أشهر الخريف يقضى معظم سكان أحياء الخرطوم ساعات طوال في محاولة إخراج المياه من منازلهم وفتح منافذ تمكنهم من الوصول إلى أماكن الخدمات اليومية، خصوصا عند هطول أمطار غزيرة تتبعتها سيول جارفة تؤدي في العادة إلى قطع عدد من الطرق القومية أبرزها الطريق الرابط بين موانئ الصادرات والواردات الرئيسي على البحر الأحمر ومدن البلاد الأخرى والذي يمر عبر مدينة عطبرة في ولاية نهر النيل. ويواجه سكان مناطق الخرطوم المختلفة صعوبات كبيرة في الحركة سواء سيرا على الأقدام او باستخدام السيارات حيث تتحول معظم أحياء وطرقات العاصمة إلى بركة مياه كبيرة خلال الفترة من يوليو وحتى نهاية سبتمبر من كل عام، مما يؤدي إلى غيابات عن العمل تصل إلى أكثر من 50 في المئة في معظم أيام الأسبوع. وفي هذا الإطار، يرى الصحفي أحمد خليل أن مشاكل الخريف والفيضانات ظلت لسنوات طويلة تؤرق سكان المدن والقرى السودانية على السواء بسبب الإهمال الواضح وعدم الاستعداد المبكر من الحكومات وتقادم ونقص البنية التحتية وغياب التخطيط السليم.

أفادت التقارير بأن الفيضانات هذه السنة أثرت على 238 مرفقا صحيا، كما تضرر أو جُرف 1,560 مصدرا للمياه وأكثر من 1,500 مرحاض وأنه في عام 2021، تأثر حوالي 314,500 شخص في جميع أنحاء السودان، بينما تأثر بين عامي 2017 و2021 في المتوسط 388,600 شخص سنويا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close